أمن الحدود ومكافحة الإرهاب يعيدان الحيوية للعلاقات بين مصر والسودان

أمن الحدود ومكافحة الإرهاب يعيدان الحيوية للعلاقات بين مصر والسودان


القاهرة – عكست المباحثات التي أجراها إبراهيم الغندور وزير خارجية السودان في القاهرة السبت، جانبا مهمّا من الشفافية الغائبة بين البلدين، والتي أدت إلى توتر لافت في العلاقات خلال الأيام الماضية.

والتقى الغندور الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، وأطلعه على الموقف السوداني من الملفّات التي عكّرت صفو العلاقات، وأهمّها كلام الرئيس السوداني عمر البشير بشأن ضبط معدات عسكرية مصرية في دارفور، والحاجة لمزيد من التنسيق الأمني والفنّي.

وأجرى وزير خارجية السودان لقاء موسّعا مع نظيره المصري سامح شكري، تضمّن جلسة مغلقة لمسؤولين في البلدين، تناولت القضايا التي أدّت إلى توتّر العلاقات بين القاهرة والخرطوم، ثم عقدا مؤتمرا صحافيا حرص خلاله الغندور وشكري على الإيحاء بتصفية الكثير من الملفات العالقة، وبدا كلاهما مطمئنا لإزالة العوامل التي أدّت إلى تكثيف السحب السياسية مؤخرا.

وأكد شكري أنه تمّ تناول كافة القضايا الثنائية بين البلدين، والتطرّق إلى سبل تعزيز آليات التعاون بينهما في ظل تصاعد التهديدات الإرهابية في ليبيا، وتمّ التواصل على مستوى القيادات العسكرية والأمنية وزيادة وتيرة الاتصالات للوصول إلى إطار جامع للسياسة الخارجية المصرية السودانية.

وأشار الغندور إلى أنّه سلّم الرئيس المصري رسالة من نظيره السوداني حول المعلومات التي لدى الخرطوم لتعزيز التعاون الأمني والعسكري بين البلدين، ودعا وسائل الإعلام المختلفة في البلدين إلى التأنّي والحرص فيما تكتبه أو تبثّه، لأن ذلك يؤثر بشكل مباشر على العلاقة الوطيدة بين شعوب البلدين.

وكان من اللافت في حديث وزير خارجية السودان عن المثلث الحدودي بين مصر والسودان وليبيا، تشديده على أن كل دولة من حقها الاحتفاظ بقوات على الجانب الخاص بها، والخرطوم لا تمانع في وجود قوات مصرية على الحدود مع السودان، خاصة في ظل امتدادها لمساحات شاسعة بين البلدين.

نقطة البداية الصحيحة للاحتفاظ بعلاقات جيدة بين مصر والسودان، وضع تصوُّر مشترك واضح وحقيقي للتعامل مع الملفات الحيوية
ونشرت مصر مؤخرا قوات عسكرية في منطقة المثلث الحدودي مع كل من ليبيا والسودان، ووجهت ضربات جوية لمراكز تدريب العناصر الإرهابية في درنة بشرق ليبيا، عقب مقتل 29 مواطنا مصريا في محافظة المنيا بوسط مصر 25 مايو الماضي.

وشدد وزير خارجية السودان على أنّ التعاون قائم بين البلدين لحماية الحدود المشتركة، وبلاده نجحت في تشكيل قوات مشتركة لحماية الحدود مع كل من إثيوبيا وتشاد، وحققت نجاحا كبيرا، ملمّحا إلى أن الخرطوم طلبت من القاهرة التعاون المشترك لضبط الحدود المشتركة منذ فترة.

وأكد متابعون للعلاقات المصرية السودانية أن الود الذي تحدث به الوزيران في المؤتمر الصحافي، والحرص على شفافية وصراحة المباحثات، يعكسان رغبة الطرفين في تجاوز الخلافات واستعادة زخم العلاقات بين البلدين واحتواء الأزمة بينهما التي زادت حدتها في الفترة الأخيرة بشكل غير مسبوق، وكادت تدخل في نفق قاتم.

وقد جاء وصول الغندور للقاهرة بعد ثلاثة أيام فقط من إعلانه تأجيل زيارة كانت مقررة لها من قبل، وهو ما أثار العديد من الهواجس خاصة أنه لم تحدث تطورات جديدة بين البلدين تستدعي التغيير المفاجئ. وذهبت مصادر مصرية إلى أن السودان استشعر خطورة التوتر مع القاهرة حاليا، عقب تصاعد الهجمات الإرهابية على الأراضي المصرية والتحركات المكثفة لمواجهة الإرهاب بتعزيز تواجد الجيش المصري في المثلث الحدودي بين مصر والسودان وليبيا، وضربات الطيران المصري الأخيرة على مدينة درنة، ومحاولات البعض توجيه اتهامات مباشرة للسودان بمساعدة عناصر مصرية مطلوبة أمنيا.

وأوضحت أن الجدية التي أظهرتها القاهرة في مواجهة التحديات الإرهابية على ضوء ما أعلنه السيسي من أن “مصر لن تتهاون في عقاب كل من يستهدف أمنها القومي” في أعقاب هجمات المنيا، لعبت دورا في أن تدفع الخرطوم إلى إعادة تقييم الموقف من جديد، على أسس تميل للتهدئة.

ولم يستبعد هؤلاء أن يكون التغير المفاجئ في خطط وزير الخارجية السوداني جاء على ضوء الأزمة التي تواجهها قطر حاليا مع مصر ودول مجلس التعاون الخليجي بعد تصريحات أميرها الشيخ تميم بن حمد بشأن العلاقة مع الولايات المتحدة وإيران والإخوان المسلمين، لا سيما أن معلومات كثيرة متداولة قالت إن الدوحة من أبرز الداعمين للخرطوم في موقفها التصعيدي ضد القاهرة.

وقال رخا أحمد حسن، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، إن زيارة الغندور هامة للغاية لأنها وضعت النقاط على الحروف بالنسبة إلى العديد من التصريحات السودانية الأخيرة التي صدرت عن الرئيس البشير وبعض وزرائه ووسائل الإعلام، والقرارات التصعيدية من الجانب السوداني، وأهمها حظر استيراد السلع الزراعية والحيوانية المصرية، وفاقمت الأزمة وأخرجتها عن السياق الفني ومنحتها بعدا سياسيا وأمنيا.

ورجح حسن في تصريحات لـ”العرب” أن تؤدي زيارة الغندور إلى الحد من استمرار التصريحات والقرارات السودانية التي تميل نحو التصعيد، لأن الوضوح الذي بدت عليه “كفيل بطي الصفحة الماضية وتجنب تكرارها”.

وتوقع البعض من المراقبين أن تكون هذه الزيارة مختلفة عن اللقاءات السابقة، التي كانت تكتفي بالحرص الدبلوماسي والشكلي للعلاقات دون الدخول في العمق، لذلك فالبداية الجادة لتصحيح المسارات تأتي عن طريق الاعتماد على الشفافية المطلقة، خاصة أن كلا من القاهرة والخرطوم لديهما حرص دفين على احتفاظ العلاقات بحرارتها التاريخية.

لكن زكى البحيري الخبير في الشؤون السودانية قلل من أهمية هذه اللقاءات، وقال لـ”العرب” إنه “من الصعب التعويل عليها كثيرا في الوصول إلى حلول طويلة المدى للملفات المشتركة، نتيجة لتذبذب مواقف الحكومة السودانية مع مصر في الفترة الأخيرة”، مشددا على أن ملفات التعاون عديدة، واللقاءات بين وزيري الخارجية تحدث كثيرا وعلى فترات متقاربة ثم يعود التوتر مرة أخرى.

وقال متابعون إن نقطة البداية الصحيحة للاحتفاظ بعلاقات جيدة بين مصر والسودان، وضعُ تصوُّر مشترك واضح وحقيقي للتعامل مع الملفات الحيوية، مثل سد النهضة الإثيوبي ومكافحة الإرهاب والموقف من المعارضة على الجانبين وضمان مصر عدم تسرب أسلحتها لكل من جنوب السودان والجيش الليبي إلى الأراضي السودانية.

العرب اللندنية