المجتمع الهندي.. طيف ديني وعرقي واسع

المجتمع الهندي.. طيف ديني وعرقي واسع

57

بعدد سكانها الذي يتجاوز المليار وربع المليار، وبمساحتها الشاسعة التي تبلغ أكثر من ثلاثة ملايين كيلومتر مربع، ترتسم في الهند لوحة فسيفسائية تشكل تنوعا عرقيا ودينيا وثقافيا قلَّ مثيله في دولة واحدة من العالم.

قائمة طويلة من الأديان والمعتقدات الرئيسة التي ينتمي إليها سكان البلاد، تحت كل راية منها تنضوي طوائف وشيع مختلفة يقدر عددها بمئات الآلاف. وتشكل الهندوسية الثقافة الرئيسية في الهند، ويقدر عدد أتباع طوائفها المختلفة بنحو 80% من السكان.

ويأتي الإسلام في الترتيب الثاني بعد الهندوسية، ويبلغ عدد أتباعه نحو 180 مليونا يشكلون نحو 14% من عدد السكان، غالبيتهم من أتباع المذهب السني وقلة قليلة تقدر بنحو مليون ونصف المليون هم من أتباع المذهب الشيعي وغيره.

أما اتباع الديانة المسيحية فتقدر نسبتهم بنحو 2.4% من عدد السكان، يليهم السيخ بنحو 1.6% ثم البوذيون، وثقافات أخرى تتوزع على النسبة المتبقية وتنتشر في كافة أنحاء البلاد.

الهندوسية
وهي مجموعة من العقائد والتقاليد التي تشكلت عبر مسيرة طويلة من تاريخ البشرية إلى وقتنا الحاضر، ولا يوجد لها مؤسس معين تنتسب إليه شخصياً، وإنما تشكلت عبر امتداد القرون، ويعتقد أنها مزيج من شعائر الهنود الأُصَلاء، وشعائر القبائل الآرية التي أغارت على الهند قبل الميلاد بعدة قرون.

وقد اشتملت الديانة الهندية القديمة على أنواع شتى من الآلهة، ففيها آلهة تمثل قوى الطبيعة وتُنسب إليها، مثل: إله المطر، وإله النار، وإله النور والريح. ويتم اتخاذ الآلهة بحسب المنفعة التي ترتجى منها أو الخوف المتوقع منها، فتعبد البقر والأنهار والأشجار والشمس والقمر، وفي الوقت ذاته تعبد النار والأفاعي، ولكل فرد الحق في أن يتخذ إلهًا يقدسه مما يعتقد أنه يجلب له منفعة. وهي ثقافة تضم القيم الروحية والخلقية إلى جانب المبادئ القانونية والتنظيمية.

أهم ما يميز الثقافة الهندوسية اعتمادها نظاما طبقيا قاسيا لا يزال موجودا حتى الآن، فهم يعتقدون أنه لا طريق ولا وسيلة مناسبة لإزالته لأنها تقسيمات أبدية. إذ يأتي البراهمة في أعلى ترتيبها فهم خلقوا من رأس الإله، ومنهم الزعماء والساسة والكهنة والقضاة، وتلجأ إليهم الطبقات الأدنى في حالات الزواج والوفاة، ولا يجوز تقديم القرابين إلاَّ في حضرتهم.

يليهم في الترتيب الكاشتر، إذ يعتقدون أنهم مخلوقون من ذراعي الإله، وهم طبقة الجند والقادة العسكريين، وهم حملة السلاح للدفاع عن الطبقات الأخرى، ثم طبقة الويش وهم المخلوقون -باعتقادهم- من فخذي الإله، وهم الزراع والتجار. ثم في نهاية الترتيب طبقة الشودر أو المنبوذين وعملهم مقصور على خدمة الطوائف الثلاثة السابقة الشريفة، ويمتهنون المهن المتدنية.

وليست الطوائف الهندوسية على اعتقاد واحد، بل هناك تناقض بين مجموعاتها بحسب الموقع الجغرافي، فمثلا في الاحتفالات الدينية في الشمال يقدسون الإله رام ويحرقون مجسما لراون، وعكسه تماما ما يتمّ في جنوب البلاد حيث يُقدس راون وتحرق دمية لرام.

السيخية
وهي ثقافة نشأت متأخرا في القرن الخامس عشر الميلادي، وقد دعوا إلى دين جديد فيه شيء من الإسلام والهندوسية، رافعين شعار “لا هندوس ولا مسلمين”، وأسسها رجل هندي اسمه نانال ويطلق عليه “المعلم أو غورو”.

وكان يهدف إلى جمع المسلمين والهندوس على دين واحد، لكنه نبذ من الجانبين فأسس مجموعته لوحده، وهم يعتقدون أن روح كل معلم تنتقل للمعلم الآخر.

ولهم أصول في ثقافتهم منها ترك الشعر مرسلا دون قص من المهد إلى اللحد، ولبس سوار حديدي ولبس السروال القصير تحت الملابس كناية عن العفة، والتمنطق بخنجر على الدوام.

زاعات
ووفقا لبيانات حكومية، فإن أكبر معدل للنمو من حيث العدد هو من نصيب المسلمين، إذ يبلغ وفقا للتعداد العام في الهند ما نسبته 29%، وأقله للسيخ بنسبة 18%، أما الهندوس فتقدر نسبة زيادتهم بنحو 20%.

وتعترف الحكومة بـ28 لغة رسمية محلية تتوزع على ولايات الهند الـ22، فيما يقدر عدد اللهجات واللغات المحلية بنحو أربعمائة لغة للتواصل.

ويعيش عدد كبير من السكان ممن يطلق عليهم “الآديباسي” في الغابات، وهم يرفضون الانخراط في الحياة الحديثة في المدن والقرى المتحضرة، ويقدر عددهم بأكثر من مائة مليون يتوزعون على نحو عشر ولايات هندية في جميع أنحاء الهند، وتعمل الحكومة على إطلاق برامج كثيرة تهدف إلى تحضيرهم.

شكّل هذا التنوع الإنساني قوة للهند طوال الفترة التي سادت فيها قيم التسامح والتعايش، واشتركت جميع الأعراق في نضال الشعب وكفاحه نحو الاستقلال، غير أن المستعمر وانطلاقا من قاعدته الاستعمارية “فرق تسد” بث بذور الفتنة والطائفية بين أعراق المجتمع، مما أدى إلى حرمان قطاعات كبيرة من المواطنين من حقوقها الاجتماعية والسياسية.

وامتدت النزاعات إلى داخل أتباع الطائفة الواحدة خصوصا الهندوسية، مما أدى إلى ظهور حركات انفصالية ذات مرجعية اعتقادية مثل حركة داليت المنتشرة في عدة ولايات في البلاد، وحركة بودو لاند في ولاية آسام، إضافة إلى بعض الحركات في ولاية البنجاب.

كما تجدر الإشارة إلى وجود حركات اجتماعية حملت السلاح ضد ما تعتقد أنه نظام اقطاعي جديد في البلاد، ومنها حركة “نكسال” التي ثارت ضد الظلم الاجتماعي في البلاد.

وبالقدر الذي يقدمه التنوع من فائدة تبقى المحافظة على ضبط إيقاعه تحديا كبيرا لكل الحكومات المتعاقبة.

الجزيرة

Print Friendly, PDF & Email