أزمة العراق المالية واستثمارات النفط

أزمة العراق المالية واستثمارات النفط

b8e5f1f8-22ba-4b94-8b09-2ebc525eefbb_16x9_600x338

تراجع احتياط المصرف المركزي العراقي من العملات الأجنبية إلى 68 بليون دولار أخيراً، من 77.7 بليون دولار نهاية 2013، أي بمقدار 9.7 بليون دولار وبنسبة 12.5 في المئة. وحصل ذلك خلافاً لنصيحة صندوق النقد الدولي بعدم المس باحتياط العراق لتغطية عجز مالي أو لتسديد نفقات معينة، لكن وزير المال هوشيار زيباري أشار صراحة إلى «أن العراق يعاني أزمة سيولة نقدية لعدم وجود الأموال الكافية لتغطية النفقات» موضحاً «أن الأزمة المالية تعود إلى انخفاض أسعار النفط ونفقات شراء الأسلحة والمعدات العسكرية اللازمة لمواجهة إرهاب تنظيم داعش». وثمة هناك معارضة نيابية لاقتراض الحكومة من المصرف المركزي، حتى أن عضو اللجنة الاقتصادية النيابية نورة البجاري طلبت من محافظ المصرف تبيان أسباب انخفاض حجم الاحتياط لديه، مستبعدة أن يوافق مجلس النواب على ذلك، لأن أرصدة هذا الاحتياط تعطي قوة لعملة العراق ولتعاملاته الدولية.

وعلى رغم أن العراق متفائل بعودة أسعار النفط العالمية إلى الارتفاع، تعامل بواقعية مع تراجعها أخيراً، إذ خفض «سعر التعادل» في موازنة 2015 مرات، وذلك من 90 إلى 70 دولاراً ثم إلى 60 دولاراً وأخيراً إلى 55 دولاراً، مع إنتاج نحو 3.3 مليون برميل يومياً كمعدل تصدير، وقدرت الموازنة بـ102 بليون دولار، يشكل الاعتماد على النفط نسبة 67.3 في المئة، في مقابل 12.4 في المئة على إيرادات من الضرائب والصناعة والزراعة والاتصالات وغيرها، ونحو 2.6 في المئة على الأرصدة المدورة، أما الاقتراض فبلغت حصته 17.7 في المئة، وسيجري اعتماد الدفعة الأولى لسد العجز البالغ 21.4 بليون دولار، بقرض من صندوق النقد الدولي بقيمة 4.5 بليون دولار، وقرض آخر من البنك الدولي بقيمة بليوني دولار. إضافة إلى ذلك قرر المصرف المركزي العراقي تمويل الموازنة بقرض قيمته ستة تريليونات دينار (5.2 بليون دولار) من خلال تشغيل 50 في المئة من احتياطات المصارف التجارية المودعة لديه، وإعادة شراء سندات الخزينة من السوق الثانوية، إذ سيشتري نحو خمسة تريليونات دينار منها كمرحلة أولى، واعتبرت هذه الإجراءات بأنها لا تمس الاحتياط لدى المصرف.

أما بالنسبة إلى خطورة أعباء الحرب المالية في الضغط على الموازنة، فخصصت الحكومة نحو 25.9 بليون دولار موزعة بين 12.75 بليون دولار لوزارة الدفاع، ونحو 12.26 بليون دولار لوزارة الداخلية، و983 مليون دولار لمتطوعي الحشد الشعبي، إضافة إلى صفقات شراء السلاح التي لا تزال قيمتها من الأسرار الحكومية، أما بالنسبة إلى كلفة الحرب المستمرة منذ أكثر من سنة في الغرب والشمال، فأشارت تسريبات من وزارة الدفاع إلى أن هذه النفقات في تصاعد مستمر، وتقدر حالياً بنحو أربعة ملايين دولار يومياً في محافظة الأنبار التي يقع نحو 80 في المئة من أراضيها تحت سيطرة «داعش»، أما العمليات في محافظة صلاح الدين فتكلف يومياً نحو ستة ملايين دولار، ولم تدخل عملية تحرير الموصل بعد جدول النفقات الفعلية.

وفي ظل استمرار الأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن السجال السياسي وتطورات الحرب على «داعش» وأعبائها المالية، يبدو العراق غير قادر على دفع المبالغ المستحقة عليه إلى شركات النفط الأجنبية والبالغة قيمتها 27 بليون دولار. وتعمل في العراق حالياً نحو 17 شركة استثمار عالمية ومن جنسيات مختلفة (أميركية وبريطانية وإيطالية وروسية وماليزية وصينية) لتطوير الحقول النفطية المنتجة والمستكشفة، وذلك وفق عقود أبرمت في جولات التراخيص الأولى والثانية والثالثة والرابعة، وهي ملزمة باستثمار أموالها لرفع القدرة الإنتاجية، على أن تلتزم الحكومة بدفع ما نسبته 50 في المئة من الأموال المصروفة سنوياً، تضاف إليها أرباح بمعدل 1.5 دولار عن كل برميل إضافي، وبما أن الشركات أنفقت خلال العامين الماضيين نحو 43 بليون دولار، يجب على الحكومة دفع 21.5 بليون دولار، تضاف إليها أرباح بـ 5.5 بليون، فيكون المجموع المستحق 27 بليون دولار، وساهمت هذه الاستثمارات بزيادة الإنتاج نحو مليون برميل يومياً، وجرى تشييد منشآت ضخمة تتمتع بكل مستلزمات الرفاهية، حيث يقيم الآلاف من الخبراء الأجانب، وينتظر أن تستمر الشركات المتعاقدة بتنفيذ خططها الاستثمارية باستثمار نحو 87 بليون دولار حتى 2016، على أن يجري استثمار 27 بليون دولار العام الحالي و60 بليوناً العام المقبل.

وكان إجمالي استثمارات شركات النفط العالمية في العراق بلغ 17 بليون دولار في 2011- 2012، سددت الحكومة منها نحو 10 بلايين دولار عبر كميات من النفط، وبذلك يكون إجمالي استثماراتها طوال فترة ست سنوات (2011- 2016) نحو 147 بليون دولار. وتطور الإنتاج النفطي من حقول الوسط والجنوب، من 1.8 مليون برميل إلى 2.7 مليون برميل يومياً، ثم إلى نحو ثلاثة ملايين برميل يومياً مطلع العام الحالي.

ويتطلع العراق وفق وزير نفطه عادل عبدالمهدي إلى تصدير 3.3 مليون برميل يومياً بعد وصول الطاقة الإنتاجية إلى أربعة ملايين برميل، مع عودة حقل كركوك إلى الإنتاج، علماً بأن خططه المستقبلية تتطلع إلى إنتاج ثمانية ملايين برميل يومياً بين 2020 و2030، ولتحقيق هذا الهدف لا بد من تطوير استثمارات الشركات وتنفيذ العقود، خصوصاً لجهة دفع المبالغ المستحقة على الحكومة العراقية. وإذا كان العراق سبق له أن سدد نصيبه من الاستثمارات بتقديم كميات من النفط، فهو قد يلجأ هذه المرة إلى دفع نحو 12 بليون دولار بموجب سندات مضمونة على الخزينة، على أمل أن توافق الشركات على تأجيل دفع المبلغ المتبقي، أي 15 بليون دولار، إلى موعد آخر ريثما يتجاوز البلد تداعيات الأزمات التي يمر بها.

عدنان كريمة

نقلا عن صحيفة الحياة