داعش يترك خلفه صراعا سنيا محتدما على الأنبار

داعش يترك خلفه صراعا سنيا محتدما على الأنبار

134


بغداد – يفتح تسليم مقاليد السلطة في محافظة الأنبار الحدودية الواقعة غرب العراق، لمحافظ جديد، الباب على مرحلة من الصراع “السني – السني”، لا سيما بعد تنحية الحزب الإسلامي من آخر مناصبه المهمة هناك، وسط مخاوف من “ردود أفعال تتجاوز حدود السياسة”، على حد وصف مراقبين.

وتعدّ محافظة الأنبار المعقل الرئيسي للحزب الإسلامي العراقي منذ العام 2003، ليس جماهيريا، فالحزب لا يحظى بشعبية كبيرة بين سكانها، بل لجهة تمكنه من معظم مفاصل الإدارة، في أكبر محافظات العراق مساحة.

وتتوقع قيادات سياسية بارزة من الأنبار، في تصريحات لـ”العرب”، أن “يقود محافظ الأنبار الجديد، محمد الحلبوسي، وهو قيادي في حركة الحل بزعامة جمال الكربولي، حملة لتصفية ما تبقى من نفوذ للحزب الإسلامي، في الدوائر الإدارية للمحافظة” بعد إقالة المحافظ السابق صهيب الراوي المنتمي إلى الحزب الإسلامي إثر إدانته بعمليات فساد.

وينتمي معظم حكام الأقضية والنواحي التابعة للأنبار إلى الحزب الإسلامي، كما يشغل ممثلون عن الحزب مواقع رئيسية في الحكومة المحلية للمحافظة.

وترى شخصيات سياسية في الأنبار، تحدثت مع “العرب”، أن “الخبرات التي تراكمت لدى الحزب الإسلامي، في إدارة الحملات الدعائية، وتحريك المكنات الانتخابية، ضمنت لكوادره حضورا ثابتا في مجالس المحافظات التي تضم سكانا من العرب السنة، منذ 2004″.

ويقول هؤلاء، إن “إدراك منافسي الحزب الجدد، لهذه الحقائق، ربما يدفعهم إلى تصفية مصادر قوته ونفوذه قبيل انتخابات 2018، التي ربما تمثل لحظة موته السياسية”.

ولم تكن محافظة الأنبار، هي الأولى التي يفقدها الحزب الإسلامي، بل سبقتها ديالى، عندما تحولت الإدارة المحلية فيها، العام الماضي، إلى منظمة بدر، بزعامة هادي العامري، بعدما احتكرها الحزب لنحو عشرة أعوام.

وإذا كانت خسارة الحزب الإسلامي لمنصب محافظ ديالى، خلقت شيئا من التعاطف معه في الأوساط السنية، في ظل ما سمي حينها بالانقلاب الشيعي على الأغلبية، إذ يشكل السنة نحو 60 بالمئة من سكان المحافظة، فإن تنحية صهيب الراوي من منصب محافظ الأنبار أثارت السخرية في أوساط السكان المحليين.

ويبدو شائعا في الأنبار تحريف اسم الحزب من “الإسلامي”، إلى “الإسباني”، لنزع القداسة عنه ونفي ارتباط أعضائه المتهمين بالهيمنة على مقدرات المحافظة بالدين.

ومن شأن تطورات محلية كهذه، أن تحدث تغييرات في التركيبة السياسية التي اعتادت تمثيل مناطق العراق الغربية.

وأبلغ مصدر سياسي في مجلس محافظة الأنبار، “العرب”، بأن “حركة الحل، تنوي استثمار العوائد المتحققة من تشغيل الطريق الدولي المارّ بمحافظة الأنبار والرابط بين العراق والأردن، لدعم صعود وجوه جديدة موالية لها، خلال الاقتراع العام في 2018″.

وقال المصدر، إن الحركة التي يتزعمها رجل الأعمال، جمال الكربولي، المقيم في عمان، والذي يملك محطة فضائية معروفة في بغداد، لا تخطط لإزاحة الحزب الإسلامي فقط من واجهة الأنبار السياسية، بل منافسة القوى الأخرى التي تنشط هناك، كجبهة الحوار بزعامة صالح المطلك، وحركة الوفاق بزعامة إياد علاوي.

وأضاف أن “الأنبار تتمتع بثقل سياسي كبير في بغداد، ومعظم الشيعة العراقيين ينظرون إليها بوصفها معقل السنة، وهو ما يفسر حصول ممثليها السياسيين على أهم المناصب التنفيذية في الحكومات العراقية المتعاقبة”.

وأوضح أن “الصعود السياسي عبر واجهة الأنبار، ينقل حركة الحل من كونها حزبا صغيرا إلى مصاف الكبار”.

وعلى حد وصف المصدر، لا يستبعد أن “تخرج ردود أفعال الأطراف المتضررة عن دائرة السياسة إلى العنف، ربما”.

ولم يغب الحزب الإسلامي عن أي صيغة لانتخاب المحافظين الذين تعاقبوا على إدارة المحافظة منذ العام 2004، وإن لم يكن المحافظ المنتخب هو أحد أعضائه ومرشحه المباشر، دفع بنائب له ومعاون ومدير مكتب من بين أعضاء الحزب.

ولم ينضم الحزب الإسلامي إلى القوى السياسية السنية، التي قررت مقاطعة العملية السياسية بعد 2003، وحثت الجماهير على التصويت بـ”لا” خلال الاستفتاء الشعبي على دستور العراق الذي وضع العام 2005.

وحجز الحزب مقعده في مجلس الحكم، الذي تشكل بعد 2003، للمساهمة في إدارة البلاد إلى جانب الحاكم المدني الأميركي، آنذاك، بول بريمر.

ومنذ ذلك الحين، ملأ الحزب الإسلامي الفراغ الإداري والسياسي، الذي نجم عن مقاطعة العملية السياسية، من قبل العرب السنة في الأنبار.

ونجا محافظ الأنبار المقال، صهيب الراوي، الذي ينتمي إلى الحزب الإسلامي، من عمليتي إقالة سابقا، لكن الثالثة أطاحت به الأسبوع الماضي.

وتحول تحالف الحزب الإسلامي مع حركة الحل بزعامة رجل الأعمال جمال الكربولي، الذي ساعد الراوي على الصمود مرارا، إلى خصومة حادة، إثر إحالة الطريق الدولي الذي يربط العراق بكل من سوريا والأردن، مرورا بالأنبار، إلى شركة أميركية لإعماره واستثماره.

ومنذ إحالة الطريق، نشط ممثلو حركة الحل في مجلس الأنبار، مطالبين بإقالة الراوي بعد اتهامه بالفساد، قبل أن يتمكنوا من تحقيق عدد الأصوات اللازم للإطاحة به.

وقالت مصادر “العرب”، إن وسطاء طلبوا من الراوي “دفع مبالغ كبيرة للإبقاء عليه، لكنه رفض قائلا إن خزائن المحافظة خاوية”.

ولجأ الراوي إلى القضاء للطعن في قرار إقالته الصادر عن مجلس الأنبار، لكن محكمة التمييز العليا في بغداد ردت طعنه نهاية الأسبوع.

وقال مراقب سياسي عراقي “ليس صحيحا القول إن الحزب الإسلامي وحده لا يملك قاعدة شعبية، كل الكتل والأحزاب السياسية في العراق هي كذلك. لذلك فإن صعود هذا الحزب السني أو ذاك لا يعتمد على شعبيته في مناطق تعرضت للتدمير وهُجّر معظم سكانها بعد أن امّحت أسباب الحياة في مدنهم بل على مدى قربه من مركزي القرار الإيراني والأميركي”.

واعتبر المراقب في تصريح لـ”العرب” نتائج أي صراع بين أي حزبين يتنازعان على تمثيل المكون السني إنما تخضع لمزاج إرادة أصحاب القرار. وهو ما يعني قياسا للظروف الحالية في المنطقة أن هزيمة الحزب الإسلامي كانت مؤكدة بسبب كونه الواجهة العراقية لجماعة الإخوان المسلمين ولم يقع ذلك بسبب انخفاض مستوى شعبيته وهو العنصر الذي لم يكن يملكه يوما ما.

وتأكد الرأي العام السني بعد كل ما لحق بمدنه من خراب أن كل ممثليه المفترضين فاسدون وهم جزء من آلة الفساد التي تتحكم بكل مفاصل الدولة.

واتفق أصحاب القرار على استبدال الحزب الإسلامي الذي احترقت أوراقه في مرحلة داعش بحزب هو الآخر تحت السيطرة من قبل مديري ماكنة الفساد في بغداد ليكون واجهة سنية في مرحلة ما بعد داعش.

وتوقع المراقب أن تنشأ نزاعات عشائرية بسبب الخسائر والأرباح التي تنتج عن ذلك التحول لكنها تبقى تحت السيطرة فالغالبية العظمى من السنة لا تملك أن تقوم بشيء لافت ومؤثر ما دامت تقيم في خيام النزوح التي لن تغادرها كما يبدو في وقت قريب، لا لشيء إلا لأن مدنها التي دمرت بشكل كامل أو جزئي لن تشهد إعمارا بسبب نضوب الأموال في الخزينة العراقية.

العرب اللندنية

Print Friendly, PDF & Email