الحوار أم المواجهة… ماذا ينتظر كتالونيا؟

الحوار أم المواجهة… ماذا ينتظر كتالونيا؟

73
تراجع رئيس إقليم كتالونيا كارليس بيغديمونت، عن مطلب الاستقلال التام، ليلة الثلاثاء، حيث دعا إلى المزيد من الحوار مع إسبانيا، لحل القضية بطريقة سلمية.

ومستنداً على استفتاء الانفصال الذي أُجري في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول، أكد أنّه سيتصرف وفق ما وصفه بـ”التفويض الشعبي” لإعلان الاستقلال، مع رغبته أولاً إجراء حوار مع مدريد والمجتمع الدولي بشكل عام.

وكان بيغديمونت قد قال، أمس الثلاثاء، “اليوم أفترض منحي تفويضاً لأُعلن أنّ ولاية كتالونيا ستصبح دولة مستقلة على شكل جمهورية”، ما استدعى تصفيقاً طويلاً في البرلمان، قبل أن يضيف “أقترح تعليق الإعلان لبضعة أسابيع، لفتح المجال أمام الحوار”.

وإزاء التطورات الكتالونية، طرحت صحيفة “فايننشل تايمز” مجموعة من التساؤلات حول التوقعات المستقبلية للأزمة:

ماذا سيحدث الآن؟

لعل السؤال الأكبر يتوقف على رد فعل مدريد، تقول الصحيفة، إذ إنّ الحكومة الإسبانية هدّدت، بحال إعلان الاستقلال، بتحريك ما وصفته “الخيار النووي”، أي تعليق الحكم الذاتي في كتالونيا أو حتى زج بيغديمونت في السجن.

وتضيف “لم يعبّر خطاب الزعيم الكتالوني عن الاستقلال بشكل مطلق، لذلك يبدو أنّه اشترى مزيداً من الوقت. ومع أنّه لم يجر أي تصويت قبل جلسة البرلمان التي تحدّث خلالها بيغديمونت، إلا أنّ الأحداث ستعتمد في نهاية المطاف على طريقة تفسير خطابه”.

وترى أن الكثيرين في مدريد اعتبروا خطاب الزعيم الكتالوني، إعلاناً ضمنياً بالاستقلال، فقد طلب بيغديمونت فقط “تعليق” الإقرار الرسمي لـ”بضعة أسابيع”. في هذه الحالة قد تشعر مدريد أنّ من حقها التصعيد ضد الحكومة الكتالونية، ما قد يعني استدعاء المادة 155 من الدستور الإسباني التي تسمح بتعليق الحكم الذاتي في الإقليم، والدعوة إلى انتخابات إقليمية جديدة، أو فرض مزيد من الغرامات أو حتى تنفيذ اعتقالات بحق كبار المسؤولين.

ولعلّ بعض الأطراف تحاول التلميح إلى ما قد ينتظر الحكومة الكتالونية، من خلال التحذيرات التي يتم سوقها. وتنقل “فايننشل تايمز” عن خافيير غارسيا ألبيول، رئيس الفرع الكتالوني لـ”حزب الشعب” الإسباني الحاكم، في وقت سابق أمس الثلاثاء، “لن نقبل أي شكل من أشكال إعلان الاستقلال، سواء بشكل فوري أو مؤجل”.

من جهته، دعا ماريانو راخوي رئيس الوزراء الإسباني، إلى اجتماع استثنائي لحكومته في مدريد، اليوم الأربعاء، لبحث الخطوة القادمة، ومن المقرر أن يلقي خطاباً أمام البرلمان الإسباني حول الأزمة الكتالونية في وقت لاحق اليوم.

ماذا يحدث إذا حركت مدريد المادة 155؟

تعطي المادة 155 من الدستور، الحكومة المركزية الإسبانية، صلاحية اتخاذ “الإجراءات الضرورية” لضمان امتثال أي منطقة “مارقة” تتمتع بالحكم الذاتي، مثل الإطاحة بالمسؤولين والدعوة إلى انتخابات محلية جديدة أو استعادة السيطرة على الشرطة المحلية.

لكن مثل هذه الإجراءات قد لا تأتي بسرعة، لا سيما مسألة استعادة السيطرة على الشرطة، وتضييق التمويل المركزي، واستعادة قناة TV3 الحكومية، وفق الصحيفة.

كما يمكن حل حكومة برشلونة في نهاية المطاف، وإجراء انتخابات جديدة، لكن مثل هذه الخطوة تبقى خياراً متطرفاً وتنطوي على مخاطر.

ويسود قلق متزايد من عدم إمكانية فرض مثل هذه الإجراءات على الأرض، أو على الأقل عدم إمكانية فرضها دون مستوى غير مقبول من العنف.

وتشير الصحيفة إلى أن الحكومة الإسبانية، تلقّت ضربة قوية، نتيجة فشلها في وقف استفتاء الاستقلال، في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول. ففي ذلك اليوم، لم تخضع الشرطة الكتالونية “موسوس دسكوادرا”، التي يبلغ عددها 17 ألف مسلح، لأوامر المحاكم الإسبانية بمنع الاستفتاء.

هل يفعل رجال الشرطة ذلك مرة أخرى؟

قال أحد أعضاء البرلمان، لـ”فايننشل تايمز”، مؤخراً، إنّ “أكثر ما نخشاه هو أن نلجأ للمادة 155 للسيطرة على (موسوس) والإطاحة بالحكومة، فيرفض رجالها ببساطة طاعة الأوامر”.

وقد أثبتت الجماعات الشعبية المسلحة المؤيدة للاستقلال، براعتها في تعبئة أعداد كبيرة من الناس، وبإمكانها أيضاً مقاومة أي تدخل عسكري من طرف مدريد.

وإذا اضطرت الحكومة إلى استخدام القوة الساحقة لفرض إرادتها على كتالونيا، فقد تكون كارثة على مستوى صورتها وعلاقاتها العامة أيضاً، حيث قد تؤجج مثل هذه الأعمال المشاعر المناهضة لمدريد في المنطقة، وقد تثير رد فعل عنيفاً من قبل المجتمع الدولي.

ما هي الفرص المباشرة لـ”الحوار” مع مدريد؟

الفرص محدودة، فالحكومة الإسبانية أوضحت مراراً، أنّها لن تدخل في محادثات مع الحكومة الكتالونية، ما دامت الأخيرة تدفع باتجاه الاستقلال.

ينصّ الدستور الإسباني الموضوع عام 1978، أنّ البلاد “غير قابلة للتجزئة”، وقد حكمت المحاكم الإسبانية بعدم شرعية التصويت أو أي محاولات باتجاه الاستقلال.

وتؤكد الحكومة، أنّها غير مستعدة للتفاوض حول “عمل غير شرعي”، وقد قالت نائبة رئيس الوزراء سورايا ساينز دي سانتاماريا، ليلة الثلاثاء، إنّ “الحوار بين الديمقراطيين يأخذ مجراه تحت سقف القانون”.

مع ذلك قد يكون هناك أمل وحيد للحوار، هو أن تضغط أحزاب المعارضة، في وجه حزب “الشعب” الحاكم، لاعتماد هذا الخيار، بحسب الصحيفة. إلا أنّ المعارضة، باستثناء حزب “بوديموس” اليساري المتطرف، وقفت إلى جانب الحكومة إلى حد كبير في هذه القضية.

ما هي فرص الوساطة الدولية؟

الحكومة الكتالونية ذكرت، أمس الثلاثاء، أنّ هناك عدة سبل واعدة قد تنفتح أمام الوساطة الدولية، لكن لا دليل على ذلك بعد. بالنسبة لبيغديمونت، الوساطة الدولية ضرورية، وحكومته تدرك أنّ استقلالها المعلن سيكون أجوف في نهاية المطاف، بدون اعتراف دولي. بيد أنّ أوروبا منحازة إلى مدريد حتى الآن في هذا النزاع، وتشدد على ضرورة احترام سيادة القانون.

وتعود الصحيفة لتنقل عن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قوله الثلاثاء، إنّه لا يجوز للاتحاد الأوروبي أن يلعب دوراً وسيطاً في كتالونيا، لأنّ من شأن ذلك أن يشجع الحركات الاستقلالية في مناطق أوروبية أخرى.

هل الحكومة الكتالونية موحدة؟

المتشددون من حزب “الوحدة الشعبية” الكتالوني المتطرف يدفعون باتجاه قطيعة سريعة مع إسبانيا، وقد خاب أملهم من تأجيل بيغديمونت إعلان الاستقلال. وقالت عضو الحزب المتطرف في البرلمان المحلي آنا غابرييل، الثلاثاء، “ربما فقدنا فرصة. الطريقة الوحيدة للتفاوض مع الدولة الإسبانية هي باسم جمهورية كتالونيا”.

قد يتقبّل هؤلاء بضعة أسابيع من التأخير، لكن بيغديمونت يخاطر بخسارتهم، إذا لم يضغط على زر الاستقلال الكامل في وقت قريب.

لدى حزب “الوحدة الشعبية” 10 مقاعد فقط، من أصل 135 في البرلمان الإقليمي الكتالوني، لكن من دون هذه المقاعد لا يمكن للحكومة الإقليمية المؤيدة للاستقلال أن تتمتع بالأغلبية، وإذا انشقت صفوفها فإنّ ذلك يهدد مصيرها في الانتخابات المقبلة القريبة في المنطقة.

الحراك المؤيد للاستقلال في كتالونيا، عبارة عن تحالف قوس قزح من أكاديميين ومعتدلين وأناركيين (فوضويين متطرفين)، توحّدوا جميعاً تحت لواء قضية واحدة. إذا فقدت حركة الاستقلال الزخم، قد تبدأ الانشقاقات في الظهور، وقد يصيب التفكك الحكومة الإقليمية.

كيف وصلنا إلى هنا؟

في الإجابة عن هذا السؤال، تقول “فايننشل تايمز”، إن كتالونيا كانت جزءاً لا يتجزأ من إسبانيا، منذ القرن السادس عشر، ومن مملكة أراجون قبل ذلك. لكن الكثير من الكتالونيين يعتبرون أنفسهم أمة منفصلة، لها تاريخها ولغتها وثقافتها. ولطالما أيّد بعضهم الاستقلال لكن من موقع هامشي. وعلى مدى عقود كانت نسبة هؤلاء حوالي 15% إلى 20%. إلا أنّ الأزمة المالية القاسية التي ضربت إسبانيا، غذت المشاعر الداعمة للاستقلال والمناهضة لنخب مدريد.

وقد زاد الغضب عندما رفضت المحكمة الدستورية الإسبانية عام 2010، عدة فقرات من تشريعات كان من شأنها أن تمنح كتالونيا سلطات أكبر ضمن الحكم الذاتي. وصل تأييد الاستقلال إلى ذروته بنسبة 49% في عام 2013، وفقاً للمركز الكتالوني لدراسات الرأي.

وقد أجرت المنطقة تصويتاً غير ملزم بشأن الاستقلال، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2014، اعتبرته المحاكم الإسبانية غير شرعي، لكن الحكومة الوطنية تسامحت معه وببساطة تجاهلته.

كانت نسبة الإقبال على ذلك التصويت، أقل من 50%، لكن نحو 80% صوّتوا لصالح الاستقلال. ومنذ عام 2013، تظهر استطلاعات الرأي، أنّ التأييد الشعبي للاستقلال في كتالونيا انخفض إلى حوالي 41%. لكن الدعم كان كبيراً بما يكفي لوصول ائتلاف حكومي إلى السلطة المحلية في عام 2015 مكوّن من أحزاب مؤيدة للانفصال، وقد وعدت هذه الأحزاب جمهورها بتحقيق الاستقلال. ليس من الواضح ما إذا كان تأييد الاستقلال ارتفع أو انخفض بعد الدراما التي شهدتها الأسابيع القليلة الماضية. علينا انتظار الجولة القادمة من استطلاعات الرأي.

ما هو رأي القانون؟

ينص دستور إسبانيا لعام 1978، والذي وافق عليه أكثر من 90% من الناخبين الكتالان، على أنّه “لا يجوز تقسيم إسبانيا”. ويشير إلى “وحدة الأمة الإسبانية التي لا تنفصم” و”الوطن المشترك غير القابل للتجزئة لجميع الإسبان”.

وعلى هذا الأساس قضت المحاكم الدستورية الإسبانية عدة مرات، بأنّ إجراء استفتاء على الاستقلال غير شرعي. يمكن بالطبع تغيير الدستور ولكن فقط من قبل البرلمان المركزي الإسباني، وفق الصحيفة. أما البرلمان الكتالوني فيبرر رغبته في التصويت بالحق العالمي الأساسي، في تقرير المصير.

صحيفة العربي الجديد

Print Friendly, PDF & Email