أبعد من المصالحة الفلسطينية

أبعد من المصالحة الفلسطينية

72
تكرّرت في كل مراحل التاريخ الفلسطيني لازمة صحيحة تقول “إن الفلسطينيين يمرون في مرحلة تاريخية خطرة”. كانت تعتبر اللحظة القائمة دائماً أخطر مرحلة يمر الفلسطينيون بها. ونستطيع اليوم تكرار اللازمة، من دون أن نكون مخطئين أو مبالغين في وصف الحالة، كما أننا نستطيع أن نضيف إلى أن المرحلة خطيرة، فهي في غاية التعقيد، في وقتٍ يعاني الفلسطينيون من ضيق هامش المناورة المتاحة أمامهم أيضاً، في ظل محيط إقليمي متفجر ومأزوم، كما يعانون من آثار حالة الانقسام والصراع الدموي التي تحاول المصالحة الحالية بين الطرفين تجاوزها، ويعاني الجميع من فقدان الاتجاه في ظل تراجع الوضع الفلسطيني، وتقدم مشكلاتٍ أخرى في المنطقة.
تفرض المراحل الخطرة في حياة الشعوب مسؤوليةً مضاعفة على الذين يديرونالسياسة لتجاوزها. ولذلك عليهم أن يجترحوا ويديروا سياساتٍ بمستوى المخاطر التي يواجهونها، على أن تكون قادرةً على حماية مستقبل شعوبهم، وعدم إدارة السياسة باتجاه خياراتٍ كارثيةٍ، تساهم في زيادة الأوضاع السيئة للشعب المعذّب سوءاً. والوضع الذي يعيشه الفلسطينيون يفرض على القيادات الفلسطينية أن تبحث عن خياراتٍ جديةٍ وجديدةٍ للخروج من المأزق الذي يعيشه الوضع الفلسطيني، وإنهاء حالة الانقسام المدمرة، في ظل متغيراتٍ دوليةٍ وإقليميةٍ غير مواتية، وتشكل عبئاً إضافياً على الوضع الفلسطيني الصعب. إذا كان من الصحيح أن الخيارات أمام الفلسطينيين، في هذه الظروف، محدودة، فإنه لا يمكن معالجة هذه الخيارات، ولا يمكن الصمود في وجه الشروط القاسية في ظل الوضع الانقسامي الفلسطيني، بل على العكس يساهم هذا الوضع في إضعاف الفلسطينيين، واستمرار تآكل قدرتهم على الفعل والتأثير.
مسؤولية الخروج من الواقع القائم ليست مسؤولية القيادة الرسمية لطرفي الصراع الداخلي

الفلسطيني فحسب. اللحظة القائمة اليوم مسؤولية الجميع فلسطينياً، فصائل وشخصيات، مسؤولية كل التشكيل السياسي الفلسطيني، داخل الفصائل وخارجها، على الرغم من أن هذه الفصائل تمثل، في قضايا فلسطينية كثيرة، جزءاً من المشكلة، لا جزءاً من الحل.
يكمن اختلال العمل السياسي الفلسطيني، في جزء أساسي منه، في عدم التوافق الفلسطيني اليوم على مشروع وطني سياسي فلسطيني واضح المعالم للجميع، تتوافق عليه الفصائل، فانقسام الساحة الفلسطينية والوصول إلى الانقسام وإلى مرحلة الصدام الدموي كان بسبب غياب هذا التوافق، وعلى الأهداف الوطنية الفلسطينية في مواجهة الاحتلال. ففي ظل الانفصام، لا يمكن نجاح الخيار السلمي. وفي ظل الانقسام، لا يمكن في المقابل نجاح خيار المقاومة أيضا، هذا إذا كان أي من الخيارين متاحا في هذه الانعطافة التاريخية.
لا تشكل المصالحة الشكلية، تحت عنوان “عفا الله عما سلف”، حلا للمأزق القائم، في ظل المأزق الذي وصل إليه طرفا الصراع الفلسطيني، من وصول التسوية السياسية مع إسرائيل إلى طريق مسدود، وكذلك مأزق خيار المقاومة، تجعل ما يحتاجه الوضع الفلسطيني أكثر من المصالحة الشكلية، وعودة السلطة إلى قطاع غزة لتخفيف الحصار. لا شك في أن انشغال الفلسطينيين بأوضاعهم الداخلية يشكل حجباً للقضايا الصراعية مع إسرائيل والانشغال بالفتات. ليس الاحتلال الإسرائيلي احتلالاً غير منظور، بل هو احتلال عارٍ، ومن لا يريد أن يراه أولاً، ويريد أن يشتغل بصراعاته الداخلية، ويغض النظر عن وجود الاحتلال وجرائمه اليومية بحق الشعب الفلسطيني، لا يعمل لمصلحة شعبه وقضيته. لا أحد يمكن أن ينكر أن هناك صراعاً داخلياً في كل مجتمع، وبين كل قوى سياسية وأخرى منافسة. ولكن طوال الفترة السابقة على انفجار الصراع الدموي، كان الصراع الداخلي، على الرغم من الأخطاء الكثيرة التي ارتكبت في إطاره، هو الصراع الثانوي، نسبة إلى الصراع مع الاحتلال، وبعد الانفجار الدموي الداخلي أصبح هو الصراع المركزي، على الرغم من كل ما يقال عن أولوية الصراع مع الاحتلال. هذا التحول هو أخطر انعطاف شهدته التجربة الفلسطينية، ولذلك يجب أن يكون الخروج منه أولوية فلسطينية مطلقة.
كل جهد يبذل لمعرفة حقيقة الوضع الفلسطيني، والبحث عن مخرج له، يستحق التقدير. ولكن ما يحتاجه الوضع الفلسطيني يتجاوز إطار البحث الأكاديمي عن حلول تختار هذا الإطار أو ذاك، أو على أساس هذه الرؤية أو تلك. الخطر داهم، ولذلك لا بد من التحرك سريعاً. لأنه في السياسة ليست هناك مشكلاتٌ ليست لها حلول، فإن الوضع الفلسطيني قابل للحل إذا أرادت الأطراف الرئيسية ذلك. أما إذا وجدت هذه الأطراف أن من مصلحتها تكريس هذا الوضع، فإنه سيبقى وسيتعزّز، وستكون المصالحة التي تجري اليوم مجرد لعب على الوقت، لا يلبث وضع الانقسام أن يعود إلى سابق عهده.
هذا يتعلق بشكل إجابة كل طرفٍ من الأطراف الرئيسية عن الأسئلة الأساسية التي يطرحها

الوضع على الساحة الفلسطينية. الخلل البنيوي الذي يعاني منه الوضع الفلسطيني هو الافتقاد لمشروع وطني واضح المعالم، ومتوافق عليه، لقد تم تفكيك المشروع الوطني عبر مسيرة “أوسلو”، من دون أن يتم بناء مشروع آخر، ليُبقِ الصراع الداخلي ثانوياً. فعندما تفكّك المشروع الوطني، باتت هناك مشاريع خاصة بكل طرف، أخذت آلية تصارع اجتثاثية، ما أوصل الساحة الفلسطينية إلى الصدام الدموي.
أهمية التوافق على المشروع الوطني تكمن في أنه يمنح الجميع تحديد أولويات الصراع، أما عندما يغيب التوافق على هذا المشروع يصبح العدو الداخلي أخطر من الخارجي، وبالتالي تصبح الحاجة إلى الخلاص منه أكبر من الحاجة للتصدّي للعدو الخارجي. وبهذا، يصاب الوضع الداخلي بالشلل، ويصبح التفكّك المآل الحتمي لآلية الصراع التي تدفن رأسها في وحل الصراع الداخلي.
ما يحتاجه الوضع الفلسطيني اليوم أبعد من المصالحة، يحتاج إلى إعادة بناء المشروع الوطني على أساس توافقي، عبر حوار وطني شامل وعلني، يساهم فيه الجميع، قوى وشخصيات وطنية، ويجب أن لا يبقى هذا الحوار أسير الغرف المغلقة، يطرح القضايا الجزئية. يجب طرح كل القضايا المتربطة بالمشروع الوطني في النقاش العام واشتراك الجميع في صياغة المشروع الوطني الفلسطيني الجديد، واستخدام هذا الجدل والحوار الواسع، من أجل إعادة الروح والحيوية إلى كل التجمعات الفلسطينية، على اعتبار أنها جميعها شريكة في المشروع الذي يمسها. هذا وحده يمكنه إخراج الوضع الفلسطيني من وحل الصراع الداخلي، ومن جدل الغرف المغلقة التي يقال فيها شيء، ويقال خارجها أمام الإعلام شيء آخر. يحتاج الوضع الفلسطيني مشروعا سياسيا يرى الأرض والبشر الأساس التكويني لأي مشروع وطني يملك المستقبل الحقيقي في مواجهة الوحشية والعنصرية الإسرائيلية، وهذا مسؤولية الجميع.

سمير الزبن
صحيفة العربي الجديد
Print Friendly, PDF & Email