سوريا بعد «داعش»: تركيز وجود أمريكا استوجب تعزيز حضور إيران

سوريا بعد «داعش»: تركيز وجود أمريكا استوجب تعزيز حضور إيران

76

الحرب الكونية على سوريا لم تنتهِ بعد. تراجعت مفاعليها مع اندحار «داعش» في مناطق سيطرته شرق سوريا ووسطها، لكنها ما زالت مستعرة ومرشحة للمزيد. تراجعُ وتيرتها العسكرية، بفضل انتصارات الجيش السوري وحلفائه، حمل الأمريكيين على بلورة استراتيجية أكثر تشدداً اطلقها رونالد ترامب اخيراً .
ما أعلنه الرئيس الامريكي بعناوين عريضة فصّله قائد القيادة الوسطى في جيشه الجنرال جوزف فوتيل في خطاب امام «المجلس الوطني العربي-الامريكي» بعد اسبوع على إعلان رئيسه استراتيجيته المتشددة حيال ايران.
قال من دون مواربة: «إن الشرق الاوسط كان وما زال وسيبقى مهماً بالنسبة إلينا. لكن إيران تسعى إلى بناء محور من طهران إلى بيروت وتعزيز نفوذها العسكري في سوريا والعراق واليمن».
تعهد العمل مع»شركاء محليين» للتصدي لما سماه «الدور الخبيث لإيران»، وأكد رفض واشنطن شراكةً مع الرئيس السوري بشار الأسد.
من هم شركاء أمريكا المحليون؟
فوتيل تحدث عن نهج إقليمي يستند إلى العمل مع الشركاء على الارض لتحقيق المصالح المشتركة. لفت تحديداً إلى تجربة تحرير الموصل، منوّهاً بالقوات العراقية التي حررت تلعفر والحويجة في اقل من اسبوعين، ومشيراً إلى «الصورة الراسخة في ذهنه لرئيس الوزراء حيدر العبادي بين جنوده وبين الناس معلناً الانتصار(…) هذا ما نسعى إليه، أن نكون قيّمين لحلفائنا».
العبادي وقواته العسكرية النظامية هم، اذن، «شركاء أمريكا على الارض»!
في سوريا، تحدث فوتيل عن شراكة موازية، لكنها أكثر صعوبة لمحاربة «داعش». قال: «لن نكون شركاء مع الاسد الذي يحارب «داعش» بدرجات متفاوتة مع حليفتيه روسيا وايران». حذّر من أن طهران تحاول تعزيز نفوذها العسكري في سوريا والعراق واليمن لإعادة «بناء محور طهران- بيروت». ولم يتأخر عن تحديد شركاء أمريكا في سوريا بتشديده على أن واشنطن تعمل هناك من خلال «تدريب قوات كردية وعربية وتجهيزها لمحاربة «داعش».
شركاء أمريكا العرب في سوريا هم «جيش العشائر»، و»أسود الشرقية»، و»قوات أحمد العبدو» وفصيل «مغاوير الثورة» الناشطون في «منطقة الحظر» في محيط قاعدة التنف حيث تتواجد فيها قوات امريكية على مقربة من الحدود السورية – العراقية.
شركاء أمريكا الكرد في سوريا هم «قوات سوريا الديمقراطية- قسد» المتعاونة مع القوات الامريكية المتواجدة في انحاء مختلفة من محافظتي الحسكة والرقة، ولها فيهما قواعد ومطارات واسلحة ثقيلة. الامريكيون ساعدوا «قسد» على إقامة كيان اداري لامركزي في تينك المحافظتين يمكن بسهولة تحويله اقليماً للحكم الذاتي شبيهاً بإقليم كردستان العراق، كما دفعوا «قسد» إلى مسابقة الجيش السوري وحلفائه للسيطرة على بعض حقول النفط والغاز في شمال شرق محافظة دير الزور.
بات واضحاً أن الولايات المتحدة مصممة على التمسك بقواعد تمركز قواتها في العراق وسوريا. الخبير في مركز الأمن القومي الامريكي نيكولاس هيراس أبلغ صحيفة «الحياة» «ان اولوية واشنطن تتمثل في إبقاء وجود عسكري لها في العراق وسوريا وبناء تحالفات لضمان هذا الامر». فسّر دعم ادارة ترامب للعبادي في معركة كركوك ضمن هذا الإطار، وكذلك «لتعزيز موقعه وتمكين واشنطن من البقاء عسكرياً، مقابل التحالف مع القوى الكردية في سوريا لإبقاء (…) القوات الامريكية هناك».
هذا التركيز للوجود العسكري الامريكي في بلاد الرافدين وبلاد الشام حَمَل القيادة الإيرانية على التحسّب لأغراضه السياسية والاستراتيجية. في هذا السياق، اوفدت طهران رئيس اركان جيشها اللواء محمد باقري، حاملاً رسالة من المرشد الاعلى السيد علي خامنئي إلى الرئيس الاسد، وافكاراً وخططاً للبحث مع أركان القيادة العسكرية السورية.
كيف ستردّ سوريا وايران وسائر قوى محور المقاومة على مخططات أمريكا (واسرائيل) في المنطقة؟
من الواضح أن قوى المقاومة منخرطة في صراع سياسي وعسكري مرير مع «داعش» و»النصرة» بما هما ابرز ادوات أمريكا في المواجهة الدائرة منذ نحو ست سنوات. وليس من شك في أنها لاحظت اتجاه واشنطن إلى مزيد من التشدد حيالها بعد الانتصارات التي حققها الجيشان السوري والعراقي وحلفاؤهما ضد «داعش» ومن يقف معه ووراءه . لذا من المتوقع أن تزيد ايران من دعمها لسوريا في مجهودها السياسي والعسكري لاستعادة اراضيها التي تخضع لسيطرة «داعش»، أو لسيطرة أمريكا وحلفائها من عرب وكرد محليين. هذا التوجه ربما يؤدي إلى نشر مزيد من قوات الحرس الثوري وحلفائه في سوريا بغية تحقيق هدف استراتيجي بالغ الاهمية، هو تحرير بلدة البوكمال السورية وبلدة القائم العراقية الحدوديتين من «داعش» المدعوم من طرف القوات الامريكية المتواجدة في قاعدة التنف، كما من قواعدها في محافظتي الرقة والحسكة. كل ذلك من اجل تأمين إقامة جسر بري لوجيستي يربط طهران ببيروت عبر العراق وسوريا.
إلى ذلك، ثمة تحسّبٌ سوري وايراني لتصريحات ملتبسة أدلى بها فلاديمير بوتين خلال الدورة الـ 14 لمنتدى فالداي الدولي للحوار في مدينة سوتشي الروسية . فقد اشار الرئيس الروسي إلى أن «إقامة المناطق الاربع لخفض التصعيد لن تسفر عن تقسيم سوريا، على الرغم من أن هذا التهديد موجود بصورة عامة» . هل كان بوتين يلمّح في تصريحه إلى منطقة سيطرة «قسد» في الحسكة والرقة، والى منطقة سيطرة «النصرة» والجيش التركي في محافظة ادلب؟
لعل ما يزيد دمشق وطهران ارتياباً اقتراح بوتين بأن «الخطوة التالية بعد انشاء هذه المناطق تتمثل في تشكيل مؤتمر شعوب سوريا لمصالحة الحكومة والمعارضة، والتخطيط لضمّ ممثلين لهما وكذلك لجميع الطوائف العرقية والدينية «.
هل في سوريا «شعوب» ؟ وهل حكومة سوريا وفصائل المعارضة تتكوّن من شعوب تقوم بتمثيلها؟ وما الفارق بين هذه المقاربة للتسوية السياسية التي تنادي بها موسكو والمقاربة الطائفية التي اعتمدتها أمريكا عام 2004-2003 عند كتابة دستور العراق وإقراره؟
لا شك في أن تصريحات بوتين تبعث على القلق، وانها تتطلب، في الاقل، توضيحات مُقنعة. ولعل قادة سوريا، ومعهم قادة ايران، سيتجهون جرّاءها إلى التشدد في التمسك بسياسة استعادة جميع مناطق سوريا التي تسيطر عليها تنظيمات ارهابية او فصائل اخرى متمردة تحرضها وتدعمها الولايات المتحدة، والى وجوب التعجيل في تحريرها وبسط سيادة سوريا عليها قبل البحث في اقامة مؤتمر للسلام في جنيف او غير جنيف في المستقبل المنظور.
الأهم قبل المهم.

د.عصام نعمان

صحيفة القدس العربي

Print Friendly, PDF & Email