الرؤية التركية لأحداث المنطقة وتطوراتها

الرؤية التركية لأحداث المنطقة وتطوراتها

82

في حديثه أمام كتلة حزبه البرلمانية قبل أيام؛ قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن “التطورات في المنطقة ليست عشوائية، بل هي سيناريو سيحدد شكلها ومصيرها لقرن قادم”. جملة قصيرة، لكنها عميقة الدلالة وغنية المعاني، وتكاد تختصر الرؤية التركية للمتغيرات المتسارعة في المنطقة مؤخراً.

مراجعة السياسات
ورث حزب العدالة والتنمية التركي في عام 2002 دولة تعاني من أزمات سياسية واقتصادية مركّبة ومعقدة، ومنكفئة على نفسها إلى حد بعيد، وتبحث عن مكان لها داخل النظام العالمي الآخذ في التشكل بعد نهاية الحرب الباردة.

“منذ 2015، تخضع سياسة أنقرة الخارجية لعملية إعادة تقييم وتوجيه لعدة أسباب وعوامل، أهمها التحولات في المنطقة والضغوط الخارجية عليها، وتوتر علاقاتها الأوروبية والأميركية، والأجندة الداخلية الضاغطة والتي تُوّجت بالمحاولة الانقلابية الفاشلة صيف 2016”

وسار الحزب في سياسته الخارجية وفق رؤية واضحة تدفع باتجاه الاهتمام بالجوار القريب، في سبيل تأمين مكانة إقليمية ودولية لائقة (العمق الإستراتيجي)، وحل الأزمات الكثيرة مع دول الجوار لضمان سياسة خارجية نشطة وفاعلة (تصفير المشاكل)، والاعتماد على مبدأ الربح للجميع في التعامل الاقتصادي والتجاري والتلاقي الثقافي والفكري (القوة الناعمة).

تلك كانت أهم النظريات التي دونها أحمد داود أوغلو -مهندس السياسة الخارجية التركية لسنوات طويلة- في كتابه الأشهر “العمق الإستراتيجي”. وقد حققت تركيا خلال السنوات التسع الأولى من عهد العدالة والتنمية اختراقات مهمة في سياستها الخارجية، وحظيت بقبول جيد في المنطقة على المستويين الشعبي والرسمي، ومن قِبل المحورين البارزين في ذلك الوقت فيها: “الممانعة” و”الاعتدال”.

إلا أن الثورات العربية -التي أتت في ذروة الإنجازات الداخلية والمكانة الإقليمية والدولية لتركيا- دفعتها إلى التخلي عن حذرها، والمبادرة باعتماد سياسة نشطة راهنت على التغيير في المنطقة، وهو ما أدخلها في نطاق الاستقطاب الواسع فيها.

ومنذ 2015، تخضع سياسة أنقرة الخارجية لعملية إعادة تقييم وتوجيه لعدة أسباب وعوامل، أهمها التحولات في المنطقة والضغوط الخارجية عليها، وتوتر علاقاتها الأوروبية والأميركية، والأجندة الداخلية الضاغطة والتي تُوّجت بالمحاولة الانقلابية الفاشلة صيف 2016.

ونتيجة لهذه المراجعة، تتجه تركيا لتدوير زوايا الخلاف مع بعض الدول، وبناء شراكات إقليمية ودولية مثل تفاهماتها وتعاونها مع كل من روسيا وإيران وقطر، وإضافة شيء من القوة الخشنة ومزجها مع القوة الناعمة، من قبيل زيادة التصنيع العسكري المحلي، وبناء القواعد العسكرية في قطر والصومال، وتنفيذ العمليات العسكرية خارج حدودها (مثل درع الفرات).

 محاولات التوريط
خلال السنوات القليلة الماضية، شاب السياسةَ الخارجية التركية الكثيرُ من الحذر والتوجس، وسادت لدى أنقرة مخاوف من “توريطها” في ملفات المنطقة على غير رغبتها، كما صرح بذلك أكثر مسؤولون أتراك حينها. ولعل ذلك أحد أهم أسباب البطء والمحافظة في مقاربة أنقرة لمختلف التطورات لاسيما في سوريا، مما أفقدها فرصا كثيرة للتدخل والتأثير.

رأت تركيا كيف تحولت الثورات العربية تحديداً إلى صراعات إقليمية ودولية بأدوات محلية، أي حروب بالوكالة وفق خطة ممنهجة ومتدرجة ساهمت فيها عدة قوى. وعزز ذلك رغبتَها في عدم الانجرار لنزاعات غير محسوبة العواقب بسورياوالعراقتحديداً، خصوصاً أنها لم تكن تملك الأدوات الفاعلة، ومعتمدة على القوة الناعمة حصراً، ومشغولة بالتحديات والأزمات والضغوط الداخلية والخارجية.

“تنظر أنقرة إلى تطورات المنطقة المتسارعة بشكل غير مسبوق باعتبارها أزمات مترابطة، ومخططا لها لأهداف معروفة وليست عشوائية، كما أكد ذلك الرئيس التركي. فهناك الانقلاب التركي الفاشل، وحصار قطر، واستفتاء كردستان العراق، والتطورات في السعودية والخليج، والتوتر المذهبي والطائفي، إضافة لتسارع الأحداث في سوريا والعراق”

التاريخ الحاضر دوماً في ذهنية صانع القرار التركي كان يعيده إلى اتفاقية سايكس/بيكو التي رسمت حدود دول المنطقة، وتحاول القوى الدولية إعادة إحيائها في مئوية ذكراها بتقسيم المقسَّم وتجزئة المجزَّأ. وتدرك تركيا أن تقسيم سوريا أو العراق اليوم يعني تقسيمها هي غداً، ومفتاح ذلك الملف الكردي بالمنطقة الذي دخلت على خطوطه الحساسة القوى الدولية، الأمر الذي قرع جرس الإنذار لأنقرة.

وتقول المقاربة التركية إن إنشاء دولة أو دويلة على أسس عرقية -شمال سوريا أو العراق- مدعاة للفوضى والصراعات البينية على أسس عرقية، لاسيما إن كان رائدَ هذا المشروع حزبُ الاتحاد الديمقراطي (الامتداد السوري لحزب العمال الكردستاني)، مما يجعل الملف برمته أمناً قومياً وشأناً داخلياً تركياً بامتياز.

بيد أن المحاولة الانقلابية الفاشلة وتمدد المشروع الكردي على حدود تركيا الجنوبية دفعاها للتخلي عن الحذر وانتهاج سياسة مبادِرة، تمثلت في عملية “درع الفرات” والتفاهمات مع روسيا، ثم مسار أستانا والإطار الثلاثي الراعي له.

اليوم، تنظر أنقرة إلى تطورات المنطقة المتسارعة بشكل غير مسبوق باعتبارها أزمات مترابطة، ومخططا لها لأهداف معروفة وليست عشوائية، كما أكد ذلك الرئيس التركي. فهناك الانقلاب التركي الفاشل، وحصار قطر، واستفتاء كردستان العراق، والتطورات في السعودية والخليج، والتوتر المذهبي والطائفي، إضافة لتسارع الأحداث في سوريا والعراق.

وهي كلها أزمات تشترك في أنها صراعات محلية/بينية، مدفوعة أو مدعومة أو مخطط لها من قوى خارجية، تريد إشغال المنطقة وفواعلها بصراعات داخلية صفرية لا تبقي فيها ولا تذر، وفق ما تراه أنقرة. والصفة الثانية التي تشترك فيها مختلف تطورات المنطقة من وجهة نظر تركيا؛ هي أنها تستهدفها هي أيضاً في مآلاتها، إما بالإضعاف أو التوريط أو الضغط أو التقسيم.

ومن دلائل ذلك أو القرائن الدالة عليه تزامنها مع انتهاجها سياسة خارجية تعتمد الاستقلالية والمرونة والتوازن قدر الإمكان، وهو ما كان من أهم أسباب توتر علاقاتها مع حلفائها الغربيين التقليديين في أوروبا والولايات المتحدة.

الرؤية المستقبلية
دفع هذا الأمر تركيا لإعادة تقييم سياستها الخارجية وترتيب أولوياتها، ثم الاعتماد على قدراتها الذاتية قدر الإمكان، وبناء شراكات وتفاهمات مع بعض القوى الفاعلة في مختلف الملفات. يقول أردوغان إن “تركيا، وربما للمرة الأولى منذ حرب الاستقلال؛ تدخل هذه المرحلة الحرجة بما حددته بإرادتها الذاتية، وليس وفق الدور المرسوم لها في السيناريوهات المعدة مسبقاً”.

في سوريا، تبدو أنقرة وقد حددت لها ثلاث أولويات: إنهاء الصراعبحل يرضي الأطراف لوقف استنزاف الجميع؛ ومنع نجاح فكرة الدويلة الكردية؛ وضمان وحدة الأراضي السورية. وتعمل أنقرة لتحقيق هذه الأهداف عبر علاقاتها بالمعارضة السورية، ومشاركتها كضامن في مسار أستانا، ووجودها المباشر على الأرض السورية.

ومن جهة أخرى، تتجه بوصلة تركيا نحو الشرق أكثر فأكثر، بينما تراهن على أن النظام الرئاسيالذي سيبدأ تطبيقه في نهايات 2019 سيضمن نظاماً سياسياً أمتن وقراراً خارجياً أسرع وأقوى.

“الرؤية التركية المستقبلية تقول بضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي السورية والعراقية، وتنادي بتجنيب المنطقة الصراعات البينية، وتسعى لتفاهمات تمنحها مرونة وتعدِّدُ أمامها الخيارات، وتنتهج القوة الخشنة إلى جانب الناعمة، وتحد من ضغط الأزمات المتزامنة عليها وعلى قراراتها”

القوة الخشنة التي مزجتها تركيا مع قوتها الناعمة سمحت لها بقواعد عسكرية في العراق والصومال وقطر. وقد ساهمت هذه الأخيرة -مع قرار البرلمان إرسال قوات إلى هناك وضمن عوامل أخرى- في منع تنفيذ الخيار العسكري في بداية الأزمة الخليجية، وصعّبت اللجوء إليه لاحقاً.

ولعل المبادرة ومواجهة المنظمات المصنَّفة على قوائم الإرهاب التركية استباقياً، وخارج حدود تركيا؛ باتت من أُسُس سياستها الخارجية مؤخراً، إن كان على مستوى مكافحة التنظيم الموازي (جماعة غولن)، أو مواجهة مقاتلي حزب العمال الكردستاني داخلياً، أو محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وغيرها خارجياً.

الرؤية التركية المستقبلية تقول بضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي السورية والعراقية، وتنادي بتجنيب المنطقة الصراعات البينية، وتسعى لتفاهمات تمنحها مرونة وتعدِّدُ أمامها الخيارات، وتنتهج القوة الخشنة إلى جانب الناعمة، وتحد من ضغط الأزمات المتزامنة عليها وعلى قراراتها.

لكن العامل الرئيسي في كل ذلك هو أن تركيا لم تعد تلك الدولة المتحفظة المنكفئة على نفسها، وإنما تبدو مبادِرة وسريعة ونشطة أكثر من أي وقت مضى، وفاعلة في مختلف قضايا المنطقة القريبة منها والبعيدة عنها، لاسيما ما يؤثر عليها مباشرة مثل سوريا والعراق، أو بشكل غير مباشر عبر حلفائها وأصدقائها مثل قطر، مما يعني أنها لن تكون بعيدة عن أي تطورات جذرية أو خطيرة تطرأ في هذه القضايا.

ترى تركيا أن الأحداث التاريخية نهرٌ جارٍ لا يتوقف تدفقه، وبالتالي ينبغي دائماً تعديل التكتيكات للتماشي مع المرحلة وفق مقتضياتها ومدافعة الفواعل الأخرى، وهي البراغماتية التركية التي ساهمت في استمرار تجربة العدالة والتنمية رغم تراكم التحديات. وبهذه الرؤية؛ ترى تركيا أنها تحمي نفسها وتمنع استهدافها والإضرار بالمنطقة.

ورغم الضغوط التي تمارَس عليها والخسائر التي تكبدتها ويمكن أن تتكبدها، إلا أنها ترى ذلك جزءاً من حرب “الاستقلال الثانية”، كما يسميها حزب العدالة والتنمية؛ والتي عبرها ترد أنقرة الصاع صاعين لأعدائها وخصومها.

ولعل ذلك ما قصده أردوغان في كلمته حين ذكّر بالقول الشهير لمحمد باشا الصقلّي، وهو أن ما فعله خصوم الدولة العثمانية -في إحدى الحروب- كان بمثابة “حلق للحيتها” بينما كان ردها هي “بتراً للذراع”، واللحية المحلوقة تنبت ثانية بأغزر مما كانت، بينما الذراع المبتورة لا تنبت أبداً.

ويرى أردوغان أن الحظر المفروض على تركيا في السر والعلن، والأصفاد الموضوعة في أقدامها، وازدواجية المعايير التي تواجَه بها؛ هي “حلق لحية”، بينما إفسادها هي للخطط المرسومة للمنطقة هو “بتر ذراع”.

سعيد الحاج

الجزيرة

Print Friendly, PDF & Email