حيدر العبادي: رجل المرحلة المقبلة

حيدر العبادي: رجل المرحلة المقبلة

167

لم يكن  11  آب/أغسطس عام 2014 تاريخًا عاديًا  لدى حيدر العبادي بل محطة تاريخية مهمة في حياته وفي تاريخ العراق المعاصر إذ بهذا التاريخ كُلف من قبل فؤاد معصوم رئيس جمهورية العراق بتشكيل الحكومة العراقية. وارثُا  تركة ثقيلة من الانكسارات العسكرية، وانهيارات اقتصادية، وتصدعات اجتماعية، وتخندقات الحزبية، وعلاقات في غاية السوء مع دول الجوار العراقي وخاصة المملكة العربية السعودية، ففي ظل هذه الظروف الداخلية والخارجية حكم حيدر العبادي العراق، لذا لم تكن مهمته الدستورية في إدارة الدولة العراقية أمرًا سهلًا أو طريقًا معبدًا بالورود، بل العكس كان في غاية الصعوبة لكنه نجح في نهاية المطاف في إدارتها.

فعلى الجانب الأمني استطاع حيدر العبادي القائد العام للقوات المسلحة العراقية أن يواجه “السرطان الأمني” والمتمثل بتنظيم داعش ودحره من مختلف المحافظات العراقية التي كان يسيطر عليها، حتى قاب قوسين أو أدني من تطهير التراب العراقي من ذلك التنظيم الإرهابي. وعلى الجانب الاقتصادي رفع حيدر العبادي شعار مكافحة الفساد في كل مفاصل الدولة العراقية، وفي عهده  هناك تحسن ملحوظ في أداء العمل الوزرات العراقي، ومن هذه الوزرات على سبيل المثال وزارة الصناعة والشؤون الاجتماعية والكهرباء والنفط. وعلى المستوى الاجتماعي فبحسب استطلاع الرأي الذي أجراه معهد واشنطن في حزيران/يونيو من هذا العام في محافظة الأنبار وصلاح الدين والموصل  بأن حيدر العبادي يحظى بثقة المواطنين العراقيين في تلك المحافظات وبأن أبناء تلك المحافظات يضعون تفاؤلهم وثقتهم به. وقد أفاد الاستطلاع نفسه بأنّ العبادي سوف يحدّد مصير العراق في مرحلة ما بعد “داعش” إذا نجح في استثمار هذه الموجة من الثقة في قيادته. فأكثر من 70% من السنّة و60% من الشيعة يؤيّدون العبادي. بالإضافة إلى ذلك، يدعم 50% من السنّة بشكلٍ عام و53% من الذين خضعوا لسيطرة “داعش” ولايةً ثانية للعبادي مقابل 35% في صفوف الشيعة. وقد دفعت هذه الثقة بالعبادي ثلثَي سكان الموصل إلى تفضيل أي محافظٍ يعيّنه، ولو كان من الطائفة الشيعية، على محافظ الموصل الحالي. وقد دفعت هذه الثقة الكبيرة بالعبادي وقيادته أيضًا الأكثرية الشاسعة من سكان الموصل إلى رفض أي نوعٍ من التسوية الفدرالية اللامركزية للغاية للإدارة المستقبلية لمدينتهم. إذ يفضّلون البقاء جزءًا من الدولة العراقية الفدرالية ويرفضون كل دعوةٍ إلى أي نوع من التسويات الأخرى المقترحة على غرار اقتراح المنطقة شبه المستقلة. وفي نفس السياق، يرغب أكثر من 80% من السنّة، خصوصًا أولئك الذين اختبروا الحياة تحت سيطرة “داعش”، في أن يكون الجيش العراقي والشرطة العراقية القوات الأمنية الأساسية في مناطقهم، وليس القوات القبلية المحلية.  فالرسالة الايجابية التي نجح العبادي في ايصالها إلى سكان المناطق المحررة مفادها ان الدولة، وإن كانت في أضعف صورها، واكثر مراحلها اهتزازاً، ما زالت الطرف الوحيد القادر على حماية مواطنيها. وعلى جانب التاكيد على الوحدة التراب العراقي أكد حيدر العبادي رفضه التام لنتائج استفتاء كردستان العراق، ولم يكتف بذلك وإنما اتخذ إجراءات عملية لإفشاله.

لذا لم يكن غريبًا اهتمام صحيفة “إيلبايس” الاسبانية واسعة الانتشار بالشأن العراقي، واصفة رئيس الوزراء حيدر العبادي بأنه “رجل المرحلة” وأصبح “قائدا وطنيا”، عازية السبب الى أنه حقق ما بدا مستحيلا وأغلق أبواب الطائفية. وقالت الصحيفة في تقرير، إن “رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، رجل المرحلة، وهو يحظى بدعم واسع النطاق لمكافحة داعش”. وتضيف الصحيفة، أن “العبادي حقق ما بدا مستحيلا، وأعاد بناء القوات المسلحة التي طردت داعش من المناطق التي استولى عليها قبل ثلاثة أعوام”، مشيرة الى أن “القوات العراقية في عهد العبادي استعادت الأراضي التي سيطرت عليها بيشمركة منطقة كردستان العراق نتيجة الفوضى”.وتابعت الصحيفة، أن “العبادي أصبح قائدا وطنيا، حيث ولد إجماعا غير عادي”، موضحة أن “طريقة عمله في استعادة الموصل وكركوك، وسياسته نقلت للعراقيين فكرة أنه يعمل للجميع”. وذهبت الصحيفة، الى أن “العبادي شدد على ضرورة وحدة جميع الطوائف، وحد من تجاوزات الجماعات المسلحة”.

أما على عن أهمية البُعد العربي في السياسة الخارجية لحكومة حيدر العبادي  فهي واضحة جدا، فالعبادي بوصفه الرجل الدولة في العراق يدرك بشكل عميق أن الدول العربية والهوية العربية تشكلا العمق الاستراتيجي الذي من الصعوبة بمكان الاستغناء عنه، حيث أشار في خطابة في القمر العربية الأخيرة التي عقدت في عمّان ” أن العراق من الدول العربية التي ساهمت في تأسيس جامعة الدول العربية. حيث كان العراق من الدول العربية التي حضرت المؤتمر العربي الذي عقد في الاسكندرية في عام 1944م، والذي عُرف تاريخيًا ببروتوكول الإسكندرية في عام 1944م، والذي مهد لتأسيس جامعة الدول العربية في 22 آذار/مارس عام 1945م”. وتظهر أهمية البعد العربي في السياسة العراقية أيضًا حينما دعا حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي الدول العربية كافة إلى المشاركة في جهود إعادة البناء والاستقرار في المحافظات بعد تطهير العراق من تنظيم داعش. وفي هذا السياق انتهج حيدر العبادي سياسة الانفتاح والتقارب مع الدول العربية، فقد قام بزيارة المملكة العربية السعودية والأردن ومصر،  وما هذه الزيارات  إلا دليل عملي بأن العراق لا يستغني عن عمقه العربي فمما لا شك فيه أن هذا التقارب العراقي العربي سينعكس بشكل إيجابي  على كافة المستويات الدبلوماسية الاقتصادية والعسكرية والأمنية بين الجانبين ويفتح صفحة جديدة للتعاون العربي البيني. كما اتمست العلاقات التركية العراقية في الآونة الآخيرة بالتقارب على الرغم من التوتر الذي شاب علاقات الدولتين على خلفية “معسكر بعشيقة” فحيدر العبادي يدرك جيدًا أن العلاقات بين الدول لا تسير على خط مستقيم. أما على المستوى الدولي يحظى حيدر العبادي منذ مجيئه لحكم العراق بدعم دولي وفي مقدمته دعم الولايات المتحدة الأمريكية سواء في عهد الإدارة الأمريكية السابقة أو إدارة الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترمب، ودعم دول الاتحاد الأوروبي وفي مقدمتهم ألمانيا وفرنسا. والسؤال الذي يطرح في هذا السياق كيف اكتسب حيدر العبادي شعبيته في العراق واحترام الدول العربية والإقليمية والدولية له حتى أصبح رجل الدولة المرتقب للعراق؟

 يمكن لأي متابع للشأن العراقي شريطة أن يكون متابعًا موضوعيًّا  ملاحظة أمر كون حيدر العبادي يبذل جهده ليتعلم من وجوده في الجكم ـ لكي يتحول إلى رجل دولة ، أو بدقة أكثر ، ليكتسب ملامح رجل دولة مسئول و شاعر بمسئوليته إزاء الدولة والمجتمع العراقي، و الذي لا يسعى إلى إلى استغلال الحكم لاعتبارات شخصية  من أجل إثراء سريع أو تسهيل الأمور لأفراد عائلته و أقاربه بغية بسط نفوذ سياسي و تحقيق إثراء سريع ، مثلما فعل الآخرون ــ غير أنه قبل هذا و ذاك، قد تسامى تماما فوق الانحيازات والنعرات والفتن الطائفية، حتى يكون رئيس حكومة عراقية بمفهوم وطني عام ليمثل جميع العراقيين، وهو الأمر يعترف به حتى خصومه السياسيون من أطراف العملية السياسية في العراق وكذلك أطراف عربية و دولية أيضا ، إذ لم نسمع من فرد أو جهة و طرف  يتهمه بالطائفية أو الانحياز الطائفي ضد هذا أو ذاك. أضاف إلى ذلك أنه لم يعر الرجل أذناً صاغية للاصوات التي حاولت تحويله الى نسخة مقلدة وموقتة من سلفه، ولم ينتبه الى تلك الاهازيج التي كانت مستعدة لمنحه مختارية العصر، او زعامة الطائفة في حال اراد، كما انه لم يعبأ كثيراً للاصوات التي اتهمته وتواصل اتهامه بالضعف والتنازل والانبطاح للآخرين. كما أنه ومنذ مجيئه لحكم العراق كرّس حيدر العبادي جل وقته لإنهاء الأزمات المعقدة التي تعرض لها العراق. ولأن العبادي يؤمن بالدولة المدنية التي تؤمن بالتعددية السياسية الديمقراطية التي ترتكز على  التداول السلمي لحكم العراق والاحتكام غلى صناديق الاقتراع كي يختار الشعب العراقي من يحكمه، والمساواة بين جميع المواطنين بغض النظر عن الاختلافات العرقية والمذهبية، زار في 18 تشرين الثاني/نوفمبر الحالي مركز تسجيل الناخبين، مؤكدًا أن الانتخابات النيابية ستجرى في موعدها الدستوري بخلاف ما يتحدث بع عدد من السياسيين، بحيث حدد مجلس الوزراء موعدها النهائي وفي أثناء زيارته للمركز استلم حيدر العبادي بطاقته الانتخابية. ودعا العبادي، المواطنين لمراجعة المراكز لتسلّم بطاقاتهم الانتخابية والمشاركة بالانتخابات، مبينا ان “البلد يسير في الطريق الصحيح”. واشار الى أنه “وبعد الانتهاء من داعش، هناك حملة لمحاربة الفساد التي تتطلب تضافر جهود الجميع للقضاء عليه، مثلما قضينا على تنظيم داعش”. إن مواصفات رجل الدولة التي تطبق على حيدر العبادي تجعل منه رجل المرحلة المقبلة من أجل النهوض بالعراق ليستعيد دوره المحوي في البيئة العربية والشرق أوسطية والدولية.

وحدة الدراسات العراقية

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية

Print Friendly, PDF & Email