روسيا والاستثمار السياسي لتدخلها العسكري بسوريا

روسيا والاستثمار السياسي لتدخلها العسكري بسوريا

تسعى روسيا لتحقيق أقصى استثمار سياسي ممكن لتدخلها العسكري بسوريا؛ وقد حملت الزيارة الخاطفة التي قام بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى قاعدة حميميم العسكرية الروسية في سوريا، ولقائه مع الرئيس بشار الأسد هناك، جملة من المؤشرات إلى تحول في الكيفية التي سيتعاطى بها الكرملين مع الملف السوري خلال الولاية الرئاسية المقبلة لبوتين، الذي سيعاد انتخابه لمرة رابعة دون منازع في مارس/آذار 2018.

ويبدو أن سيناريو الزيارة قد رسم بعناية كبيرة حتى في التفاصيل الصغيرة، بدءا من تحديد المكان والزمان وكسر المراسم البروتوكولية في لقائه مع بشار الأسد، ومضمون التصريحات التي أدلى بها، ومن ثم الزيارتين الخاطفتين اللتين قام بهما إلى مصر وتركيا.

اختيار بوتين لقاعدة حميميم لفت انتباه الكثيرين من المحللين الذين ركزوا على رمزية المكان، باعتبار القاعدة تعد أرضا روسية وفقا للمادتين الخامسة والسادسة من الاتفاق العسكري بين موسكو ونظام الرئيس بشار الأسد، ووقع عليه في يناير/كانون الثاني 2016 وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو ونظيره السوري فهد جاسم الفريج، وكشفت عنه حينها صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية نقلا عن مصادر روسية.

وإذا وضعنا ما سبق جانبا، كان بوتين دقيقا في اختيار كلماته للإعلان عن بدء سحب القوات الروسية من الأراضي السورية، فهو لم يتحدث عن انسحاب كامل، بل عن سحب “جزء كبير” منها، ولم يعلن انتهاء عملها بل عن “انتهاء عملها إلى حد بعيد”، لأنه على حد قوله “لم تعد هناك حاجة لوجود قوة قتالية على نطاق واسع”، وشدَّد على أن “الإرهابيين قد يحاولون استعراض القوة مرة أخرى في سوريا. وإذا حدث ذلك فسيتم توجيه ضربات ساحقة”. فضلا عن تأكيده على احتفاظ روسيا بقاعدتي حميميم وطرطوس.

تطمينات وعقبات
لم يكن مفاجئا إقدام بوتين على قرار الانسحاب العسكري جزئيا من سورياغرد النص عبر تويتر، فالكل كان يتوقع صدور هذا القرار تزامنا مع إعلان بوتين عن ترشحه لولاية رئاسية رابعة، أولا لأن التدخل العسكري استنفذ أغراضه وتم توظيفه بحدود قصوى.

“يدرك الكرملين أن قرار الانسحاب العسكري جزيئا لم يكن قابلا للتأخير أكثر، وإن كان رمزيا على الصعيد العملي، وهذا تمليه ضرورات إستراتيجية حتى تحافظ روسيا على ما “أنجزته” عسكريا، فخارطة الصراع في سوريا تبقى مفتوحة على احتمالات متضاربة وقابلة للانتكاس”

وثانيا وهو الأهم، سيرسل القرار رسالة إلى الداخل الروسي مفادها أن بوتين سيركز في ولايته الرابعة على الوضع الداخلي الروسي، لاسيما الوضع الاقتصادي والمعيشي، وإعادة هيكلة بنية النظام السياسي الروسي القائم لضمان استمراريته. والتحدي المزدوج الذي سيواجهه هو كيفية تحقيق إنجازات اقتصادية تؤسس لتنمية شاملة ومتوازنة دون الاعتماد على صادرات النفط والغاز. وعلى المستوى السياسي الإفراج عن إصلاحات ديمقراطية جدية دون تراخي قبضته القوية، وهنا يحضر أيضا ملف الفساد الشائك والمتفشي.

وبالعودة إلى ما يتعلق مباشرة بالملف السوري، يدرك الكرملين أن قرار الانسحاب العسكري جزيئا لم يكن قابلا للتأخير أكثر، وإن كان رمزيا على الصعيد العملي، وهذا تمليه ضرورات إستراتيجية حتى تحافظ روسيا على ما “أنجزته” عسكريا، فخارطة الصراع في سوريا تبقى مفتوحة على احتمالات متضاربة وقابلة للانتكاس. وفي المحصلة النهائية لن تكون هناك إنجازات للتدخل العسكري إذا لم يمنح روسيا مكاسب سياسية إقليمية ودولية، مدخلها تقديم موسكو لنفسها كوسيط يمسك بأوراق ضغط وقادر على نيل ثقة أطراف الأزمة السورية والقوى الإقليمية المؤثرة فيها.

وكان لافتا في الشق السياسي من تصريحات بوتين في حميميم تأكيده على أهمية التعاون مع تركيا وإيران “لإطلاق عملية سياسية لتسوية سياسية للوضع في سوريا”، دون إشارة إلى الولايات المتحدة أو السعودية، وهذا بدوره يؤشر إلى تعويل موسكو، في المرحلة القادمة، على عمل مشترك مع أنقرة وطهران للوصول إلى حل سياسي للأزمة السورية، يتم ترسيمه لاحقا تحت مظلة الأمم المتحدة، ضمن أكبر مقاربة ممكنة مع “الرؤية الروسية” للتسوية، ترى موسكو أن الفرصة باتت مواتية لإنجازها، لأسباب عديدة من وجهة نظرها.

سوتشي بديلا عن جنيف
انتهت الجولة الثامنة من مباحثات جنيف بين المعارضة والنظام إلى الفشل، وثمة شبه إجماع على تضاؤل إمكانية إحداث اختراق جدي في المدى المنظور، مما يعزز فرص موسكو في إعطاء زخم لعقد مؤتمر خاص بها في سوتشي، تحت مسمى “مؤتمر شعوب سوريا”، بمشاركة تركية وإيرانية فاعلة.

ويأمل الكرملين أن يشق مؤتمر سوتشي طريقه كبديل لمؤتمر جنيف، وهو ما حذّر منه المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا في لقاء مع وفد المعارضة، في الجولة الأخيرة من مفاوضات جنيف، بقوله إن “المعارضة تحلل القرار الدولي 2254، وبيان جنيف1 (2012) بشكل خاطئ، وتدلي بتصريحات ترفع من سقفها دون أساس واقعي”، المقصود هنا بالتحديد مفهوم المرحلة الانتقالية ومصير بشار الأسد، محذرا من أن “المعارضة إذا شاركت في مؤتمر سوتشي دون تحقيق تقدم في سلة الدستور في اجتماعات جنيف فإنها ستتلاشى وتضيع هناك”، وذلك وفقا لأخبار متداولة نقلا عن مصادر في وفد المعارضة.

إن ما ذهب إليه دي ميستورا، فيما نسب إليه في حديثة مع وفد المعارضة، يبدو ليس بعيدا عن الرؤية التي تبناها واتخذت مسارا هابطا، بدعوى “الوصول إلى حل واقعي يعكس التغيرات على الأرض”، تبعا لما آلت إليه الأوضاع في المعادلة الداخلية السورية، والمعادلتين الإقليمية والدولية بخصوص الملف السوري، بفعل التدخل العسكري الروسي، وضعف ومحدودية الدور الأميركي والأوروبي، وتراجع التأثير السعودي والخليجي، ونجاح موسكو مرحليا في اجتذاب أنقرة وطهران والعديد من القوى الأخرى إلى جانب رؤيتها للتسوية.

“انتهت الجولة الثامنة من مباحثات جنيف بين المعارضة والنظام إلى الفشل، وثمة شبه إجماع على تضاؤل إمكانية إحداث اختراق جدي في المدى المنظور، مما يعزز فرص موسكو في إعطاء زخم لعقد مؤتمر خاص بها في سوتشي، تحت مسمى “مؤتمر شعوب سوريا””

وعبَّر دي ميستورا عما يعتقد به بتأكيده في ختام مفاوضات جنيف8، التي انتهت قبل أيام إلى الفشل، بالقول: “سأحتاج على الأرجح إلى التوصل لأفكار وعوامل جديدة بشأن كيفية مواصلة المحادثات لاسيما بشأن الدستور والانتخابات”، ويتطابق هذا مع الهدف المعلن لمؤتمر سوتشي “صياغة دستور جديد ومن ثم إجراء انتخابات”. وبناء عليه من البديهي في مثل هكذا حالة أن ترفع موسكو من سقف مراهنتها على أن تكون مفاوضات سوتشي بديلا عن مفاوضات جنيف، لأن روسيا هي اللاعب الأقوى في الملف السوري وبيدها الكثير من مفاتيح التسوية.

استانا مكسب روسي
عملت موسكو خلال السنوات الخمسة الماضية على تعطيل مسار جنيف من خلال تمسكها بتفسير خاص لبيان جنيف1، ومن ثم تدخلها العسكري الذي غيَّر ميزان القوى على الأرض، واستطاعت بالفعل أن تفرغ مباحثات جنيف من محتواها وجعلها تدور في حلقة مفرغة، وأتبعت ذلك بإطلاق مسار تفاوضي مواز في أستانا، لإنضاج تسوية تتوافق مع “الرؤية الروسية”، ونجحت موسكو في الجولات الثمانية لمباحثات أستانا في التركيز على قضايا جزئية، مثل مناطق خفض التوتر، والبناء عليها، في ظل تراجع خيارات المعارضة السورية واضمحلال هامش مناورتها.

ولم تخرج مباحثات أستانا في نسختها الثامنة عن هذا السياق، فالبحث تركز على ملفين فقط: ملف المعتقلين وتشكيل لجنة عمل خاصة به، ومنطقة خفض التوتر في إدلب، بينما تركت باقي الملفات على مؤتمر سوتشي المزمع عقده يومي 29 و30 يناير/كانون الثاني المقبل.

ومما لا شك فيه أن الجولة التاسعة من مفاوضات جنيف -التي دعا دي مسيتورا لعقدها في مطلع يناير/كانون الثاني- سيكون مصيرها كسابقاتها، بانتظار ما سينتج عن مؤتمر سوتشي، في إقرار ضمني بأن موسكو هي من تتحكم حتى الآن بالعملية التفاوضية.

وذلك يملي على موسكو تكتيكا مختلفا، فالمفترض أن يضع مؤتمر سوتشي أرضية لتسوية سياسية شاملة للأزمة السورية، وتوفير الديناميكية اللازمة والآليات لتنفيذها ضمن جدول زمني محدد. أو بمعنى آخر سيكون لزاما على الكرملين أن يضع كامل رؤيته على طاولة البحث.

ومن المتوقع أن تلعب موسكو ورقة اقتراح وقف شامل لإطلاق النار، كخطوة تحتاجها المعارضة لوقف تقدم النظام، وفي الوقت عينه يحتاجها النظام لتثبيت قبضته على المناطق التي يسيطر عليها، وهذا يرضي أيضا تركيا الضامنة لمنطقة خفض التوتر في إدلب، وقبل هذا وذاك مهم لروسيا نفسها التي ستنشغل بالانتخابات الرئاسية.

غير أن كل ما سبق ليس كافيا للتسليم بأن الطريق بات مفتوحا ودون عوائق أمام الكرملين للبدء بحصد نتائج سياسية حاسمة، استنادا إلى ما حققته من خلال التدخل العسكري في سوريا منذ سبتمبر/أيلول 2015. فاستثمار ذلك سياسيا يحتاج إلى روافع وأدوات ضغط لا تمتلكها روسيا، وهناك الكثير من التناقضات داخل معسكر حلفائها من المقدر أن تتصاعد وتتسارع مع دوران عقارب ساعة التسوية.

“على مدار سبع سنوات من الأزمة السورية الطاحنة بقي مصير الرئيس بشار الأسد عقدة المنشار في مفاوضات ومباحثات جنيف وأستانا، وسيبقى كذلك أيضا في مؤتمر سوتشي، ومن الصعب تصور إمكانية تجاوز هذه العقدة بتسويق حل يقوم فقط على “صياغة دستور جديد وإجراء انتخابات””

فهي وإن غيرت ميزان القوى ومجرى الصراع إلا أنها لم تحسمه، فالأكراد يسيطرون على مساحات واسعة من شمال سوريا بدعم وحضور عسكري أميركي مباشر، والمعارضة المسلحة مازالت تسيطر على مناطق كبيرة في ريف حلب وإدلب ودرعا والغوطة الشرقية، وإيران والمجموعات المسلحة التابعة لها مازالت تتمتع بثقل عسكري قوي، ولا يمكن إغفال الدور العسكري التركي.

وعلى مدار سبع سنوات من الأزمة السورية الطاحنة بقي مصير الرئيس بشار الأسد عقدة المنشار في مفاوضات ومباحثات جنيف وأستانا، وسيبقى كذلك أيضا في مؤتمر سوتشي، ومن الصعب تصور إمكانية تجاوز هذه العقدة بتسويق حل يقوم فقط على “صياغة دستور جديد وإجراء انتخابات”.

ناهيك عن التناقض في الرؤى والأجندات بين قوى المعارضة ذاتها، وبين تركيا وإيران، اللتين تقدمان كوصيفتين إقليميتين إلى جانب روسيا في رعاية مؤتمر سوتشي، وربما القاسم المشترك الوحيد بينهما ينحصر في موقفهما من الملف الكردي في سوريا، كامتداد لهذا الملف في المنطقة ككل.

وأخيرا؛ فإن الحديث عن تسوية سياسية للصراع في سوريا لن يمر دون دعم ومصادقة واشنطن وعواصم القرار في الاتحاد الأوروبي، كما أن وضع خطة لإعادة إعمار سوريا من القضايا المهمة جدا في أي تسوية.

فهل تستطيع موسكو أن تحل عقدة مصير الأسد أو تجاوزها بانتزاع تنازل من المعارضة؟ وما حجم الضغط الذي يمكن أن تمارسه على الأسد لتقديم تنازلات مفصلية في ظل الدعم الإيراني له؟ وهل تقدر على توحيد مواقف المعارضة السورية وإدخال الأكراد في صفوفها، وتفكيك التناقضات التركية والإيرانية أو تحييدها إلى ما لا نهاية؟ وهل يمكنها ضبط السلوك الإسرائيلي في المستقبل؟ وهل بإمكانها أن تقنع واشنطن والاتحاد الأوروبي بالانخراط في الرؤية الروسية للتسوية وتحمل عبء خطة لإعادة إعمار لا تكلف روسيا سياسيا أو ماديا؟

لعل موسكو ترى أنه من الأفضل أن تجرب قبل الإجابة على الأسئلة السابقة، لكن كلما تأخرت في الإجابة سيدفع السوريون ثمنا أكبر، وفي نهاية المطاف الانسحاب العسكري الروسي جزئيا لن يقدم أو يؤخر، وكذلك بالنسبة لمؤتمر سوتشي، إلا إذا ترافق مع تغيير جدي في المسار السياسي الروسي تجاه الأزمة السورية، ويبدو أن ذلك سيبقى بعيد المنال، إلا إذا مورست على روسيا ضغوط جدية لا تلوح بوادرها حتى الآن.

الجزيرة