انتفاضة إيران… من دون قيادة

انتفاضة إيران… من دون قيادة

عقب الانهيار المدوي الذي تعرض له الاتحاد السوفياتي مطلع التسعينات، اعترف الرئيس ميخائيل غورباتشيف بأن الأزمات الاقتصادية كانت تقف وراء ذلك التفكك. وشدد في كل أحاديثه على أخطار الأثقال المالية المرهقة التي كانت تدفعها الإدارة المركزية في موسكو لسدّ عجز حلفائها في كوبا وسورية ومصر وفيتنام وأنغولا والموزمبيق، وغيرها من الدول الصديقة.

وقد ركب غورباتشيف موجة التقشف والانكفاء على الذات والتحرر من كل المسؤوليات المتعلقة بديون الدول التابعة للمنظومة الاشتراكية. وفي لقائه مع الرئيس الأميركي رونالد ريغان حول المدفئة في جنيف، أخبره الرئيس السوفياتي أن مشروع «حرب النجوم» ساهم في تقويض اقتصاد بلاده، لأن موسكو شعرت بأهمية ربح معركة المنافسة المكلفة.

خلال الأيام العشرة الماضية، تعرض نظام الملالي في إيران لمسيرات احتجاج شملت سبعين مدينة بينها: طهران ومشهد وأصفهان وشهركره وكرمن شاه وحمدان وقزوين. وكان من الطبيعي أن يرد أنصار النظام بهتافات معادية، الأمر الذي أدى الى الصدام والعنف أمام شرطة مكافحة الشغب.

والملفت، أن شعارات التنديد استهدفت مرشد النظام علي خامنئي، والرئيس حسن روحاني وقادة الحرس الثوري. وفي مدينة مشهد، حيث انطلقت شرارة الاحتجاجات، ردد المتظاهرون هتافات مؤيدة للشاه الراحل الذي أطاحته الثورة الإسلامية سنة 1979.

وبما أن الرأي العام العالمي لم يكن يتوقع تطور تلك التظاهرات، لذلك لوحظ تلكؤ الدول الأوروبية في ارتجال موقف معادٍ كالموقف الذي أعلنه الرئيس دونالد ترامب. وقد اعتبر في تغريدته «أن زمن التغيير قد حان في إيران، وأن الفرصة مهيأة لتحرر الشعب العظيم المقموع منذ سنوات. وهو متعطش للتغيير لأن طهران فشلت على كل الصعد، على رغم الاتفاق الرهيب الذي وقعته معها إدارة أوباما.»

ورأى السناتور الجمهوري ليندسي غراهام في هذا التلميح توطئة، لإلغاء الاتفاق النووي الذي وقعه سلفه الديموقراطي باراك أوباما.

وكتب عدد من المعلقين يقول إن نتائج الاضطرابات في إيران هي التي تحدد توقيت الانسحاب من هذا الاتفاق. ويبدو أن الرئيس الأميركي كان يراهن على نجاح الانتفاضة شأنه شأن الذين قارنوا بين التظاهرات التي أسقطت النظام الشيوعي مطلع التسعينات… والتظاهرات التي تنادي بسقوط نظام ولاية الفقيه الذي تبناه آية الله الخميني وأتباعه في كل مكان، خصوصاً أن المعارضين في الحالين كانوا يشددون في انتقاداتهم على الإسراف في هدر الثروات الوطنية على دول خارجية، في حين يعاني الشعب من مشكلات البطالة والغلاء والفقر.

وقد تركزت احتجاجات خطباء المسيرات على تسمية التظاهرات بـ «انتفاضة الفقراء»، مطالبة السلطات بوقف تمويل الأنصار والأتباع في العراق وسورية واليمن ولبنان. كما طالبت بأهمية استثمار هذه الأموال الطائلة، المقدّرة بآلاف الملايين، في تطوير الاقتصاد الإيراني بحيث يتوافر العمل لآلاف العاطلين من العمل.

وتُعتبر إيران الدولة الإسلامية الثانية في المنطقة من حيث العدد بعد مصر (82 مليوناً). وفي هذه الدولة يعيش 35 في المئة من سكانها تحت خط الفقر، بينما يتسكع في شوارع مدنها أربعة ملايين شاب عاطل من العمل. ولوحظ من مطالب المتظاهرين أنهم ركزوا في نداءاتهم على تحرير آلاف السجناء السياسيين، وطرد الفاسدين من الحكم.

بعد هدوء العاصفة يوم الخميس الماضي، رأى كثير من المحللين أن هذه الانتفاضة خسرت زخمها المؤثر داخل إيران بسبب افتقارها الى زعيم يقود جماهيرها. وقارن هؤلاء بين هذه الجماهير التي تتحرك كجسد من دون رأس، وبين انتفاضة 2009. يومذاك نجح حسين موسوي ومهدي كروبي في إخراج مليون شاب الى الشارع، تحت شعار «الثورة الخضراء.» ويبدو أن حسين ومهدي ركنا الى منزليهما قيد الإقامة الجبرية.

يقول المراقبون إن حركة الاحتجاج التي انطلقت من «مشهد»، لم تبلغ طهران إلا بعد ثلاثة أيام، الأمر الذي دفع الرئيس حسن روحاني الى تقديم وعود بمعالجة الوضع الاقتصادي.

تقول الصحف الفرنسية إن تركيز المتظاهرين على مهاجمة الرئيس روحاني كان بسبب خوفهم من انتقاد مرشد النظام و «الحرس الثوري» الذي يحميه. لذلك فضّلوا تحييد علي خامنئي، ظناً منهم أنه ربما يقدم لهم روحاني ككبش فداء. ولكنهم سرعان ما اكتشفوا أن وحدة القيادة أهم من كل الاختلافات العابرة. وبناء على هذه النظرية، قامت وحدات «البسيج» بعرض عضلاتها في الوقت المناسب.

وفي الوقت ذاته، خصصت الحكومة برامج تلفزيونية عدة لإظهار النجاحات التي حققها روحاني في عهده. وقالت في ذلك إنه نجح في تقليص التضخم من 35 في المئة سنة 2013 الى 9 في المئة هذه السنة. كذلك وفّر فائضاً من تصدير المنتجات الإيرانية زادت على ثلاثين بليون دولار. وعقد اتفاقيات كبيرة مع الصين وروسيا وباكستان ودول الاتحاد الأوروبي، ومن المتوقع أن تدخل لخزينة الدولة بلايين من العملة الصعبة.

أما في شأن تعزيز مكانة إيران في الشرق الأوسط، فقد ذكّرت المعارضة بأنها جاءت على حساب رفاه المواطن الإيراني الذي يدفع من ماله ثمن الحرب في اليمن وسورية. كذلك استعرضت المعارضة كيفية وصول الثورة الإسلامية الى الحكم سنة 1979… وكيف ساهمت سياسة الشاه الخارجية في تعبيد الطريق أمام آية الله الخميني.

وحقيقة الأمر أن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها واشنطن على إيران لم تُحدِث الأثر المطلوب، خصوصاً «قانون داماتو» الذي حظر على الشركات الأجنبية العمل في مجال النفط والغاز مع إيران بعقود تزيد على عشرين مليون دولار.

ولكن استراتيجية التطويق التي فرضتها واشنطن قابلتها طهران باستراتيجية الانفتاح على الدول الآسيوية، وفي مقدمها الصين. ويكفي أن نذكر أن بكين وقعت مع طهران في تشرين الأول (اكتوبر) سنة 2004 اتفاقاً بمبلغ مئة بليون دولار لمدة 25 سنة.

وتؤكد الدراسات التي قامت بها المعاهد الاستراتيجية أن مقاطعة إيران خلقت ذهنية قادرة على الخروج من حال الحصار. ولقد دفعت هذه الخطة الى الاعتماد على الذات، وعن البحث عن متعاونين جدد في آسيا وأميركا اللاتينية.

يعترف المسؤولون عن سياسة مراقبة الحصار بأن هذه الاستراتيجية فقدت تأثيرها وصدقيتها بسبب عدم محافظة واشنطن على مبادئ التنظيم، ففي عهد الرئيس رونالد ريغان عقدت الإدارة الأميركية صفقة تسلح سرية مع طهران. وفي عهد جورج بوش الابن، أجريت محاولة تقارب أدت الى إطلاق سراح المختطفين في لبنان سنة 1991. وفي عهد الرئيس بيل كلينتون سمحت واشنطن لإيران بإرسال أسلحة الى البوسنة.

وأكثر من هذا، فإن وزارة الاقتصاد في إيران تؤكد أن واشنطن هي رابع دولة من حيث التعامل السري مع إيران.

يوم الأربعاء الماضي، أعلن قائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري، نهاية ما وصفه بالمؤامرة على الثورة.

وكان جعفري قد اتهم رئيس الجمهورية السابق محمود أحمدي نجاد بإثارة انتفاضة الأرياف، نظراً للشعبية التي يتمتع بها في تلك الأماكن النائية. كما اتهم عملاء الولايات المتحدة بإثارة الأقليات التي يتألف منها النسيج الاجتماعي، مثل: الأكراد والبلوش والعرب والتركمان والآذريين واليهود والمسيحيين. وتشكل هذه الأقليات ما نسبته أكثر من أربعين مليون نسمة.

في كتابه عن إيران، قال المؤلف الفرنسي جان- بيار برنارد إن هوية إيران معقدة جداً. ذلك أن العرق الفارسي هو الذي يتربع على كرسي الحكم، ولغته هي اللغة القومية للبلاد منذ قرون، مع العلم أن أعراقاً أخرى شاركت في الحكم. والتشيّع، الذي أصبح عنصراً أساسياً في الهوية الرسمية، تطور في البداية لمواجهة السلاطين العثمانيين قبل أن يثبت نفسه في مواجهة العالم العربي الذي يشكل السنّة غالبية فيه!

سليم نصار

صحيفة الحياة اللندنية

Print Friendly, PDF & Email