إيران: حراك معارض محدود وأزمة نظام مزمنة

إيران: حراك معارض محدود وأزمة نظام مزمنة

58

شهدت إيران، منذ الثامن والعشرين من ديسمبر/كانون الأول 2017، حراكًا شعبيًّا معارضًا، انتقل خلال أيام قليلة من مدينة مشهد إلى عشرات المدن والبلدات. كان طابع الحراك في بدايته أقرب إلى التعبير المطلبي، والاحتجاج على ضغوط المعيشة المتزايدة، وانتشار الفساد في أوساط الدولة ونظام الحكم. ولكن المحتجين سرعان ما رفعوا شعارات سياسية، حملت تهجمًا صريحًا على رئيس الجمهورية والمرشد الإيراني ورموز الحكم الأخرى، وعلى نظام الجمهورية الإسلامية برمته.

أظهرت أجهزة الأمن الإيرانية حرصًا واضحًا على ضبط النفس، وخلال الأسبوع الأول من الحراك الشعبي، سُجِّل مقتل 24 شخصًا، أغلبهم من المتظاهرين. ولكن، وبالرغم من اتساع حركة التظاهر، ظل الحراك الشعبي محدودًا في تأثيره وقدرته على تحدي النظام.

فاجأ الحراك الشعبي المعارض مؤسسة الحكم في الجمهورية الإسلامية، كما فاجأ مراقبي الشأن الإيراني في الجوار الإقليمي والعواصم الغربية. وقد راوحت تصريحات المسؤولين الإيرانيين حول الحركة الشعبية بين محاولة الاحتواء، والتنديد، والاتهام بالعمالة للخارج. أما خارج إيران، فاختلفت مواقف دول الجوار الإيراني، كما اختلفت مواقف القوى الدولية الرئيسة.

فما طبيعة هذا الحراك؟ ولماذا تتطور حركات الاحتجاج الإيرانية عادة إلى حركات معارضة سياسية لنظام الجمهورية الإسلامية؟ وهل يمكن أن يشكِّل حراك شتاء إيران تهديدًا لوجود الجمهورية؟ وإن لم يكن الحراك بمستوى التهديد الوجودي لجمهورية ولاية الفقيه، فأي أثر يمكن أن يتركه على علاقة النظام بشعبه، وعلى سياسات النظام؟

جذور الحراك

اندلعت هذه الموجة من الحراك الشعبي الإيراني من حادثة صغيرة ومحلية، عرفت إيران العشرات من أمثالها خلال السنوات العشر الماضية، بدون أن تتسع إلى كافة أنحاء البلاد. طبقًا لمصادر إيرانية، تعلَّق السبب الرئيس خلف إطلاق شرارة الاحتجاجات بخسارة عدد من أهالي مدينة مشهد، شمالي البلاد، ودائع بنكية وأقساط شراء عقارات سكنية، بعد أن أعلن أحد البنوك في المدينة إفلاسه فجأة. ولكن ما شهدته مشهد، المدينة المحافظة، التي تُعتبر مركزًا دينيًّا شيعيًّا رئيسًا، سرعان ما طال عشرات المدن والبلدات الأخرى، بصورة تلقائية، وبدون أن يتضح وجود مخطط منظم خلفه. ثمة مصادر إيرانية أشارت إلى أن الدعوات الأولى للتظاهر على قنوات تليغرام، الأكثر انتشارًا في إيران، خرجت من دوائر التيار الأصولي، ومن مواقع محسوبة على الرئيس السابق، أحمدي نجاد. كما حظيت الاحتجاجات بتأييد آية الله علم الهدى، خطيب جمعة طهران.

أيًّا كانت الأسباب المباشرة للحركة الاحتجاجية والجهات التي تقف خلفها، فقد أثارت شكوكًا في البداية بأن الحراك لم يكن سوى مؤامرة عملت عليها دوائر سياسية محافظة لإحراج إدارة الرئيس الإصلاحي، روحاني، بعد شهور قليلة فقط من فوزه بدورة رئاسية ثانية. بيد أن تفاقم الحراك الشعبي واتساعه، يجعل من نظرية مؤامرة المحافظين غير ذات صلة؛ فالشعارات التي حملها المحتجون لم تحمل إدانة للفساد والسياسات الاقتصادية للحكومة، ولا تهجمت على الرئيس، وعلى مرشد الجمهورية، الولي الفقيه، وعلى رموز بارزة في النظام، وحسب، بل عبَّرت عن رفض النظام برمته، منادية بإجراء استفتاء شعبي على وجود الجمهورية الإسلامية.

عمومًا، إنْ كانت الأعباء المعيشية الشرارة التي أطلقت الحراك الشعبي، فالمؤكد أن أوضاع إيران الاقتصادية ليست في أفضل أحوالها. يصل عدد العاطلين عن العمل في إيران إلى ستة ملايين (بنسبة بطالة تصل إلى 13 بالمئة، سيضاف إليهم 800 ألف وافد جديد إلى سوق العمل هذا العام، أغلبهم من خريجي الجامعات). وبالرغم من وعود الرئيس روحاني خلال حملته الانتخابية بخفض معدل التضخم، قفز هذا المعدل من 8.4 إلى 10 بالمئة في الشهر بين نهايتي نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول. كانت الأوضاع أسوأ بكثير في 2013، عندما سُجِّل معدل تضخم بلغ 45 بالمئة، ولكن تلك كانت سنوات العقوبات والحصار. وهنا تقع حافة انكسار الثقة في الرئيس وحكومته.

في السنوات قبل 2015، عندما كان الخطاب الرسمي يلقي باللوم على منظومة العقوبات الدولية المفروضة على البلاد، قَبِل الإيرانيون، وإن بصعوبة بالغة، أعذار قادتهم حول تدهور أوضاعهم المعيشية. ولكن، وبعد توقيع الاتفاق النووي في صيف 2015، والإفراج عن المليارات من الأموال الإيرانية المحتجزة في الخارج، ورفع معظم العقوبات، انتظر الإيرانيون طوال أكثر من عامين تحسنًا ملموسًا في ظروف حياتهم، دون نتيجة تُذكَر. في دولة نفطية رئيسية، ينظر الإيرانيون بشيء من عدم التصديق إلى الأرقام الرسمية التي تشير إلى عجز فادح في ميزان البلاد التجاري، يفوق الخمسة مليارات دولار. 

تمتلك إيران مقدَّرات تفوق كثيرًا دول الجوار الأخرى، الأفضل حالًا، مثل تركيا والسعودية. فإيران دولة مصدِّرة للنفط والغاز، بل هي ثاني منتج للغاز في العالم، كما تتمتع بفائض زراعي كبير، وتعتبر ديمغرافيًّا من الدول الشابة، ذات المستوى التعليمي المرضي. ولكن قطاعًا كبيرًا من الإيرانيين يعتقد أن انتشار الفساد في أوساط الطبقة “الإسلامية” الحاكمة، ابتداء من عائلة المرشد نفسه وحتى مستوى موظفي الدولة الصغار، وصل حدًّا غير مسبوق في تاريخ البلاد، تجاوز حتى مستواه في زمن حكم الشاه. المشكلة في ظل غياب الشفافية والمحاسبة المؤسساتية، أنْ ليس ثمة أرقام تكشف عن حجم الفساد في المنظومة الاقتصادية الإيرانية. ما يتوفر هو أرقام اختلاسات هائلة قام بها هذا المسؤول السابق أو ذاك، بعدما يفقد الحظوة السياسية ويصبح من الممكن تقديمه لدوائر العدالة.

إلى جانب الفساد، هناك بالتأكيد سوء إدارة، لا يعود إلى ضعف بنية بيروقراطية الدولة وحسب، ولكن أيضًا إلى الصراعات المحتدمة بين أجنحة النظام ومراكز قواه المختلفة. تعمل حكومة روحاني من أجل انفتاح اقتصادي ملموس، وخصخصة متدرجة، ولكن الحكومة لا تستطيع مسَّ المقدرات الاقتصادية التي تتحكم فيها مؤسسات مثل الحرس الثوري، أو تلك المرتبطة بمكتب المرشد. كما أنه لا روحاني، ولا حكومته، يستطيعان التحكم في قطاع المصروفات السرية، التي تُنفَق في مغامرات إيران التوسعية في الإقليم، سواء في لبنان وسوريا، أو العراق واليمن. بمعنى، أن حكومة روحاني، وإن كانت تدرك عواقب سياستها الاقتصادية على قطاعات واسعة من الشعب الإيراني، وضرورة معالجتها، فإنها تفتقد الوسائل التي تؤهلها لاحتواء هذه العواقب قبل انفجارها. وهنا أيضًا، كما في مجال الفساد، يجهل الإيرانيون كلية حجم سيطرة مؤسسات الدولة والحكم على القطاع الاقتصادي، كما يجهلون حجم الإنفاق على سياسات النفوذ الخارجي.

إضافة إلى ذلك كله، تعاني إيران من اضطراب هائل في أولويات الانفاق؛ ففي حين كانت البلاد تعاني من انحطاط متزايد في بناها التحتية، تعهَّد النظام برنامجًا نوويًّا سريًّا باهظ التكاليف، ومشروعًا لتطوير الصواريخ المتوسطة وبعيدة المدى، لا يقل تكلفة. ويبدو أن مشروع الصواريخ سيؤدي إلى فرض عقوبات أميركية جديدة على إيران. مقارنة بتركيا، التي تعمل على تطوير صناعاتها الدفاعية التقليدية، وتفتح أبوابًا لتصدير منتجات هذا القطاع، لم يفد الاقتصاد الإيراني شيئًا من البرنامجين: النووي والصاروخي.

من الاقتصاد إلى السياسة

كما في اضطرابات 2009، التي انطلقت كرد فعل على مزاعم بتزييف نتائج الانتخابات الرئاسية، التي أعادت الرئيس السابق، أحمدي نجاد، لولاية ثانية، تطور الحراك الشعبي الأخير من الاحتجاج الاقتصادي إلى رفع شعارات سياسية جذرية، تنادي بإطاحة نظام الجمهورية الإسلامية. ويبدو هذا الانتقال السريع من المطلبي إلى السياسي باعتباره المشكلة الأكثر خطرًا التي تواجه نظام الجمهورية الإسلامية، حتى إن تم احتواء الحراك الشعبي؛ لاسيما في ظل إخفاق آية الله خامنئي في كسب التأييد الإجماعي الذي تمتع به آية الله خوميني، مؤسس الجهورية، وفي ظل تقدم خامنئي في السن وعدم بروز خليفة مقنع له.

يوحي انتقال شعارات المتظاهرين المتسارع من الاقتصادي إلى السياسي، بأن هناك تآكلًا مستمرًّا في شرعية الجمهورية الإسلامية. كما يوحي بأن الهوة بين الطبقة الحاكمة وقطاع ملموس من الإيرانيين مرشحة للاتساع، وأن تكتيك تبادل المواقع بين المحافظين والإصلاحيين لم يعد كافيًا لردم هذه الهوة. بمعنى، أنه وبعد مرور ما يقارب الأربعين عامًا على إقامة الجمهورية الإسلامية، لم يزل سؤال وجود النظام يراود قطاعات ملموسة من الإيرانيين، سواء أولئك الذي يرغبون في إقامة نظام جمهوري حقيقي، أو أولئك الذين ينتابهم حنينٌ ما للنظام الشاهنشاهي.

تعود هذه المشكلة في جذورها إلى أن نظام ولاية الفقيه، الذي أسَّس لوجود سلطة تعلو على سلطة الشعب، صنع تناقضًا صارخًا ومستديمًا في قلب الجمهورية الإسلامية. ينتخب الإيرانيون رئيسهم وبرلمانهم، بالفعل، ولكن سلطات هؤلاء محدودة، ولا يمكن أن تتعارض مع سلطة الولي الفقيه، لا في الشؤون الداخلية الرئيسة، ولا في مجالات الدفاع والسياسة الخارجية. كان نظام ولاية الفقيه الحل الوحيد الممكن، لحظة تأسيس الجمهورية، لأزمة الفكر السياسي الشيعي ورؤيته لمسألة الدولة، ولكنه انتهى إلى التسبب في فقدان الثقة بين الإيرانيين وحكامهم المنتخبين. وهذا ما يجعل كل حراك معارض، احتجاجي أو مطلبي، ينتهي إلى سؤال وجود نظام الجمهورية الإسلامية، ومؤسسة ولاية الفقيه.

ردود الفعل

ليس ثمة شك في أن أوساط النظام فوجئت بالحراك الشعبي، كما فوجئت بانتقاله السريع من مشهد إلى عشرات المدن والبلدات الأخرى، وبتطوره إلى رفع شعارات سياسية جذرية. وقد اختلفت مواقف الرسميين الإيرانيين بين جناحي الدولة، الإصلاحي والمحافظ، ومن بداية الحراك إلى تطوره في الأيام القليلة التالية.

كان خطاب الرئيس روحاني، مساء 31 ديسمبر/كانون الأول 2017، مثلًا، تصالحيًّا إلى حدٍّ كبير، اعترف فيه بحق الشعب في التظاهر والاحتجاج السلمي، واستهدف احتواء الحركة الشعبية. كما كان واضحًا، مقارنة بأحداث 2009، أن الحكومة أصدرت أوامر للأجهزة الأمنية بضبط النفس، وتجنبت طوال الأسبوع الأول من الحراك، استدعاء قوات الحرس أو الباسيج إلى الشارع. وهذا ما أدى إلى تقليل حجم الضحايا، بالرغم من العدد الكبير للمدن والبلدات التي شهدت حركات احتجاجية. ويبدو أن سياسة حكومة روحاني للتعامل مع الحراك تمثلت في اللجوء إلى الاعتقالات، بدلًا من القتل، كخيار أول.

بيد أن تصريحات قائد الحرس الثوري، محمد علي جعفري، في 3 يناير/كانون الثاني 2018، كانت أكثر حدة، وحملت اتهامات بالجملة لأميركا وبريطانيا والسعودية، وخصوم الجمهورية في الخارج. ولم يُخْفِ جعفري انتقاده لحكومة روحاني بالتساهل مع من وصفهم بـ”محركي الشغب والاضطرابات”. كما تابعه رئيس مجلس القضاء الأعلى، الذي أنذر المحتجين بعقوبات صارمة.

على الصعيد الإقليمي، ساد الصمت كافة الأوساط الرسمية المعروفة بخلافاتها مع إيران، مثل السعودية، وتلك المعروفة بتحالفها معها، مثل العراق وحزب الله. وربما يعود صمت الأولى لمحاولة تجنب الاتهام بالتدخل، بالرغم من سعادتها باضطراب الوضع الإيراني الداخلي. ويعود صمت الثانية إلى مفاجأتها وقلقها من تأثير الحراك على دور إيران وموقعها الإقليمي. ولكن تركيا، التي تحسنت علاقاتها بإيران منذ المحاولة الانقلابية التركية في صيف 2016، لم تخف تعاطفها مع النظام الإيراني، إلى الحد الذي دفع الرئيس أردوغان إلى الاتصال بروحاني، للاطمئنان، والناطق باسم الحكومة التركية إلى تحذير الجهات الخارجية من التدخل في شؤون إيران الداخلية.

دوليًّا، سارعت الولايات المتحدة إلى إعلان تأييدها للحراك الشعبي والتنديد بإجراءات طهران لمواجهته، إلى الحد الذي نادى فيه الرئيس ترامب بتغيير النظام الإيراني. وبالرغم من المعارضة الروسية الحادة، نجحت الولايات المتحدة في عقد جلسة لمجلس الأمن، مساء 5 يناير/كانون الثاني 2018، لمناقشة الوضع في إيران. ولكن الجلسة، في ضوء اعتقاد أغلبية أعضاء المجلس بأن المسألة تتعلق بشأن إيراني داخلي، لا يهدد الأمن الدولي، لم تنته إلى أي قرار أو حتى بيان صحفي. وكان ملاحَظًا في مداولات المجلس أن الأعضاء الأوروبيين لا يشاركون الحليف الأميركي موقفه. فبالرغم من أن معظم الدول الأوروبية أعربت عن القلق من احتمالات عدم الاستقرار في إيران، ودعت إلى أن يحترم النظام الإيراني حق شعبه في التظاهر، لم يكن خافيًا أن العواصم الأوروبية تتخوف من محاولة واشنطن استغلال الوضع للتخلي عن الاتفاق النووي أو الإضرار بشروطه.

طبيعة الحراك واحتمالاته

بخلاف اضطرابات 2009، التي برز خلالها الإصلاحيان الراديكاليان، كروبي وحسين موسوي، باعتبارهما رموز التيار المعارض، لم يظهر في الحراك الحالي أي رمز قيادي، لا من بين الطبقة الحاكمة ولا الفئات الشعبية المعارضة. ولا يمكن اعتبار التقارير التي أفادت بفرض الإقامة الجبرية على الرئيس السابق، أحمدي نجاد، 6 يناير/كانون الثاني 2018، إن صحت، دليلًا على وجود دور حاسم له في الحراك الشعبي، أو أن المتظاهرين يرونه قائدًا لهم. فبالرغم من وجود تأييد ما لنجاد في الشارع الإيراني، خاصة في صفوف الفقراء والمهمشين، فإن هذا التأييد يظل محدودًا؛ كما أن أغلبية الإيرانيين تعتقد أن الرئيس السابق لا يقل مسؤولية عن تدهور أوضاع البلاد من الحكام الحاليين.

كما لم تبرز جهة منظمة خلف الحراك. ولا يبدو أن ادعاءات المسؤولين الإيرانيين بأن منظمة مجاهدي خلق المعارضة تلعب دورًا ما في تأجيج الاضطرابات، لها ما يؤيدها من أدلة، سيما أن منظمة مجاهدي خلق باتت منظمة معارضة خارجية، ذات وجود لا قيمة له في داخل البلاد.

ما يمكن رؤيته أن الحراك تطور بصورة متقطعة، وأن مادته الرئيسة كانت الفئات الفقيرة من العاطلين عن العمل، الطبقات العمالية، وقطاعات طلابية، والشرائح السفلى من الطبقة الوسطى، وأن حجم المظاهرات ظل مقصورًا على المئات أو الآلاف في كل موقع تظاهر. وليس ثمة دليل، بعد أسبوع على انطلاق الحراك، على أن القوى الرئيسة من الطبقة الوسطى، من المهنيين والتجار والإنتلجنسيا، قد التحقت بجموع المتظاهرين، لا في طهران، ولا في المدن الرئيسة الأخرى. وفي إيران، كما في معظم بلاد العالم، بدون الطبقة الوسطى يصعب إشعال حراك شعبي كبير وقادر على الاستمرار. وحدها معارضة الطبقة الوسطى التي تستطيع التأثير على آلية عمل نظام الحكم، والتي يمكنها تطوير خطاب معارض مكافيء لخطاب النظام، والتي تستطيع إثارة الشكوك في أوساط الأجهزة الأمنية.

إضافة إلى هذه الجوانب من الضعف البنيوي في موجة الحراك الشعبي الحالية، فليس ثمة شك في أن نظام الجمهورية الإسلامية لم يزل يتمتع بدعم قطاع ملموس من أبناء الشعب الإيراني، سواء لأسباب أيديولوجية ودينية، أو للعلاقة الوثيقة بمؤسسات الحكم ودوائر النظام. الإيرانيون، كما كافة شعوب المشرق، منقسمون حول الموقف من دولتهم ونظام حكمهم؛ وحجم الشرائح المؤيدة للنظام لم يزل كافيًا لإسناده والحفاظ على استمراره. ما لا يقل أهمية، أن النظام يمتلك أدوات تحكم وسيطرة لم تعرفها إيران في تاريخها كله، ولا حتى في ذروة نظام الشاه وسيطرة السافاك. ولا تقتصر هذه على أدوات القمع المباشر، بل وتشمل وسائل الرقابة والتحكم والتجسس وحفظ المعلومات والدعاية.

وهذا ما أدى إلى انخفاض ملموس في وتيرة الحراك الشعبي في أسبوعه الثاني. ابتداء من الأسبوع الثاني، استمرت الاحتجاجات الليلية في عدد من المدن العربية والكردية والآذرية، ولكن حجم التظاهرات تراجع، كما تراجعت حدتها، وتكاد تكون انتهت بالفعل في المدن الرئيسة، مثل طهران وأصفهان وقم، وحتى في مشهد نفسها، منطلق الحراك ولكن هذا لا يعني أن هذه الموجة ستكون بلا أثر. وربما كان أول نتائج هذه الموجة توكيدها على التآكل الحثيث في شرعية النظام، حتى مع قدرته على البقاء والاستمرار.

على المستوى الدولي، توفر الاحتجاجات فرصة أكبر لإدارة ترامب لتعديل التشريع الأميركي الخاص بالاتفاق النووي، وربما زيادة العقوبات التي تسعى لفرضها على إيران. ولكن من غير الواضح ما إن كانت إدارة ترامب، التي تواجه صعوبات داخلية، ستستطيع إقناع الحلفاء الأوروبيين باتباع نهج مشابه. أما على المستوى الإقليمي، ستصبح القوى الشيعية الحليفة أكثر تواضعًا في خطاب التمجيد لإيران وادعاء حسم ميزان القوى لصالح معسكرها في الإقليم.

على المستوى الإيراني الداخلي، ستحاول حكومة روحاني احتواء المعارضة الشعبية ومعالجة العبء المعيشي المتصاعد على الشرائح المتضررة في المجتمع. ولكن هذا الحراك قد يضعف روحاني وبجعل محاولته امتلاك حصة أكبر من القرار أكثر صعوبة، سيما أنه ليس ثمة ما يكفي من الموارد للاستجابة للمطالب الشعبية، أو ما يكفي من الهامش لمواجهة خصوم الرئيس في صفوف الطبقة الحاكمة. أما على مستوى السياسة الخارجية، فبالرغم من أنه من الصعب تصور تخلي إيران عن سياساتها التوسعية وتحالفاتها التقليدية، مهما كان حجم العبء المترتب على هذه السياسات والتحالفات، فستصبح هذه السياسات والتحالفات أكثر خفاء وأقل ضجيجًا، كما قد يصبح خصوم إيران أكثر جرأة في إدارة المواجهة المستعرة معها.

الجزيرة

تعليقات

Print Friendly, PDF & Email