الاتفاقية المصرية النووية مع روسيا – هل تخطو مصر خطوات نحو عصر نووي جديد؟

الاتفاقية المصرية النووية مع روسيا – هل تخطو مصر خطوات نحو عصر نووي جديد؟

68

تحت عنوان “الاتفاقية المصرية النووية مع روسيا – هل تخطو مصر خطوات نحو عصر نووي جديد؟” كتب الدكتور رافال أوفق، ضابط احتياط إسرائيلي، ، مقالًا ضمن سلسلة “مباط” رقم 710، الصادرة عن مركز بيجن – السادات، تناول فيه بنود الاتفاقية النووية طويلة المدى التي وقعتها مصر مؤخرًا مع روسيا لإقامة محطة قوى نووية في منطقة الضبعة بهدف تطوير مرفق الكهرباء المصري، والإشارة إلى أنه رغم عدم تضمن الاتفاقية دلالات مباشرة بتطوير السلاح النووي، إلا أن هذا الاتفاق من شأنه أن يمنح مصر شرعية إقامة منشأة لتخصيب اليورانيوم مستقبلًا ومنشأة لتوليد الوقود النووي تسمح بإنتاج البلوتنيوم – العناصر المنشطرة المطلوبة لإنتاج السلاح النووي. ونظرًا لما لمصر من تجارب لا حصر لها في مجال السلاح النووي، فإنه لا يمكن اعتبارها عند نقطة الصفر في هذا المجال، وذلك رغم أن مشاريعها المدنية لإقامة محطة قوى نووية من جانب واحد، وجهودها لتطوير السلاح النووي من جانب آخر، ذهبت سدىً، وفيما يلي أبرز ما تضمنه المقال :

  • يبدو أن مصر ستستأنف جهودها في مجال الطاقة النووية بعد حالة من الجمود والركود، وذلك عقب توقيعها اتفاقية نووية مع روسيا أثناء زيارة الرئيس بوتين لمصر في 11 سبتمبر الماضي.
  • لقد كانت هذه الاتفاقية بمثابة التقاء مصالح لكلتا الدولتين، فروسيا ترغب في استعادة دورها السابق وسيطرتها على الشرق الأوسط، والرئيس السيسي من جانبه، يتطلع الوصول باقتصاد بلاده لمرحلة المعافاة والاستقرار نظرًا لدور بلاده المحوري في العالم العربي.
  • تنص الاتفاقية على قيام شركة “روس أتوم Rosatom” الروسية بإقامة محطة قوى نووية في موقع “الضبعه” التابع لمحافظة مرسى مطروح والذي يبعد حوالي 140 كم عن غربي الإسكندريه.
  • تأتي هذه الاتفاقية في إطار مذكرة التفاهم التي تم توقيعها بين الرئيسين بوتين والسيسي في 10 فبراير 2015، حيث قام السيسي بعدها بزيارة لموسكو في 26 أغسطس 2015 التقى فيها مدير عام شركة “”روس أتوم Rosatom” لمناقشة التصورات المالية والتقنية للمشروع.
  • وفقًا للاتفاقية، تشتمل محطة القوى النووية على أربعة مفاعلات مياه خفيفة من طراز 1200 VVER يقوم كل منها بتوليد الكهرباء بقدرة 1200 ميجا وات.
  • في نفس السياق، قامت مصر بتوقيع اتفاقية مع شركة “روس أتوم Rosatom” تقضي قيام الأخيرة بإقامة منشأة قرب محطة القوى لتخزين الوقود النووي المستخدم في المفاعلات وذلك قبل إعادته لروسيا.
  • وفقًا لتقديرات “روس أتوم Rosatom”، فإنه يتوقع الانتهاء من المشروع في الفترة ما بين 2028 – 2029، على أن يتم التشغيل التجريبي للمفاعل الأول عام 2022 والبدء في استخدامه فعليًا عام 2026.
  • يُضاف إلى ذلك، اعتزام روسيا إقامة مشاريع لإنتاج أجزاء المفاعلات محليًا في مصر ونقل الخبرة المطلوبة لذلك إلى مصر.
  • تتضمن الاتفاقية التزام شركة “روس أتوم Rosatom” بتقديم خدماتها لمحطة القوى النووية لمدة ستة أعوام.
  • وفقًا للتقارير المعلنة حول الاتفاقية، فإن تكلفة المشروع تصل إلى ثلاثين مليار دولار، تم الاتفاق على أن تقوم روسيا بإقراض مصر 25 مليار دولار منها على أن تقوم مصر بالسداد على مدار 35 عاماً.
  • رغم ما تتمتع به مصر من وفرة في حقول الغاز والنفط، إلا أن السياسة التسعيرية الخاطئة والأزمة الاقتصادية التي خيمت على الدولة طيلة الأعوام الأخيرة تسببت في انهيار صناعات الطاقة، لذا فإنه بالنظر إلى مصر، وبصفة خاصة في ضوء حقيقة إحصاء عدد السكان في مصر بـ 104 مليون نسمة، يصبح إقامة محطة قوى نووية أمر هام وجوهري لرفع كفاءة مرفق الكهرباء.
  • الإشارة إلى موجة الاعتراضات الرافضة لإقامة هذا المشروع في تلك المنطقة سواءً من قِبل رجال الأعمال الذين يرغبون في استغلال المنطقة في إقامة مشروعات سياحية نظرًا لقربها من البحر، أو من قِبل القلقين على ما يمكن أن يسببه هذا المشروع من إضرار بالبيئة، إضافة إلى البدو سكان المنطقة الذين يزعمون أنه تم سلب الأرض منهم وعدم تعويضهم جراء مصادرتها منهم، وهنا تجدر الإشارة إلى قيام آلاف البدو بمهاجمة موقع الضبعة في فبراير 2012 عقب الثورة على نظام مبارك وأثناء موجة الاضطرابات التي ضربت البلاد، الأمر الذي خلَف أضرارًا وإتلاف معدات قدرت بثمانين مليون دولار.
  • لدى مصر خطط لإقامة مفاعل نووي تعود لحقبة الرئيس جمال عبد الناصر، فبحسب تصريحات علي الصعيدي، خبير الطاقة المصري ووزير الكهرباء الأسبق في الفترة ما بين 1999- 2001، لموقع Al-Monitor في سبتمبر 2015، تم التوقف عن البدء في المشروع بسبب حرب 1967، حيث كان من المقرر تنفيذه على أيدي الاتحاد السوفيتي، وفي السبعينيات تم إجراء مناقصة بين الشركات الأمريكية، بعد تعهد الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بتزويد كل من مصر وإسرائيل بمنشآت نووية، إلا أن المشروع توقف بسبب الدستور الأمريكي الذي يلزم بوضع الدول التي تحصل على تكنولوجيا المفعلات النووية تحت مراقبة الدول المصدرة لتلك التكنولوجيا، أي الولايات المتحدة الأمريكية، وفي الثمانينيات خلال حقبة الرئيس مبارك، تم إجراء مناقصة بين شركات أمريكي وفرنسية لاستحقاق المشروع، إلا أنه تخلى عن المشروع لسببين، الأول رفض الرأي العام إقامة المفاعل بسبب كارثة تشيرنوبل 1986، والثاني اكتشاف حقول غاز طبيعي في مصر خلال التسعينيات.
  • رغم تركيز الصعيدي على الجانب المدني للمفاعل النووي المصري، نظرًا لكونه مصدرًا لتوليد الكهرباء، إلا أن الشك ظل يساور المجتمع الاستخباراتي الإسرائيلي لسنوات عديدة إزاء تآمر مصر سرًا على بناء مفاعل نووي عسكري، وذلك على خلفية الأزمة التي بدأت عام 1962م عندما قام علماء ألمان بمساعدة مصر على تطوير صواريخ باليستية، وعودتهم لمساعدتها خلال حقبة الرئيس مبارك.
  • بطبيعة الحال، كان لمسألة النووي الإسرائيلي بصمة على مساعي تطوير مصر للسلاح النووي، ويمكن القول أيضًا بأن دخول مصر لعصر الطاقة النووية جاء نتيجة لسياسة الوحدة العربية التي انتهجها جمال عبد الناصر ورؤيته لمصر زعيمة للعالم العربي، ففي أعقاب تأسيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية
    AEE( ,Establishment Energy Atomic ) عام 1956ن، احتلت مصر صدارة قائمة الدول التي تسعى إلى إقامة بنية تحتية نووية وتطوير البحث في هذا المجال، وأفرزت بالفعل خلال الخمسينيات علماء مشهورين عالميًا في المجال النووي، اختاروا مؤسسات البحث الأمريكية لتجسيد تطلعاتهم العلمية، وهنا تجدر الإشارة بصفة خاصة إلى البروفيسور محمد الوكيل الذي احتلت مؤلفاته في مجال الهندسة النووية مكانًا بارزًا في مكتبات الجامعات.
  • وفقًا لرؤية ناصر، فإن المساعي النووية لا يجب أن ترتكز فقط على الأغراض السلمية، وإنما يجب أن تشمل برنامجًا لتطوير السلاح النووي، غير أن النشاط النووي، خلال تلك الفترة لم يتعد مرحلة البحث فقط داخل مركز إنشاص للأبحاث النووية، الذي يبعد أربعة كيلومترات شمال غرب القاهرة، إضافة إلى بعض الجامعات مثل القاهرة والإسكندرية، حيث اعتمد البحث في مركز إنشاص على مفاعل صغير لتوليد 2 ميجاوات كانت مصر قد حصلت عليه من الاتحاد السوفيتي، وبدأت في بنائه عام 1958 واستخدامه عام 1961م، وبحسب ما تداولته وسائل الإعلام من أنباء في هذا الشأن، فقد أجرت مصر مساعٍ حثيثة للحصول على سلاح نووي والتمكن من إنتاجه، وتوجهت من أجل ذلك لكل من (الاتحاد السوفيتي – الصين والهند)، وجاء خطاب ناصر الذي ألقاه عام 1961 معبرًا عن ذلك، ووصل به الأمر إلى تحذير إسرائيل من أنه في حال حصولها على سلاح نووي، ستحصل مصر على قنابل ذرية مهما كلف الثمن.
  • شهدت تلك الفترة ظهور شخصية بارزة في مؤسسة الطاقة النووية المصرية تمثلت في صلاح هداية، ضابط سابق في الجيش المصري برتبة عقيد، وأحد المقربين من حركة “الضباط الأحرار” التي أزاحت الملك فاروق من الحكم عام 1952، والذي رغم حصوله على درجة البكالوريوس فقط في الكيمياء، تم تعيينه مديرًا لمؤسسة الطاقة النووية في الفترة من 1958 حتى 1970، وبدءًا من عام 1970 أصبح وزير البحث العلمي. ووفقًا لما أشيع عن هداية، فقد كانت لديه تطلعات لتطوير وقود نووي مستقل يرتكز على مفاعل لإنتاج البلوتنيوم ومنشأة لإعادة تدوير البلوتنيوم عن طريق الوقود المشع داخل المفاعل، وذلك في رد على قدرات إسرائيل النووية.
  • في نفس السياق، ساعد الاتحاد السوفيتي مصر عام 1964 على إقامة قسم للأشعة داخل مركز إنشاص، يتضمن مختبرات ساخنة لمعالجة الوقود المشع، وفي نهاية 1965 أجرت الحكومة المصرية مناقصة لإنشاء مفاعل نووي لتوليد 150 ميجاوات من الكهرباء ولتحلية مياه البحر، ووقع الاختيار على منطقة برج العرب لإقامة المفاعل على ساحل البحر المتوسط على بعد 45 كم جنوب غرب الإسكندرية، ووفقاً لتصريحات هداية في لقاء صحفي أجري معه عام 1995، فقد خطت مصر بالفعل في بداية الستينيات نحو برنامج نووي عسكري ظل قائمًا حتى وفاة ناصر عام 1970م.
  • يبدو أن أحد أهداف خطط الجيش المصري عشية حرب الأيام الستة كان تدمير مفاعل ديمونه، إلا أن هزيمة الجيش المصري وفقدانه سيناء قلب الأوراق، فالوضع الاقتصادي الصعب الذي مرت به مصر إبان حرب الأيام الستة حال دون مواصلتها المضي في تطوير البحث النووي، إضافة إلى فقد مصر عائد عبور القطع البحرية في قناة السويس وعائد حقول النفط في سيناء، حتى أصبحت مصر مطالبه بتقليص ميزانيتها الضخمة لإعادة بناء جيشها المهزوم. وبناءً عليه، قررت مصر تحويل مسارها مع التفوق النووي الإسرائيلي إلى المسار السياسي، واتخاذ بعض الخطوات التي كان من بينها، انضمامها عام 1968 إلى معاهدة حظر السلاح النووي، إلا أنها لم تصدِق عليها، فقد كانت خطوتها استعراضية فقط، ولأنها كانت قد قامت بالفعل بتجميد برنامجها النووي في تلك الفترة، ورغم هذا وفي أعقاب ذلك، مارست الدبلوماسية المصرية عبر قنوات مختلفة ضغوطًا لإلزام إسرائيل بالتوقيع على المعاهدة، لكنها لم تتمكن من إحراز أي نجاح في هذا الصدد.
  • ومع هذا، واصل هداية العمل في برامجه النووية، من منطلق تطلعه إلى تطوير بنية لإنتاج مواد منشطرة تستخدم في السلاح النووي. وبعيدًا عن القطاع النووي المصري التابع لمؤسسة الطاقة النووية المصرية، قام هداية بإنشاء شركة DCA (Design Consultant Association) بتمويل من الحكومة المصرية لتضم مجموعة من الخبراء في مجال الهندسة النووية بهدف مساعدة مصر على تطوير وقود نووي مستقل.
  • في عام 1970، قامت الشركة بعرض مشروع لإقامة مفاعل نووي ثنائي الاستخدام لتحلية مياه البحر وتوليد 40 ميجا وات، واقترحت إقامته قرب الإسكندريه، وقد حاز المشروع تأييد جمال عبد الناصر، الذي أظهر اهتمامًا كبيرًا بإشراك الزعيم الليبي، معمر القذافي، الذي تعهد بدوره بتقديم الدعم المادي المطلوب لتنفيذ المشروع. وبحلول عام 1970، تم توقيع اتفاقية بين مصر وليبيا تتعلق بإنشاء تحالف مشترك مصري-ليبي، وتم تعيين هداية وزير التعاون العلمي للتحالف، إلا أن جهد الدولتين باء بالفشل نظرًا لتطلعات القذافي للخروج بنتائج سريعة تفوق قدرة هداية، مما أدى إلى تلاشي الدعم المالي الليبي.
  • ظل التحالف المصري الليبي قائمًا تحت حكم السادات حتى عام 1974، حيث تم حله بسبب تآمر القذافي على السادات، وتم إعفاء هداية من منصبه وزيرًا للتعاون العلمي للتحالف، وحل شركة DCA عام 1977.
  • نظرًا لرغبة السادات ضخ روح جديدة في المؤسسة النووية، حيث كانت تتبع وزارة الدفاع، فقد تم نقل إدارة الأنشطة النووية وتبعية المؤسسة لوزارة الكهرباء، إلا أن المجتمع الاستخباراتي الإسرائيلي استمر في تعقُب مسألة النووي المصري بدقه، خشية اعتزام مصر إقامة مشروع أجهزة طرد مركزية لتخصيب اليواراينوم، وذلك لأن الموارد المالية المطلوبة لإقامة مسار البلوتنيوم قليلة للغاية، ولذا تم إيلاء جهد خاص للوقوف على طبيعة العلاقات بين مصر وشركات غرب أوروبا، خاصة الموجودة في ألمانيا، المهتمة بتطوير وإنتاج عناصر وأجهزة تخصيب اليورانيوم .
  • وبحسب ما هو معروف، فقد تم في أغسطس 1976، بعد زيارة نيكسون لمصر عام 1974، توقيع مسودة اتفاق بين مصر والولايات المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية، تقضي بإقامة محطة قوى نووية في سيدي كرير قرب الإسكندرية، تضم مفاعلين للمياه الخفيفة من إنتاج Westinghouse لدى كل منهما القدرة على توليد 600 ميجاوات.
  • وبسبب عدم تنفيذ المشروع، قامت “هيئة المحطات النووية” الخاضعة لوزارة الكهرباء، بخوض اتصالات مكثفة مع شركات أجنبية أخرى من (ألمانيا – فرنسا – اليابان) لشراء عدد من المفاعلات النووية، ووقع الاختيار على موقع “الضبعة”.
  • حرص الرئيس مبارك على انتهاج نفس سياسة الرئيس السادات، بما تشمل من علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة وقضية السلام مع إسرائيل، وسعى في سنواته الأولى إلى دفع مشروع إقامة محطة نووية، إلا أن كارثة تشيرنوبل قوضت مساعيه إزاء تحقيق هذا الهدف.
  • مع حلول مايو 1982، أجرى وزير الطاقة الكندي زيارة لمصر، أعلن خلالها استعداد بلاده التوقيع على عقد تعاون نووي مشترك مع مصر يهدف إلى حصول مصر على مفاعل من طراز “كاندو”، وهو الأمر الذي أشعل الضوء الأحمر لدى الاستخبارات الإسرائيلية، فهذا المفاعل الذي جرى تطويره في كندا، يعمل على إبطاء وتبريد المياه الثقيلة وتزويدها بوقود نووي طبيعي، مما يجعله مناسبًا لإنتاج اليورانيوم واستخدامه في الأغراض العسكرية.
  • في المقابل، وبسبب معارضة كندا بيع تكنولوجيا نووية لدول الشرق الأوسط، اضطرت إلى التراجع عن سياستها السابقة، فباعت مفاعلات نووية من نوعية المياه الخفيفة لدول (الهند- باكستان ودول أخرى).
  • ظلت الاتصالات بين مصر والشركة الكندية AECL ((Atomic Energy of Canada Ltd إزاء الحصول على مفاعل “كاندو” قائمة لكنها اتسمت بالبطئ الشديد، حيث استغرقت مالا يقل عن ثمان سنوات، نظرًا لوقوع كارثة تشيرنوبل.
  • وفقًا لعقد 1989، تتولى مصر تصنيع حوالي 30% من أجزاء المفاعل، على أن تزود الشركة الكندية مصر بالوقود النووي لتشغيل مفاعل “كاندو”، غير أنه بسبب مشاكل التمويل، تم رفع المشروع من جدول الأعمال المصري.
  • وبالتوازي مع ذلك بدأ العمل على تطوير سريع داخل مركز إنشاص النووي، حيث شهد عام 1982، إقامة مركز للمختبرات الساخنة وإدارة النفايات (Hot laboratory and waste managemet center – HLWMC) وذلك لمعالجة النفايات المشعة المتجمعة داخل المنشآت النووية في مصر، إضافة إلى احتوائه على خلايا مركبة ساخنة تستخدم في أبحاث استخلاص البلوتنيوم، تم شراؤها من فرنسا.
  • وفي عام 1989، تم البدء في إقامة منشأة لإنتاج الوقود النووي محليًا بمساعدة ألمانيا، كما أعيد تشغيل مفاعل إنشاص القديم عام 1990 بعد توقف العمل به طوال فترة الثمانينيات، التي تم استغلالها في تطوير أنظمته، إضافة إلى توقيع اتفاقية مع الهند لرفع قدرة المفاعل إلى 5 ميجاوات، ومع نهاية عام 1992، تم إنشاء مفاعل آخر للأبحاث في إنشاص بقدرة 22 ميجاوات، كانت مصر قد حصلت عليه من الأرجنتين وتولت شركة INVAP الأرجنتينية إقامته، إضافة إلى قيامها بإقامة منشأة لإنتاج الوقود النووي من أجل المفاعل.
  • الجدير بالذكر أنه في عام 1984، شرع وزير الدفاع، المشير عبد الحليم أبو غزاله، في السعي لاستئناف خطة بلاده للحصول على سلاح النووي، وذلك رغم تقارير وسائل الإعلام التي أشارت إلى تحفظ الرئيس مبارك إزاء هذه المسألة، وربما يرجع هذا إلى التقارب الفكري بين أبو غزاله والإخوان المسلمين، إضافة إلى ما اشتهر به من معارضة شديدة لاتفاقية السلام مع إسرائيل، ففي يناير 1987، أكد أبو غزالة بشكل قاطع على أن إسرائيل هي العدو الرئيسي والوحيد، ولذا، عمد أبو غزالة إلى البحث عن قنوات للحصول على مواد نووية، وأجرى اتصالات مع مسئولين عراقيين لبحث إمكانية التعاون النووي، حتى أن مساعده، اللواء حسام خيرت يوسف، طلب من مواطن فرنسي شراء 100 كجم من اليورانيوم لتخصيبها في فرنسا، غير أنه لا توجد معلومات حول نتائج اتصالات أبو غزالة ورجاله في هذا الملف.
  • قضية أخرى ارتبطت بالمشير عبد الحليم أبو غزالة، هي مشروع “بدر 2000″، ذلك المشروع الذي بدأ عام 1982 بتعاون مشترك مع الأرجنتين والعراق، ويهدف إلى تطوير صواريخ بالستية على مرحلتين وتزويده بالوقود الصلب لمسافة تصل إلى ألف كيلومتر، حيث حصلت مصر على التكنولوجيا الخاصة به من شركة MBB الألمانية، وترأس المشروع في سالزبورغ اللواء حسام خيرت يوسف، كما تم شراء أجزاء من الصاروخ من الولايات المتحدة الأمريكية بواسطة مهندس صواريخ مصري يحمل الجنسية الأمريكية، هو عبد القادر حلمي، الذي نجح في تجنيده أبو غزالة ودفعه بهذا العمل إلى خرق القانون الأمريكي، مما دفع السلطات الأمريكية إلى القبض عليه أثناء قيامه بشحن ألياف الكربون الأسود على متن طائرة نقل عسكرية مصرية (والتي كان من المقرر استخدامها في حماية أجزاء الصاروخ من الحرارة في الطائرة)، وقد صدر عليه الحكم بالسجن 46 شهر وتغريمه 350 ألف دولار .
  • رغم عدم وجود أدله، إلا أنه من المنطقي الافتراض بأن مبارك كان على دراية بمشروع “بدر 2000″، وأن بسبب ذلك احتدمت الأزمة بين مصر والولايات المتحدة، واضطر مبارك إلى التضحية بأبو غزالة، حيث تمت إقالته في أبريل عام 1989.
  • انتهى الأمر بخسارة سباق التسلح النووي، فمنذ الخمسينيات حتى منتصف السبعينيات، لم تواجه مصر صعوبات إزاء الحصول على منشآت نووية تتيح إنتاج البلوتنيوم واليورانيوم المخصب لاستخدامه في أغراض عسكرية، وهذا بفضل المصالح الاقتصادية التي حققتها الدول المصدرة للسلاح النووي وبسبلب الاعتقاد الراسخ بأن تطوير السلاح النووي يتجاوز قدرات دول العالم الثالث.
  • مبدئيًا، كان لدى مصر في حقبة ناصر الفرصة للبدء في إقامة منشآت لإنتاج البلوتنيوم، إلا أنها لم تستغل تلك الفرصة، وذلك لعدة أسباب:
  • (إدارة القطاع النووي بشكل فاشل.
  • توجيه الموارد لإعداد الجيش المصري وتجهيزه لمحاربة إسرائيل.
  • احتضان الاتحاد السوفيتي لمصر في تلك الفترة فرض عليها قيودًا منعتها من التقدم النووي وتحولها لدولة أكثر قوة.
  • رغم ما أحرزته الصناعة المصرية، وبصفة خاصة الصناعات العسكرية من تقدم كبير في العقود الأخيرة، إلا أن مصر لم تستغل قدراتها في التطوير النووي، فالرئيس السادات، الذي فتح أبواب مصر على مصراعيها أمام الولايات المتحدة، لم يرغب في المخاطرة بهذا، وكذلك مبارك، الذي ساوره الشك إزاء نجاح مشروع تطوير السلاح النووي، خاصة بعد الأزمة السياسية التي تسبب بها المشير أبو غزالة، إضافة إلى أن تعثر مصر في تلك الفترة إزاء تمويل برنامج نووي يستخدم للأغراض المدنية.

ويختتم الباحث مقاله بالقول بأن قضية الحاجة للتزود بسلاح نووي عادت للظهور من جديد على جدول أعمال مصر والسعودية بعد اتفاقية النووي الإيراني JCPOA في يوليه 2015، بهدف ردع إيران، ورغم حقيقة أن تلك الاتفاقية أبطأت من التقدم الإيراني إزاء الحصول على سلاح نووي إلا أنها لم تمنع مواصلة إيران على تطويره وإحراز نتائج مستقبلية، ورغم هذا، هناك هدوء نسبي يسود حاليًا خاصة في ظل عمل إدارة ترامب على كبح النووي الإيراني.

أما فيما يخص اتفاقية إقامة محطة قوى نووية في الضبعة، فإن المشروع سيتطلب عشر سنوات لتنفيذه، وهي فترة زمنية طويلة بالنسبة لما يشهده الشرق الأوسط اليوم من متغيرات، ولذا فإنه لا ينبغي استبعاد أن يلقى هذا المشروع نفس المصير الذي لاقته جهود مصر السابقة في هذا المضمار، وفي حال تحقق المشروع، فإنه لن يكون من الممكن استخدامه مباشرة في تطوير السلاح النووي، إضافة إلى أن البلوتنيوم الناتج من الوقود النووي المستخدم في مفاعلات المياه الخفيفة لا يرقى لجودة السلاح النووي، وذلك نظرًا لأن نظام تشغيلها يقوم على إنتاج الكهرباء بشكل متواصل، غير أنه على المدى الطويل، يمكن أن تمنح المفاعلات النووية مستقبلًا مصر الشرعية إزاء إقامة مصنع لتخصيب اليورانيوم ولو بنسبة ضئيلة، من أجل إنتاج وقود نووي للمفاعلات، ومن ثم يصبح الطريق أمام مصر قصيرًا إزاء تمكنها من تخصيب اليورانيوم بنسبة أكبر تستخدم في الأغراض العسكرية، إضافة إلى أن تشغيل مفاعلات القوى في مصر من شأنه منح مصر شرعية إقامة منشأة لتدوير الوقود النووي المستخدم في مفاعلات القوى، ويمكِن مصر مستقبلًا من إقامة مفاعل لإنتاج البلوتنيوم للأغراض العسكرية، وبالتالي فتح آفاق جديدة لتطوير السلاح النووي.

ترجمة

لبنى نبيه عبد الحليم    

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية

Print Friendly, PDF & Email