عباس أمام بدائل غير مستحبة عن عملية السلام

عباس أمام بدائل غير مستحبة عن عملية السلام

في الرابع عشر من كانون الثاني/يناير، ألقى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس خطاباً أمام المجلس المركزي لـ”منظمة التحرير الفلسطينية” أتى فيه على ذكر الولايات المتحدة وإسرائيل بعباراتٍ مهينة للغاية، وأشار إلى تعليق التعاون الفلسطيني المباشر مع واشنطن والهادف إلى التوصل إلى اتفاقية سلام وذلك بصورة مؤقتة. وفيما يُرتقب أن توضع تفاصيل خطابه تحت مجهر المحللين في الأيام المقبلة، وفي حين أنه قد يستطيع الرّد على بعضهم في المقابلات الإعلامية أو قد يتعذر عليه ذلك، إلا أن الأسئلة الأكثر عمقاً حول موقف السلطة الفلسطينية من الدبلوماسية ستبقى مطروحة.

وعلى وجه الخصوص، يمكن للمرء أن يتساءل عما إذا كانت تصريحاته تنذر بزوال الاهتمام الفلسطيني بحلّ الدولتين وبالتوجّه نحو خيارات راديكالية. بيد، نظراً لسجل عباس – والملاحظات الشخصية التي وقف عليها كاتب هذه السطور خلال زيارته إلى رام الله بعد فترة وجيزة من الخطاب – ينفي هذا الاحتمال حتى الآن.

بدائل رديئة

كرّس الرئيس عباس حياته المهنية لنهج الدولتين، حتى وإن كان بإمكان المرء أن يسأل بشكل مشروع عن السبب الذي منعه من الموافقة على حلول وسط جوهرية خلال مبادرة أولمرت للسلام عام 2008، أو عن سبب عجزه عن الرد على التماسات واشنطن في آذار/مارس 2014. وعلى الرغم من أن مثل هذه الأسئلة تضع الرئيس عباس في موضع إشكالية، إلا أنه يدرك جلياً أن البدائل عن نموذج الدولتين – أي الإسلام السياسي أو الصراع المسلّح أو “حل” الدولة الواحدة – لا توصل إلا إلى طريق مسدود.

أولاً، يكره الرئيس عباس الإسلاميين، ويعزى ذلك بدرجة لا يستهان بها إلى محاولتهم قتله بعد الانقلاب الذي شنته «حماس» في غزة. وقد تعثرت محادثات المصالحة الفلسطينية الأخيرة بسبب المسألة نفسها على وجه التحديد والتي تسبّب الكثير من المعارضة الإسرائيلية الشديدة لحركة «حماس»، وهي رفض التنظيم التخلي عن أسلحته. بيد أن عباس قد يمضي قدماُ على طول طريق المصالحة بناءً على إصرار مصر، وبالفعل ثمة زيارة مرتقبة لوفد من حركة «فتح» إلى غزة قريباً لمناقشة هذه المسألة. ومع ذلك، لا تزال هناك عقبات رئيسية أمام التوصل إلى أي اتفاق نهائي بين الحركتين. وفي ظل الظروف الراهنة، يعتبر عباس أن استعادة السلطة الفلسطينية لسيطرتها على غزة هي بمثابة فخّ أكثر من كونها فرصة. كما أنه يعارض طلب «حماس» الدخول إلى “منظمة التحرير الفلسطينية” ما لم تتخذ الحركة الخطوة المستبعدة بتسليم أسلحتها. وباختصار، فهو لا يريد أن يسلّم مفاتيح الحركة الوطنية الفلسطينية إلى «حماس».

أما فيما يتعلق بالكفاح المسلح، فحتى تهديدات الموت التي تلقاها عباس على أرض الوطن لم تكن كافية لدفعه إلى التراجع عن رأيه المعلن بأن إضفاء الطابع العسكري على انتفاضة 2000-2004 كان خطأً. فلطالما اعتبر أن الفلسطينيين لا يستطيعون هزيمة إسرائيل بالقوة نظراً لإمكانياتها الأمنية المتفوقة، وهو يعلم أن العنف قضى على مناصري السلام من الجانب الإسرائيلي خلال الانتفاضة الثانية. وعلى الرغم من أن الكثيرين ينتقدونه على تسمية القتلى الذي سقطوا في خضم الهجمات على إسرائيل بـ”الشهداء”، إلا أنه ليس هناك مسؤول أمني إسرائيلي واحد يعتقد أنه يشجع على ممارسة العنف من الناحية العملياتية.

أما الخيار الثالث فهو أقل واقعية – فالرئيس عباس متمرّس جداً بحيث لا يمكنه الاعتقاد بأن الإسرائيليين قد ينتحرون بالتخلي عن الصهيونية لصالح إقامة دولة واحدة فلسطينية -إسرائيلية ثنائية القومية. وقد يكون من المفيد التهديد في الخطابات بإمكانية سعي الفلسطينيين إلى مثل هذا الخيار، ولكن مستشاري الرئيس الفلسطيني يؤكدون أنه على يقين بأن هذا الخيار غير واقعي.

هذا ولا يبدو أن الاستقالة أمرٌ مطروح في الوقت الراهن. ونظراً إلى تهديدات التنحي التي أطلقها عباس سابقاً ليعود ويتراجع عنها، إلّا أن الفلسطينيين والإسرائيليين لا يرون أنه قد يسلك هذا المسار في المستقبل القريب – على الرغم من أنه سيبلغ سن الثالثة والثمانين في آذار/مارس. وتشهد استطلاعات الرأي أن الشعب يريد منه التنازل عن منصبه. ولكن من غير الواضح سبب رفضه الاستقالة. فهل يكون السبب لأن لديه إحساس بالمسؤولية الوطنية، أم أنه مدمن على السلطة؟ لربما كلا الاحتمالين وارد.

ومن ناحية التلميحات إلى إمكانية التفات عباس حالياً إلى الدول العربية لحل القضية الإسرائيلية -الفلسطينية، فهي تبدو نظرية أكثر من كونها حقيقية في الوقت الحاضر. فمن المعروف أنه يشعر بخيبة أمل عميقة من تلك الدول بسبب امتناعها عن تقديم الدعم العميق لقاء الحفاظ على مصالحها الخاصة. حتى أن خطابه تضمّن هجوماً علنياً نادراً على الزعماء العرب حين لمّح إلى وزير الخارجية الإماراتي عبدالله بن زايد دون أن يذكر اسمه. وقد أفادت المصادر أن بن زايد هو الذي ندّد في لقاء عقد مؤخراً لجامعة الدول العربية بأن التظاهرات الفلسطينية بشأن القدس لم تكن كبيرة بما فيه الكفاية. ووفقاً لما ذكره عباس، فإن هذا التنديد هو الذي دفع وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي إلى الرد قائلاً إن الاحتجاج أمراً صعباً مع وجود دول عربية تحظّر التظاهرات المؤيدة للفلسطينيين والمناهضة لإدارة ترامب.

الخطوات التالية

نظراً إلى هذه المجموعة من الخيارات السيئة أو غير الواقعية، من المرجح أن ينفّذ عباس ما قاله في خطابه، أي أن يكرر التزامه بحل الدولتين. والأمر المعبّر في هذا السياق هو أن المجلس المركزي لـ “منظمة التحرير الفلسطينية” أعطى له وللجنة التنفيذية مطلق الصلاحية في التصرف بشأن الجوانب العملياتية للسياسات الفلسطينية، مما أتاح له إبقاء زمام الأمور بين يديه. وكانت الحكومات العربية قد أعربت عن تفضيلها لهذا الوضع قبل اجتماع “منظمة التحرير الفلسطينية”. وعلى أية حال، سبق لعباس أن تجاهل توصيات المجلس في الماضي بدون أن يلقى العقاب، ولذلك فإن أي خطابات من قبل [أعضاء] المنظمة يرفضون فيها نموذج الدولتين لن تشكل بالضرورة دليلاً موثوقاً على كيفية مضيه قدماً.

إذاً كيف يستطيع الرئيس عباس المضي بمقاربة الدولتين في الوقت الذي يأبى فيه الاجتماع مع المسؤولين الأمريكيين الذين عادة ما اضطلعوا بدور الوساطة الرئيسي في عملية صنع السلام القائم على أساس حل الدولتين؟ في بادئ الأمر، من المرجح أن يتبنّى فكرة تدويل العملية الدبلوماسية لتفادي وقوع أعمال العنف. ومن المقرر أن يعقد اجتماعاً مع وزراء خارجية أوروبيين في بروكسل في 22 كانون الثاني/يناير، علماً بأن الدافع الأولي للاجتماع كان ضمان تساوي الفلسطينيين مع إسرائيل بعد ظهور رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمام “المجلس الأوروبي” في كانون الأول/ديسمبر المنصرم. إلا أن توقيت زيارة عباس لا يبدو تماماً من قبيل الصدفة – حيث أنها ستجري في اليوم نفسه الذي يزور فيه نائب الرئيس الأمريكي مايك بينس إسرائيل، مما يعطي عباس عذراً لتجنب الاجتماع معه.

أما من ناحية فحوى الاجتماع المرتقب في بروكسل، فيمكن الافتراض بأمان بأن الأوروبيين سيستغلون الفرصة لتأكيد التزامهم بحل الدولتين. وسيكون من المثير للاهتمام ما إذا كانوا سيدعون الولايات المتحدة إلى حذو حذوهم، فحتى الآن اعتمد المسؤولون في إدارة ترامب مقاربة أكثر محدودية حيث اكتفوا بالقول إنهم سيوافقون على حل الدولتين إذا ما وافق عليه كلٌّ من إسرائيل والفلسطينيين. والسؤال الآخر هو ما إذا كان المسؤولون في بروكسل سيطلبون تمويلاً إضافياً لـ “وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى” (“الأونروا”). ففي 16 كانون الثاني/يناير، أعلنت الولايات المتحدة أنها لن ترسل إلى هذه المنظمة سوى نصف قيمة مساعداتها المعتادة، بيد أن المسؤولين الأوروبيين قد يرون في هذه الخطوة مناورة أمريكية تقليدية – حيث يبدو الجانب الأمريكي بأنه يحدّ من قيمة المساعدات بينما مجرد يؤخر فعلياً الإفراج عن الأموال المتبقية لبضعة أشهر.

وأخيراً، في وقت لاحق من هذا الشهر ستستضيف النرويج الاجتماع الطارئ لـ “لجنة الاتصال المخصصة” لمناقشة أحكام الاتفاق المتعلقة بالمسائل الإنسانية. وقد يكون انعقاد المزيد من جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة حول القضية الفلسطينية أمراً ممكناً أيضاً، وخاصة أن عباس يعلم أنه لن يكون لأي قرارات جديدة أي تأثير عملي نظراً الى تمتع الولايات المتحدة بحق “الفيتو” في مجلس الأمن الدولي مما يجعل هذه القرارات طريقة آمنة نسبياً لصقل سمعته المتمثلة في التحدي [السياسي].

الخاتمة

حتى قبل خطاب الرئيس عباس، كانت توقعات المسؤولين الإسرائيليين والفلسطينيين بإنجازٍ على صعيد السلام بقيادة ترامب ضئيلة، على الرغم من الجهود الدؤوبة التي بذلها مستشار البيت الأبيض جيسون غرينبلات لتحقيق هذه الغاية. وفي حين أن محتوى خطة ترامب للسلام لم يُلحظ بعد، إلا أن كلا الجانبين يفترض عموماً أنه لن يرقى إلى مستوى المعايير التي وضعتها إدارة أوباما، وبالتالي سيتم رفضها فوراً من قبل الفلسطينيين. ويبدو أن الطرفين كانا يستعدان منذ فترة لتبادل اللوم والاتهامات، وجاء خطاب عباس ليوضح رأيه بفشل الخطة الأمريكية. فقد اشتكى، على سبيل المثال، من أن المسؤولين الأمريكيين يقترحون بلدة أبو ديس الفلسطينية – الواقعة خارج بلدية القدس – عاصمةً للدولة الفلسطينية. (والمفارقة في هذه الشكوى هو أن خطّة مرتبطة بعباس ظهرت بين عامَي 1995 و1996 ودعت إلى الأمر نفسه، على الرغم من أنه نأى بنفسه منذ ذلك الحين عن تلك المبادرة).

وبعبارة أخرى، من المؤكد أن واشنطن ستفسّر خطاب عباس كضربة استباقية حيث يرسم عباس معالم الخطابات على المدى القريب عبر إظهار الولايات المتحدة بصورة الوسيط الغير نزيه. إلا أن هذا الموقف قد يناسب السلطة الفلسطينية وإدارة ترامب على ما يرام في الوقت الراهن. فالمسؤولون الأمريكيون سيبقون راضين طالما أن السلطة الفلسطينية قائمة والتعاون الأمني بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني مستمر. لكن السؤال المطروح هو ما إذا كانت قيادات السلطة الفلسطينية تنوي ببساطة الانتظار حتى الانتخابات الإسرائيلية المقبلة (أي في موعد أقصاه خريف عام 2019) وإيجاد وسيلة للحفاظ على مؤسساتها حتى ذلك الحين.

وفي هذا الإطار، فإن النهج الذي يتبعه عباس بعد الخطاب قد يوفر إحساساً بالتحرك نحو الأمام بينما يكون التقدم المحرز فعلياً قليل جداً. لكن موقفه حتى الآن يتحلى بالقوة الكافية لصدّ أي خيارات أخرى غير مستحبة – وهنا لا بد من الإشادة باعتراضه على هذه الأخيرة. ولكن في النهاية يبدو من غير المرجح أن يوصله هذا الموقف إلى أرض الميعاد السياسية.

ديفيد ماكوفسكي

معهد واشنطن

Print Friendly, PDF & Email