محدودية فاعلية الأطراف البديلة في عملية السلام

محدودية فاعلية الأطراف البديلة في عملية السلام

144

د. سليم محمد الزعنون*

ملخص تنفيذي:

لايوجد أي إمكانية في الوقت الراهن لأن تحل دولة أخرى محل الولايات المتحدة كوسيط  في عملية السلام، نظراً لمحدودية فاعلية اللاعبين الأخرين.

الأول، رغم أن النظام الدولي يَمُر بمرحلة إعادة تشكيل، وصعود قوى جديدة إلا أنها غير قادرة على فرض هيمنتها على مجريات السياسية الدولية، ولا زالت واشنطن المهيمنة على كافة تفاصيل عملية السلام، وهي الدولة الوحيدة القادرة على الضغط على إسرائيل في أي مفاوضات مستقبلية والالتزام ببعض قراراتها، ولديها توجه لرسم خريطة للحل النهائي.

الثاني، إن نجاح تجربة الإطار متعدد الأطراف في الحالة الإيرانية يكمن في توفر الرغبة والمصالح المشتركة للاطراف في انجاز الاتفاق، وهذا غير متوفر في الحالة الفلسطينية.

الثالث، لم يتمكن الاتحاد الأوروبي من تحويل نفوذه الاقتصادي إلى حضور سياسي في عملية السلام، ومن غير المتوقع أن يخرج دوره عن الدعم الاقتصادي، وعقد اتفاقية شراكة مع السلطة الفلسطينية، وحتى إن تم توسيع العمل السياسي لن يخرج عن رؤية واشنطن والعمل معها.

الرابع، لا زالت كل الأطراف بما فيها الرباعية الدولية والاتحاد الأوروبي تقوم بدور المُكمّل للدور الأمريكي في عملية السلام، وتعمل في إطار رؤية الولايات المتحدة، سواء في الجانب الاقتصادي أو السياسي.

الخامس، روسيا والصين أطراف غير مقبولة لدى الجانب الإسرائيلي للعب دور الوسيط، ووفقاً للمنظور الإسرائيلي فإن أي دور لهما يجب أن يكون مساعد للدور الأمريكي.

السادس، تؤشر التجربة التارخية إلى محدودية دور الأمم المتحدة وقدرة واشنطن على تهميشها وتجاوزها، وتجاهل إسرائيل لقراراتها.

وفقاً لهذا المنظور فإنها مسألة وقت حتى تُدرك القيادة الفلسطينية، محدودية فاعلية اللاعبين الآخرين في عملية السلام، وتعود للموافقة على تجديد الوساطة الأمريكية في عملية السلام.

من الممكن أن يتم تشكيل إطار متعدد الأطراف لإدارة عملية السلام بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، ولكن بموافقة الولايات المتحدة، ووفقاً لرؤيتها، على اعتبار أن جميع اللاعبين يدركون بأنها لا زالت الفاعل الرئيس بعملية السلام.

مقدمة:

في أعقاب قرار ترامب حول القدس رفضت القيادة الفلسطينية أي دور للولايات المتحدة في عملية السلام، باعتبارها طرفاً في الأزمة بما لا يُمكنها أن تلعب دور الوسيط، ويؤشر الخطاب السياسي والممارسة العملية للقيادة الفلسطينية إلى سعيها إلى تشكيل إطار دولي على غرار مجموعة 5+1 الذي توصل إلى الاتفاق النووي مع إيران، وليس الاعتماد على وساطة دولة منفردة، وفي هذا السياق يوجد نموذجين: الأول، اللجنة الرباعية حول الشرق الاوسط، (الولايات المتحدة، الأمم المتحدة، روسيا والاتحاد الاوروبي)، والثاني، الأعضاء الدائمين في مجلس الامن الدولي (الصين، فرنسا، روسيا، بريطانيا، والولايات المتحدة)، مع إمكانية أضافة فاعلين جدد كالمانيا، وبعض الدول العربية، نظراً لذلك انطلق حراك دبلوماسي فلسطيني، باتجاه الاتحاد الأوروبي، والزيارة المتوقع في “فبراير” القادم إلى موسكو، واحتمالية التوجه إلى الصين، في خطوات تقود إلى عملية سلام جديدة في إطار جديد وبمرجعية دولية متفق عليها.

إن صيغة إطار متعدد الأطراف تستدعي دخول لاعبين جُدد على مسار عملية السلام، بعد انفراد الولايات المتحدة لأكثر من ربع قرن، بما يطرح جملة من التساؤلات المُعقدة والمتشابكة: ما حجم الدور الذي يمكن أن يضطلع به اللاعبين الجُدد؟ وهل ستقبل بهم أطراف الصراع؟ وهل بإمكانهم الضغط على الطرفين؟ وهل تتخلى الولايات المتحدة عن دورها لصالح فاعلين جُدد؟

أولاً: الأمم المتحدة.

موقف الأمم المتحدة واضح من القضية الفلسطينية، الحل وفقاً لقرارات الشرعية الدولية، بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي علي أساس حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وموقفها الرافض لقرار “ترامب” حول القدس، لكن التجربة التاريخية تؤشر لمحدودية دور الأمم المتحدة في تنفيذ قراراتها، وقدرة الولايات المتحدة على تهميشها وتجاوزها في الكثير من الحالات، وبدا في الآونة الأخيرة هجوماً أمريكياً عليها والمطالبة بإصلاحها، في ذات الإطار تتجاهل إسرائيل جميع قرارات الأمم المتحدة فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، نظراً لذلك لا تتوفر القدرة للأمم المتحدة القيام بدور الوسيط  في عملية سلام مستقبلية.

ثانياً: الاتحاد الأوروبي

تصريحات الاتحاد الأوروبي الرافضة لقرار ترامب حول القدس دفعت الجانب الفلسطيني أن يرى في الاتحاد الاوروبي وسيطأ محتملاً في عملية السلام، بيدَّ أن التجربة التاريخية تؤشر إلى عدم سماح الولايات المتحدة وإسرائيل للاتحاد الأوروبي التدخل في العملية السياسية، والسماح لها للقيام بدور المكمل في إطار الدعم الافتصادي فقط، وأقر وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي بأن احتمالات العمل السياسي في الشرق الأوسط “محدودة جدا جدا”.

إلى جانب ذلك لا زالت “بروكسل” تواجه تحدياً صعباً منذ تأسيس الاتحاد الأوروبي، يتمثل في عدم قدرتها على تحويل النفوذ الاقتصادي إلى حضور سياسي في جميع الأزمات العالمية، واقتصر دورها على الجوانب الاقتصادية، وهذا مرتبطة ببنية الاتحاد الأروبي، القائم على بلورة سياسة مشتركة في الحد الأدني وترك القضايا الكبرى للدول الوطنية للتقرير بشأنها، وأكدت وزير خارجية الاتحاد الأوروبي  أن مفاوضات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين يمكن أن تنجح فقط مع عمل الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة سوية.

وفقاً لهذا المنظور من غير الممكن أن يقوم الاتحاد الأوروبي بدور الوسيط المنفرد في عملية سلام بين الفلسطينين والإسرائيلين، ولا يمكن له كمؤسسة موحدة الاعتراف بدولة فلسطينية إذ سيترك قرار الاعتراف الى الدول الأعضاء منفردين وفقاً لسياساتهم الداخلية، ولكن من الممكن أن يُعزيز الدعم الاقتصادي للسلطة، وتحويل الاتفاق الانتقالي معها إلى اتفاق شركة.

ثالثاً: روسيا.

تمكنت روسيا خلال السنوات الأخيرة من فرض حضورها بقوة دبلوماسياً وعسكرياً في الشرق الأوسط، بما يؤهلها للعب دور في عملية السلام، لكن الموقف الإسرائيلي لا زال رافضاً لمشاركتها، باعتبارها تتبنى موقف منحاز للفلسطينين.

كما أن ما يُعقد قبول إسرائيل لدور روسي في عملية السلام، تباين رؤية الطرفين للمصالح والعلاقة مع الولايات المتحدة، ففي الوقت التي تنطلق فيه سياسة روسيا من معاداة الولايات المتحدة في لعبة م “صفريه” تجعل من روسيا ثقلاً مضاداً لها في الشرق الأوسط، فإن إسرائيل دولة حليفة للولايات المتحدة وتربطهما مصالح متشابكة، نظراً لذلك لن تقبل “تل أبيب” بأن تَحل موسكو محل واشنطن في عملية سلام مستقبلية، ولن تسمح لها بأن تكون وسيط رئيسي بين الطرفين، وإن قبلت فسيكون دوراً مساعداً وبموافقة الولايات المتحدة.

رابعاً: الصين.

بدأت الصين بالتحرك باتجاه تفعيل دورها في عملية السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل، وغم أنها طرحت مبادرة في ديسمبر الماضي تسمح بتجديد المفاوضات بين الطرفين، على أساس حل الدولتين على حدود 67 مع تبادل الأراضي، وتجميد البناء في المستوطنات وتبني بعض بنود مبادرة السلام العربية، إلا أنها أشارت إلى أنها تفاهمات غير ملزمة ولم تتطرق لموضوع القدس، وأكدت إسرائيل أن التدخل الصيني في عملية السلام، لن يُعوض بأي حال من الأحوال مكان التدخل الأمريكي.

خامساً: الولايات المتحدة .

إضافة إلى موازين القوى العالمية، صحيح أن النظام الدولي في مرحلة إعادة التشكيل، وصعود لاعبين آخرين لمنافسة الولايات المتحدة على قمة النظام الدولي، بيدَّ أن هذه القوة ما زالت غير قادرة على فرض هيمنتها على مجريات السياسية الدولية، ولا زالت الولايات المتحدة المهيمن على كافة تفاصيل عملية السلام.

وفي هذا السياق فإن إعلان ترامب حول القدس، لا يعني الانسحاب من عملية السلام، بل يؤشر إلى دوراً أكبر لواشنطن في المفاوضات، فهي تحاول رسم خريطة طريق للحل النهائي، فإعلان القدس يهدف إلى فرض مشروع حل نهائي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، رغم رفض الجانب الفلسطيني لهذه الرؤية.

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية

Print Friendly, PDF & Email