الغوطة تدفع ثمن التعنّت الروسي

الغوطة تدفع ثمن التعنّت الروسي

لا يمكن وصف ما جرى أمس الخميس واليوم الجمعة في مجلس الأمن الدولي، سوى بشد حبال دولي على دم السوريين، ففي موازاة استمرار حرب الإبادة التي يشنها النظام السوري بدعم من روسيا على الغوطة الشرقية لدمشق والتي أسفرت عن سقوط أكثر من 430 قتيلاً ومئات الجرحى خلال ستة أيام، كان مجلس الأمن يشهد تنافساً بين موسكو ومن خلفها الصين، وواشنطن والاتحاد الأوروبي حول مشروع قرار لهدنة في سورية، بدا خلاله أن من يدفع الثمن هم المدنيون السوريون في الغوطة. وكانت روسيا قد عرقلت، أمس الخميس، إقرار مشروع القرار الداعي لهدنة لمدة 30 يوماً في عموم سورية، مطالبة بإدخال تعديلات عليه، تستبعد الوقف الفوري لإطلاق النار، وتُخرج أطرافاً جديدة من الهدنة، بينما استمرت المشاورات اليوم الجمعة لساعات حول المشروع، ما أدى لتأجيل جلسة مجلس الأمن أكثر من مرة. وربما يُعبّر كلام نائب وزير الخارجية الأميركي جون سوليفان، عن هذا الواقع القائم، إذ قال إن “التعامل مع الروس بخصوص سورية أصبح أكثر صعوبة بالنسبة لنا”.
وبعد أن عرقلت التصويت على مشروع قرار الهدنة، أمس الخميس، طالبت موسكو، اليوم الجمعة بإدخال تعديلات عليه بما يؤدي عملياً إلى إفراغه من مضمونه. ونص المشروع الأصلي على دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ خلال 72 ساعة بعد إقراره وبدء عمليات المساعدة الإنسانية والإجلاء الطبي بعد 48 ساعة من ذلك. كما يدعو إلى رفع الحصار عن كل المناطق بما في ذلك الغوطة الشرقية واليرموك والفوعة وكفريا. ويؤكد أن وقف إطلاق النار لا يشمل تنظيمي “داعش” و”جبهة النصرة”. لكن التعديلات التي طلبتها روسيا تضمنت لهجة مخففة لأحد البنود الرئيسية، إذ تنص تعديلاتها على أن المجلس “يطالب” بوقف لإطلاق النار بدلاً من “يقرر”، كما أن الهدنة، بحسب وجهة النظر الروسية، لا تطبق على “أشخاص وجماعات وتعهدات وكيانات مرتبطة” بتنظيمي “داعش” و”النصرة”، بعدما كانت الصيغة السابقة تتحدث عن التنظيمين فقط. كما تقول الصيغة المعدلة إن إيصال المساعدات الإنسانية سيتم “حسبما تسمح به الظروف الأمنية”.

وقبيل التصويت في جلسة مجلس الأمن على مشروع القرار، ارتفعت المطالبات الدولية بإقرار الهدنة ووقف الحملة على الغوطة، في مقابل مواصلة النظام السوري وروسيا قصفهما التدميري، والذي استخدما خلاله، القنابل العنقودية وقنابل النابالم، ما تسبب في وقوع العديد من الحرائق، فيما حصد القصف أرواح المزيد من المدنيين.

واستمرت روسيا بمحاولة تبرير الحملة بوجود “جبهة النصرة” في الغوطة، وهو ما أعاد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قوله الجمعة. واعتبر في مؤتمر صحافي، أن “جبهة النصرة” هي المشكلة الرئيسية في الوضع بالغوطة، قائلاً إن بلاده لا تملك أدلة تشير إلى أن التحالف الدولي يعتبر تنظيم “النصرة” هدفاً. وفي كلامه الذي جاء قبل جلسة مجلس الأمن، لفت لافروف إلى أن بلاده مستعدة للموافقة على نص قرار الأمم المتحدة بشأن الهدنة في الغوطة، “لكن يجب تقديم ضمانات من أصحاب النفوذ على المسلحين”، مضيفاً “لكي يكون هذا القرار فعالاً، نقترح صيغة تجعل الهدنة حقيقية وتستند إلى ضمانات جميع من هم داخل الغوطة الشرقية، وطبعاً الضمانات يجب أن تكون مدعومة من الأطراف الخارجية. وقبل كل شيء، الذين لديهم تأثير على الجماعات المتطرفة التي استقرت في هذه الضاحية من دمشق”. وشكك بالشهادات عن الانتهاكات الإنسانية في تلك المنطقة، قائلاً إن معظم هذه الشهادات “تُقدم من الخوذ البيضاء الذين قدموا معلومات كاذبة في السابق”.

وفي السياق نفسه، برزت محاولة روسية لتبرير الهجوم على الغوطة بالترويج إلى أن واشنطن تحاول نقل عناصر من “داعش” إلى تلك المنطقة. ونقلت وكالة “نوفوستي” الروسية هذا الكلام عن أحمد خازم، الذي وصفته بـ”رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، علماً أن هذه الشبكة أسسها النظام السوري بدعم من روسيا لضرب اسم الشبكة السورية لحقوق الإنسان التي يرأسها فضل عبد الغني.

مقابل ذلك، كان الموقف الأبرز من الولايات المتحدة، التي أعلنت أن روسيا تتحمل “مسؤولية خاصة” في القصف على الغوطة. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية هيذر نويرت للصحافيين، مساء الخميس: “من دون دعم من روسيا لسورية ما كان بالتأكيد وقع هذا الدمار وهؤلاء القتلى”. وأضافت “هذا يذكّرنا بالمسؤولية الخاصة لروسيا عما يحدث هناك”، متسائلة “ماذا يفعلون لوقف الدمار والموت والقتل الذي يحدث في سورية؟”.

كما وجّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل رسالة مشتركة، إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، طلبا منه فيها الموافقة على مشروع القرار لإقرار الهدنة في سورية، كما أعلن الإليزيه. وفي السياق نفسه، دعا الاتحاد الأوروبي إلى وقف القصف على الغوطة الشرقية، والذي وصفه بأنه “مجزرة”. من جهته، قال وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو، إن “على روسيا وإيران وقف النظام السوري”، معتبراً أن الهجوم على الغوطة ومحافظة إدلب “يتعارض” مع اتفاقات أستانة.

مقابل ذلك، دعا مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية ستيفان دي ميستورا، لوقف عاجل لإطلاق النار لمنع القصف “المروع” للغوطة وقصف العاصمة السورية دمشق بقذائف مورتر “من دون تمييز”. وقال دي ميستورا، في بيان تلته المتحدثة باسم الأمم المتحدة أليساندرا فيلوتشي في جنيف، إن وقف إطلاق النار ينبغي أن يتبعه دخول فوري للمساعدات الإنسانية بلا أي معوقات، وإجلاء للمرضى والمصابين إلى خارج الغوطة.
أما الائتلاف الوطني السوري المعارض، فاعتبر أن “روسيا طرف في النزاع وليست ضامناً ولا يحق لها التصويت على مشاريع القرارات التي تخص سورية، وتتحمل المسؤولية الكاملة عن القصف ومنع مجلس الأمن من اتخاذ التدابير اللازمة لوقف القتل وإدخال المساعدات”.

ميدانياً، قُتل عدد من المدنيين وأصيب آخرون، جراء استمرار القصف المكثف لليوم السادس على التوالي على مدن وبلدات الغوطة الشرقية. وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بأن 32 مدنياً قُتلوا في القصف الجمعة على الغوطة. ومع استمرار حرب الإبادة، يعيش سكان الغوطة أوضاعاً إنسانية مزرية، إذ تعيش معظم العائلات، منذ الأحد الماضي، في ملاجئ وأقبية تحت الأرض غير صالحة للسكن ولا تحتوي المستلزمات الأساسية. وكانت الكثير من العائلات هربت من المناطق القريبة من جبهات القتال إلى مدن وبلدات في عمق الغوطة ظناً منها أنها أكثر أماناً، ولكن الحملة التي تشنها قوات النظام وروسيا لم تستهدف الجبهات بقدر استهدافها للمناطق السكنية والمأهولة في دوما وسقبا وحمورية وكفربطنا وبيت سوى وعربين. لكن هذه المناطق غير مجهزة بمخابئ وملاجئ، ويعيش الأهالي في أقبية المنازل في ظروف معيشية بائسة. كما أن هذه المخابئ غير آمنة بمواجهة القصف، وقد قتل خمسة أشخاص، الخميس، في بلدة حمورية، إثر غارة جوية أصابت ملجأ يسكنونه. ولم يكن هذا الاستهداف الأول الذي طاول الملاجئ، إذ قتل أكثر من خمسين شخصاً، بينهم 40 طفلاً وامرأة، في بلدة بيت سوى، يوم الأحد الماضي، جراء غارة مماثلة.

ومع تواصل مناوراتها في مجلس الأمن، وسعيها إلى قلب الحقائق ومحاولة تضليل المجتمع الدولي بشأن حقيقة ما يجري في الغوطة الشرقية، تعمل روسيا على استقدام مزيد من الطائرات والأسلحة المتطورة إلى سورية التي باتت حقل تجارب لأسلحتها الحديثة. وذكرت وسائل إعلام روسية أن أحدث أنواع الطائرات الروسية المقاتلة وصلت إلى القاعدة العسكرية في حميميم، كما عبرت سفينة الإنزال الكبيرة “مينسك” وكاسحة الألغام “نائب الأميرال زاخارين” الروسيتين، مضيق البوسفور ودخلتا مياه البحر الأبيض المتوسط.

مقابل ذلك، أكدت أبرز الفصائل المعارضة في الغوطة الشرقية رفضها لأي “تهجير للمدنيين أو ترحيلهم”، بعدما كانت موسكو أعلنت أنها عرضت على الفصائل إجلاء مقاتليها مع عوائلهم من هذه المنطقة. وجاء رد الفصائل في رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة والرئيس الحالي لمجلس الأمن الدولي، نشرتها وكالة “فرانس برس”، ووقعها كل من “جيش الإسلام” و”فيلق الرحمن” وحركة “أحرار الشام”، فضلاً عن عدد من المؤسسات المدنية وبينها الخوذ البيضاء. وقال الموقعون في رسالتهم، إن “أي مبادرة أو مشروع قرار يجب أن ينسجم مع المبادئ الثابتة في القانون الدولي والتي تمنع تهجير المدنيين أو ترحيلهم قسراً عن أماكن سكناهم الطبيعية، ولذلك نرفض رفضاً قاطعاً أي مبادرة تتضمن إخراج السكان من بيوتهم ونقلهم لأي مكان آخر”. وأعلن المتحدث باسم “فيلق الرحمن”، وائل علوان، أن “أحداً لم يعرض على الفصائل أي شيء من ذلك أصلاً خلال الفترة الماضية”. في المقابل، قال علوان إن “الفصائل موافقة على إخراج النصرة”.

على صعيد آخر، قتل وأصيب أكثر من عشرين عنصراً من قوات النظام، صباح الجمعة، إثر اشتباكات مع فصائل المعارضة في الغوطة الشرقية. كما قال “جيش الإسلام” إنه تصدى لتسع محاولات تسلل لقوات النظام إلى الغوطة، موقعاً قتلى وجرحى في صفوفها. كما نشر “جيش الإسلام” وغرفة عمليات “دحر الغزاة” بيانات أعلنا فيها إطلاق الفصائل العاملة شمالي وجنوبي سورية حملة قصف صاروخية مفتوحة على مواقع قوات النظام تحت مسمى “الغضب للغوطة”.

يُذكر أن روسيا استخدمت حق النقض ضد 11 قراراً في مجلس الأمن بشأن سورية، منذ اندلاع الثورة ضد نظام بشار الأسد في مارس/ آذار 2011. وكان للغوطة الشرقية نصيب وافر من هذه القرارات التي عرقلتها روسيا، بدءاً من المناقشات التي جرت في المجلس في صيف 2013 عقب استخدام النظام السوري السلاح الكيميائي في الغوطة الشرقية، ما أسفر حينذاك عن مقتل أكثر من 1300 شخص، وصولاً إلى مشروع القرار الكويتي – السويدي الحالي والذي كانت موسكو عرقلت التصويت عليه قبل أسبوعين أيضاً بدعوى أنه “غير واقعي”.

وكان مجلس الأمن أصدر في نهاية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي قراراً مماثلاً بشأن وقف إطلاق النار في الغوطة التي دخلت حينذاك ضمن ما يسمى مناطق “خفض التصعيد” التي جرى التوصل إليها في أستانة بين روسيا وتركيا وإيران، غير أن النظام وروسيا لم يلتزما بهذا القرار إلا لفترة وجيزة شهدت انخفاضاً نسبياً في مستوى القصف، مع تواصل المحاولات لاجتياح الغوطة، بينما شنت فصائل الغوطة هجوماً معاكساً استطاعت خلاله محاصرة قوات النظام في إدارة المركبات العسكرية في مدينة حرستا.
وأوفد مجلس الأمن في 7 أغسطس/ آب 2013 لجنة تحقيق لتحديد المسؤولين عن استخدام الأسلحة الكيميائية في سورية، قبل استخدام النظام للأسلحة الكيميائية في الغوطة بتاريخ 21 أغسطس 2013، وهو الاستهداف الذي جرى أثناء وجود اللجنة في دمشق على بُعد كيلومترات قليلة من الغوطة.

وفي 27 سبتمبر/ أيلول 2013 أصدر مجلس الأمن قراره رقم 2118 بالإجماع، ودان القرار استخدام الأسلحة الكيميائية في الغوطة الشرقية، وطالب النظام بتسليم مخزونه من هذه الأسلحة، إلا أنه رفض الإشارة إلى الجهة التي نفّذت الجريمة. وقامت بعثة الأمم المتحدة المعنية بالتحقيق في استخدام الأسلحة الكيميائية في سورية يوم 16/9/2013 بإصدار تقرير مفصّل عن هذه الهجمة، أثبت وقوع هذه الهجمات، وقام بتفصيل كل الجوانب الفنية للهجوم، لكنه امتنع عن تحديد الجهة التي قامت به.

وتظهر ردود فعل الأمم المتحدة على الهجمات التي تمّت في الغوطة الشرقية انحيازاً منها للاتفاقات السياسية على حساب حقوق الإنسان وتحقيق العدالة للضحايا، إذ اعتمد قرار مجلس الأمن رقم 2118 إطار عمل إزالة الأسلحة الكيميائية المؤرّخ في 14/9/2013 بين كل من روسيا والولايات المتحدة، كبديل عن التحقيق بشأن الجهة التي نفّذت الهجمات، والعمل على محاسبتها.
ثم جاء قرار مجلس الأمن رقم 2235 عام 2015 الذي أعطى الضوء الأخضر لإنشاء آلية تحقيق مشتركة لتحديد الأفراد والكيانات والجماعات والحكومات المسؤولة عن استخدام الأسلحة الكيميائية في الحرب السورية.

وفي 18 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، أنهت روسيا باستخدام الفيتو عمل لجنة التحقيق الدولية في استخدام الأسلحة الكيميائية في سورية بعدما فشلت محاولات عدة لإقناعها بتمرير مشروع قرار صاغته اليابان يمدد عمل اللجنة لشهر واحد فقط ريثما يتم التوصل إلى صيغة معدلة لقواعد عملها. وتقدمت اليابان باقتراحها لتجنب انتهاء ولاية لجنة التحقيق. ولا تزال منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تمتلك آلية تحقيق أخرى هي “بعثة تقصي الحقائق”، لكن هذه الآلية تعمل بموجب تفويض يخولها التحقيق في ما إذا كانت الأسلحة الكيميائية قد استخدمت أم لا، من دون صلاحية تحديد الجهة المسؤولة عن استخدامها.

عدنان علي
صحيفة العربي الجديد
Print Friendly, PDF & Email