لقاء جعجع والحريري: نتائج الانتخابات تعيد ترتيب الأوراق

لقاء جعجع والحريري: نتائج الانتخابات تعيد ترتيب الأوراق

بيروت – شكل اللقاء الذي تم بين رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع وزعيم تيار المستقبل سعد الحريري، مساء الثلاثاء، أولى مفاجآت مرحلة ما بعد الانتخابات في بعديها الداخلي والإقليمي وربما أيضا الدولي. والتأم هذا اللقاء في بيت الوسط، دون أي مقدمات توحي بانعقاده، بما يعكس العجلة في التخطيط له لما فيه مصلحة الطرفين.

وعلى الرغم من أن جعجع والحريري حليفان داخل قوى 14 آذار منذ عام 2005، إلا أن تباينا طرأ على علاقة الحزبين والقطبين على نحو حاول الطرفان دائما ضبط إيقاعاته وعدم تجاوزه لخطوط حمراء. وترى أوساط قواتية أن خيارات الحريري هي التي أدت إلى بدء مرحلة من الحذر والنفور والتعارض بين مصالح معراب (مقر زعيم القوات) وبيت الوسط (مقر زعيم المستقبل).

انقلاب سياسي
كان سمير جعجع المرشح الطبيعي لقوى 14 آذار لرئاسة الجمهورية، وأنه إذا ما كانت هناك ظروف داخلية وخارجية تحول دون ذلك، فإن جعجع كان مستعدا لاتخاذ قرار مشترك مع تيار المستقبل من داخل التحالف السيادي.

لكن، فاجأ الحريري تيار المستقبل نفسه قبل أن يفاجئ حزب القوات بقراره عام 2015 دعم ترشيح الوزير الأسبق سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية. وفرنجية هو أحد صقور تحالف 8 آذار الموالي لحزب الله والنظام السوري. ويحظى بعلاقات خاصة مع الرئيس السوري بشار الأسد، ولطالما قُدم بصفته “الصديق الشخصي للرئيس”.

واعتبر تبني الحريري لترشح فرنجية الخصم بمثابة انقلاب سياسي يتناقض مع مواقف المستقبل وأدبياته السياسية السابقة، ناهيك عن عامل العداوة التاريخية ما بين جعجع وفرنجية والتي تعود إلى الحرب الأهلية اللبنانية.

وتعود الذكريات إلى المجزرة التي تعرضت لها عائلة سليمان فرنجية عام 1978 حين شنت القوات اللبنانية، وكانت حينها بقيادة بشير الجميل، هجوما على منزل زعيم تيار المردة آنذاك طوني فرنجية (والد سليمان). وعلى الرغم من أن جعجع هو من كان مكلفا بقيادة الهجوم، إلا أنه أصيب قبل الوصول إلى الهدف. وأدى الهجوم إلى مقتل طوني فرنجية وزوجته وابنته البالغة من العمر سنتين ونصف السنة وأكثر من ثلاثين من أنصاره.

التحاق الحريري بخيار القوات ودعم ترشيح عون بما يجمع المستقبل والقوات في خندق الواقعية السياسية المفترض أن تدفعهما نحو الوفاق وليس الفراق

ودفع ترشيح الحريري لفرنجية حزب القوات إلى تسريع وتيرة المصالحة مع حزب التيار الوطني الحر بزعامة الجنرال ميشال عون وصولا إلى توقيع “ورقة النوايا” مع التيار وتبني ترشيح عون إلى قصر بعبدا في يناير 2016 لقطع الطريق على فرنجية الخصم.

وعاد الحريري والتحق بخيار القوات ودعم ترشيح عون بما يجمع المستقبل والقوات في خندق الواقعية السياسية المفترض أن تدفعهما نحو الوفاق وليس الفراق. بيد أن الظروف التي أحاطت باستقالة الحريري من الرياض في نوفمبر الماضي فاقمت من حالة البعاد والبرودة بين تيار المستقبل والقوات اللبنانية.

وذكرت التقارير أن هناك تيارا داخل تيار المستقبل يتهم أطرافا وأحزابا وشخصيات حرّضت ضد زعيم المستقبل لدى القيادة السعودية. وعلى الرغم من أن الضجيج المتعلق باتهام جعجع في هذا الصدد بقي غير رسمي لم يحظ بأي رواية رسمية، وعلى الرغم من نفي جعجع شخصيا لهذه الأنباء ساخرا من إمكانية أن تنجح أي جهة ما في تحريض الرياض ضد حليف تاريخي للسعودية كسعد الحريري، إلا أن العلاقات بقيت غامضة ملتبسة بين الحزبين والزعيمين.

وتقول أوساط سياسية لبنانية مراقبة أن الظروف التي فرضها قانون الانتخابات الجديد لم تتح، إضافة إلى البرودة بين الطرفين، الاندفاع نحو تحالفات واسعة بين تيار المستقبل وحزب القوات اللبنانية، شأنهما في ذلك شأن علاقاتهما مع أطراف أخرى، وأن التحالفات التي جمعتهما في بعض الدوائر جاءت خجولة تفرضها الضرورة المحلية الحسابية أكثر من كونها تستند على تحالف سياسي عام.

وتضيف هذه الأوساط أن نفس الحالة تنسحب على تحالفات القوات والتيار الوطني الحر بزعامة وزير الخارجية جبران باسيل، التي جاءت بشقّ الأنفس على الرغم من أن “ورقة نوايا” تجمع بين الطرفين.

وتؤكد مراجع قريبة من الطرفين أن التصريحات المتفائلة والإيجابية التي أدلى بها جعجع في نهاية اجتماعه بالحريري توحي بأن زعيم القوات لا يستند في تفاؤله على مضمون الاجتماع وما دار من محادثات بين الرجلين فقط، بل على معطيات أخرى لها علاقة بالنتائج التي حققها الطرفان في الانتخابات التشريعية الأخيرة، كما على رغبة السعودية، الحليفة للطرفين، في ترتيب علاقة جعجع والحريري ودعم تحالفهما لمقاربة الاستحقاقات الداخلية والإقليمية المقبلة.

الفائز في الانتخابات
يكشف مراقبون أن القوات متحصنة بالمفاجأة الانتخابية التي رفعت رصيدها في البرلمان إلى ما قارب الضعف برفع عدد نوابه من 8 إلى 15 مع احتمال انضمام بعض المستقلين إلى الكتلة البرلمانية داخل مجلس النواب المقبل.

ويضيف هؤلاء أن جعجع يدرك سعي باسيل لدفع القوات خارج الحكومة المقبلة أو عدم إعطائه حصة وازنة تتناسب مع الحجم البرلماني القواتي الجديد وأن التحالف مع “المستقبل” بات ضرورة استراتيجية قد تتوسع باتجاه تيارات سياسية لبنانية أخرى لدعم الموقف القواتي البرلماني والوزاري.

ويقرّ قريبون من الحريري أنه أخذ علما بالتقدم الذي أحرزه القوات كما أخذ علما قاسيا بتراجع حصة تيار المستقبل البرلمانية من 34 إلى 21 نائبا. ويضيف هؤلاء أن الحريري بات محتاجا إلى تحصين صفوفه بالعودة إلى تمتين علاقاته مع “حليف طبيعي” كالقوات اللبنانية وسمير جعجع، وأن القرارات الداخلية التي اتخذها داخل تياره، بما في ذلك استقالة مدير مكتبه نادر الحريري، قد تساهم في تنقية أجواء العلاقة التي تشوّهت في الأشهر الماضية بين الحزبين.

وعلى الرغم من الحسابات الداخلية للحريري وجعجع كما مراعاتهما معا للعلاقة مع السعودية، إلا أن زعيم تيار المستقبل لن يتخلى عن تحالفه مع رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر، كما أن زعيم القوات اللبنانية يدرك حجم الفيتو الذي يضعه حزب الله على توسّع طموحات القوات الوزارية. غير أن مصادر مستقبلية ترى أن الحريري في مقاربته المقبلة للعلاقة مع باسيل سيكون مرتاحا للتحرك على قاعدة تطبيع علاقاته مع جعجع.

ويخلص المراقبون إلى أن لقاء الحريري/ جعجع له ما بعده، وأن تحولات كثيرة قد تطرأ على المشهدين البرلماني والسياسي في لبنان، فتعيد تموضع الطبقة السياسية على نحو قد لا يعكس القراءة المتعجلة للنتائج الحسابية للانتخابات الأخيرة على الرغم مما طرأ من تبدل في الأحجام يفترض أن يكون حسابيا لصالح حزب الله.

العرب