الخاسرون في الانتخابات العراقية يناورون لإلغاء نتائجها

الخاسرون في الانتخابات العراقية يناورون لإلغاء نتائجها

بغداد – تجد الأطراف السياسية العراقية الخاسرة في الانتخابات الأخيرة، فرصة في الخروقات التي شابت عمليات الاقتراع وفرز الأصوات، للدفع باتّجاه إلغاء العملية الانتخابية برمّتها وما ترتّب عنها من نتائج، عبر تضخيم الأخطاء التنظيمية والتشكيك بكفاءة الجهاز الإداري الذي أشرف على الانتخابات، وبنجاعة الأجهزة والتقنيات التي استخدمت فيها.

غير أنّ ذات الأطراف لا تُغفل إمكانية عدم مرور سيناريو الإلغاء، وتتحسّب للتعامل مع النتائج المتحقّقة بسيناريو بديل يتمثّل في التفاوض ومساومة التكتلات الفائزة، على حصّة في السلطة التي ستتشكّل على أساس تلك النتائج.

ويتزعّم أتباع رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي -باعتباره أكبر الخاسرين في الانتخابات- هذا الحراك المزدوج في محاولة لتقليل الخسائر وفقدان الامتيازات التي حصل عليها زعيم حزب الدعوة خلال سنوات حكمه.

وتقول مصادر مقرّبة من ائتلاف دولة القانون الذي يقوده المالكي وخاض به الانتخابات الأخيرة، إنّ مخاوف جدّية تساور الرجل والكثير من مقرّبيه، ليس فقط من فقدان السلطة، بل من الخضوع للمحاسبة بشأن ملفات فساد متراكمة منذ فترتي رئاسة المالكي للحكومة، وأيضا بشأن مسؤوليته في انهيار القوات المسلّحة سنة 2014 وسقوط الموصل وما بعدها بيد تنظيم داعش، وما ترتّب عن ذلك من مآس وخسائر بشرية ومادية عصية عن الحصر.

ومن الحقائق المستقرّة لدى العراقيين، أن رئيس الوزراء السابق استخدم السلطة وما تأتى له بفضلها من نفوذ مالي وسياسي، للتمتّع هو ودائرته المقرّبة بحصانة ضدّ المحاسبة، مع أن أدلّة تورّطه في الفساد ومسؤوليته عن انهيار مؤسسات الدولة واضحة للعيان.

وما يضاعف مخاوف المالكي من المحاسبة، هو أنّ الفائز الأكبر في الانتخابات والمرشّح للعب دور كبير في تشكيل الحكومة القادمة، ليس سوى غريمه الأوّل رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، الذي لم يوفّر المالكي عندما كان رئيسا للحكومة وسيلة لمحاولة كسره بما في ذلك استخدام القوّة العسكرية ضدّ ميليشيا جيش المهدي التابعة له سنة 2008.

وطالب نواب عراقيون من كتل سياسية مختلفة، الخميس، بعقد جلسة طارئة للبرلمان، تتم خلالها استضافة مفوضية الانتخابات لبحث “قضية التزوير والتلاعب بنتائج الاقتراع”.

نتائج الانتخابات العراقية بما انطوت عليه من مفاجآت على رأسها صعود تحالف سائرون المدعوم من رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، زرعت الفوضى والارتباك في صفوف الخاسرين، وخصوصا من ألفوا الإمساك بزمام السلطة والتنعم بامتيازاتها ووجدوا أنفسهم مهدّدين بفقدانها، ما يفسّر تناقضهم بين محاولة إلغاء النتائج والمساومة على حصة في السلطة التي ستنبثق عنها

وجاء ذلك خلال مؤتمر صحافي مشترك عقده في مبنى البرلمان نواب يمثلون ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، وائتلاف الوطنية بزعامة إياد علاوي، وتحالف القرار العراقي الذي يقوده أسامة النجيفي نيابة عن زعيمه الحقيقي رجل الأعمال خميس الخنجر، وحركة التغيير الكردية، إضافة إلى نواب تركمان.

ويدفع المطالبون بالإلغاء نحو التشكيك الكامل في الانتخابات بجوانبها الإجرائية وبما ترتّب عنها من نتائج. كما يدفعون نحو التشكيك في شرعية السلطة التي ستنبثق عنها وعدم شعبيتها.

وقال النائب فريد الإبراهيمي خلال المؤتمر إن “نسبة المشاركة في الانتخابات البرلمانية بلغت 16 بالمئة، وليس كما أعلنت مفوضية الانتخابات بأن النسبة بلغت 44.52 بالمئة”.

وأضاف أنه “تيقن للجميع بأدلة وبراهين طبيعة المنافسة غير الشريفة لدى بعض الجهات والتكتلات السياسية في أكبر فضيحة بيع وشراء أصوات الناخبين وصلت حتى داخل القائمة الواحدة مما ينذر بأن العملية السياسية المقبلة ستكون الأشد فسادا وسوءا”.

وتابع “حجم التلاعب بالنتائج، وتستر مفوضية الانتخابات، واشتراكها في جزء كبير منه، تقوض مصداقيتها وحياديتها أمام أبناء الشعب”.

ودعا الإبراهيمي في البيان المشترك الذي تلاه إلى “عقد جلسة استثنائية للبرلمان للتصويت على استجواب مفوضية الانتخابات، وإلغاء نتائج الاقتراع”.

وعلى الجانب الآخر تنخرط كتل مطالبة بإلغاء نتائج الانتخابات، على رأسها “دولة القانون” بزعامة المالكي في الاتصالات الماراثونية والمساومات بهدف مشاركة الفائزين في تشكيل التحالفات النيابية الضرورية لتشكيل الحكومة القادمة، ما يمثّل تناقضا صارخا وعلامة ارتباك. ويحتفظ المالكي بأمل -ولو ضئيل- في التوصّل مع ائتلاف “الفتح” الأقرب إليه سياسيا لتجميع أقصى ما يمكن من الائتلافات التي حصلت على مقاعد بالبرلمان، لتشكيل تحالف كبير مضاد للتحالف الذي من المرتقب أن يشكّله ائتلاف سائرون.

وأقرّ قيادي في ائتلاف الفتح نقلت عنه وكالة الأناضول دون الكشف عن هويته بوجود تحرك لتشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر عبر تحالف يضم ائتلاف دولة القانون وتحالف الفتح وتحالف النصر والاتحاد الوطني الكردستاني وتيار الحكمة.

كما أكّد وجود ضغوط إيرانية وأميركية بخصوص الكتلة الأكبر والجهة التي ستتولى تشكيل الحكومة العراقية، مشيرا إلى أنّ “الإيرانيين والأميركيين -رغم اختلافهم- يريدون في النهاية رئيس وزراء غير معاد للطرفين، وهذا لا يتحقق مع تحالف سائرون”، بزعامة مقتدى الصدر.

ويواصل كل من مبعوث الرئيس الأميركي بريت مكغورك وقائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني اجتماعاتهما المنفصلة، كلا على حدة، في العراق، ضمن مساعي جمع التحالفات القريبة من كلا الطرفين لتشكيل الكتلة الأكبر في البرلمان العراقي.

وأجرى مكغورك، الخميس، اجتماعا مع رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، وبحثا المرحلة القادمة بعد إعلان نتائج الانتخابات.

وبالنسبة لنوري المالكي فإنّ النجاح في المشاركة بتشكيل الكتلة البرلمانية التي تتولى تشكيل الحكومة سيكون طوق النجاة الأخير من خسارة السلطة والخضوع للمحاسبة.

العرب

Print Friendly, PDF & Email