هجرة الكفاءات العراقية جرح نازف للوطن

هجرة الكفاءات العراقية جرح نازف للوطن

شذى خليل*

 

    يعد الواقع السياسي والأمني والاقتصادي المضطرب لأي بلد سببا مهما في هجرة الكفاءات العلمية إلى خارجه، ومنها الدول العربية التي تعاني غالبيتها اضطرابات سياسية وحروبا أهلية تَـطال أهْـل العِـلم والمعرفة، ما يدفعهم الى الهجرة خارج بلدانهم اذ يحتاج الفِـكر إلى استقرار يمكِّـنه من الإنتاج.
و بسبب الاضطراب السياسية والأمنية التي يشهدها العراق حدثت موجات كبيرة من نزوح الأدمغة وهي في تزايد بسبب تواصل الاضطرابات السياسية هناك.
بدأت هجرة الكفاءات العلمية في العراق منذ عام 1963 ولغاية يومنا هذا، وهي خسارة علمية وخسارة للاقتصاد الوطني .
ففي العراق لا تحترم القدرات العلمية والكفاءات التي ترغب صادقة في خدمة وطنها، وتسود اراء عدائية نحو كفاءات الخارج ، والتعامل مع تلك الكفاءات بأنها غريبة عن تربة الوطن .
اسباب نزوح العلماء وابعَاده :
1_ البعد العلمي: اذ تقدم البلدان المتقدمة عوامل جذب للكوادر العلمية، التي تمتلك مؤهلات وخبرات مميزة، من البلدان النامية ومنها العراق، اذ تقدم لهم الاحترام الاقتصادي والاجتماعي والنفسي ، مقابل استثمار هذه الكفاءات لصالح تطورها الاقتصادي و الاجتماعي والعلمية.
2_ البعد الاقتصادي: ان ” هجرة العقول” العلمية تعد مكسبا ماديا كبيرا للبلدان المُستضِيفة ، اذ تحصل هذه البلدان على كوادر علمية جاهزة لم يتم اي انفاق مالي عليها، وبالتالي يمكن القول انها تشكل ربحا اقتصاديا كبيرا للدول المتطورة ، وخسارة علمية واقتصادية كبيرة العراق لا يمكن تعويضها.
3_ البعد السياسي : تعد النخبة العلمية في اي بلد النواة السياسية والعلمية الرئيسة لما لها من دور ومكانة وتأثير مباشر على الحياة والاحداث السياسية والاقتصادية – الاجتماعية والثقافية ، لما تملكه هذه الكوادر العلمية من وعي ونضج سياسي، ومعرفة علمية وهذا ما تخشاه الأنظمة في البلد .

شهد العراق بعد 2003 ، أي بعد سقوط النظام الحاكم حالة من الفوضى السياسية والأمنية والاقتصادية ،حيث اشتد الصراع الطائفي والسياسي ، ووصل البلد الى ابواب الحرب الأهلية ، وكانت قوى داخلية واقليمية ودولية تقف وراء هذه “الفوضى المنظمة” التي تصب في مصلحة تلك القوى ، مما ترك أثره السلبي على النخبة العلمية العراقية بغض النظر عن انتمائها السياسي او الطائفي ودفع نسبة غير قليلة من خيرة الاساتذة والاطباء والمهندسين والفنانين الى مغادرة العراق بسبب المضايقات والتهديدات والقتل ، فخسرت الجامعات والمعاهد العراقية المئات من خيرة الكوادر العلمية سواء الذين استشهدوا او غادروا العراق بسبب الانفلات الأمني والصراع الطائفي ، وهذه تعد اكبر خسارة علمية ومادية للشعب العراقي ومستقبله.
ومن بين المئات من العقول المهاجرة التي خسرها العراق” على سبيل المثال “:

• عبد الجبار عبد الله : الذي يعد واحدا من أربعة طلاب فقط درسوا على يد العالم الشهير أينشتاين، ولتفوقه وتميزه العلمي اهداه أينشتاين قلمه الخاص، وحصل على وسام مفتاح العلم من الرئيس الأمريكي هاري ترومان ، وما زالت المعادلات الرياضية التي وضعها عبد الجبارفي علم الأنواء الجوية الديناميكي ، هي بوابة الدخول لدراسة هذا العلم والبحث فيه.
• دكتور طالب خير الله مجول: طبيب عراقي اخصائي قلب وتداخل قسطاري عالمي كان يعمل مدير المركز العراقي لأمراض القلب، قبل 2003 وهو الذي نقل تقنية التداخل القسطاري الحديث الى العراق وقام بتدريب الكوادر عليه ،في فترة الحصار الاقتصادي ، وانقذ حياة الالاف من المرضى ، بعد 2003 هدد بالقتل ، فترك العراق متجها لدولة الامارات العربية المتحدة ، اذ تعين مديرا لقسم امراض القلب بمستشفى دبي الدولي ، حيث تلقى دعما يليق بشهادته وامكاناته العلمية ، و ابتكر طريقة حديثة للتداخل القسطاري، اسماها ” طريقة دبي ”
شارك مجول في مؤتمر ليون وحصل على المركز الأول من بين 15 الف طبيب من جميع دول العالم ،وطالبت فرق طبية من أمريكيا وبريطانيا وفرنسا ان يتم تدريبها على يد الطبيب العراقي الذي خسره العراق.
• زها حديد مهندسة المعمارية العراقية – البريطانية الحائزة على جائزة بريتزكر عام 2004، وهي ارقى جوائز الهندسة، وشكلت أعمال حديد جزءا من المعارض الدائمة في متحف الفن الحديث في نيويورك ومتحف العمارة الألمانية في فرانكفورت، واعمالها في مختلف دول العالم باستثناء بلدها الام؟ وعملت حديد أستاذة في جامعة الفنون التطبيقية في فيينا، وتتلمذ على يدها الكثير من الطلاب للاستفادة من خبرتها وما تحمله من روعة الأفكار.
وهي التي صممت في مدينة سينسينا تي الواقعة بولاية أوهايو الأميركية مركز روزنتال للفن المعاصر وهو أول بناء للمهندسة العراقية في أمريكا.
معوقات عودة الكفاءات العلمية
يرى خبراء ومختصون في دراسات علمية ان هناك معوقات كثيرة تواجه عودة الكفاءات العلمية العراقية و تعرقلها واحيانا تمنعها، ومنها الأمنية والاضطراب السياسي، ومنها:
1. مشكلة السكن.
تعد مشكلة السكن احدى اهم واعقد المشاكل التي تواجه عودة الكفاءات العلمية الى العراق اذ ان هذه النخبة العلمية الموجودة في الخارج وخاصة في اميركا وكندا ودول أوربا الغربية وغيرها من البلدان، حصلت على عمل وسكن، ورعاية صحية واجتماعية وفي حالة عودتهم فانهم لا يستطيعون شراء بيت او قطعة أرض سكنية بسبب الارتفاع الجنوني للأسعار، وعليه تعد هذه المشكلة هامة جداً ولابد من ايجاد حلول لها.
2- مشكلة الترقيات العلمية
تُعد من المشاكل الهامة التي تواجه عودة الكفاءات العلمية التي غادرت العراق خلال الفترات المختلفة، وان الغالبية العظمى من هذه الكوادر العلمية عملوا ولايزالون يعملون في جامعات عربية واجنبية معترف بها، ولكن في حالة عودتهم سوف يواجهون قوانين الجامعات العراقية، التي لا تعترف بالخدمة السابقة ولا يتم احتسابها لأغراض الترقية العلمية والتقاعد وتحت مبررات بيروقراطية وغير علمية، حيث يرجع العائد الى الخدمة الجامعية من الصفر.

3- مشكلة احتساب الخدمة الجامعية
تعد من المشاكل المهمة التي تواجه عودة الكفاءات العلمية العراقية ، ومن اجل ايضاح جوهر المشكلة لابد من معرفة ما يلي:-
– ان قسما كبيرا من الذين غادروا العراق بسبب الاضطهاد والملاحقة السياسية أو لأسباب اقتصادية او غيرها هم من حملة الشهادات العليا الماجستير والدكتوراه وكانت لديهم خدمة جامعية في الجامعات والمعاهد العراقية وقسم منهم اليوم عمل او يعمل في جامعات عربية او اجنبية.
– ان بعض الكفاءات العلمية كانت تعمل في السلطة التنفيذية (الوزارات..) وبدرجات ادارية عليا وهامة، فقسم منهم هاجر الى خارج العراق للأسباب المذكورة اعلاه والقسم الآخر لم يستطيع مغادرة البلاد ولأسباب مختلفة.
– ان بعض الشباب الذين هاجروا من العراق وللأسباب اعلاه حصلوا على شهادات عليا, (الماجستير والدكتوراه) وهم اليوم يعملون في جامعات عربية واجنبية مرموقة ولديهم ما يثبت ذلك.
– من الضروري ان يتم احتساب الخدمة الجامعية للمفصولين السياسيين الذين يحملون الشهادات العليا(الماجستير والدكتوراه) وعادوا الى الوطن بعد نبسان/ابريل عام 2003 وهم يمارسون الخدمة في الجامعات والمعاهد العراقية خدمة جامعية كاملة لأغراض الترقية والتقاعد.
– من الضروري ان يشمل الزملاء من حملة الشهادات العليا(الماجستير والدكتوراه) والذين لم يغادروا البلاد ويعملون اليوم في دوائر الدولة المختلفة بكل الامتيازات التي سيحصل عليها زملاؤهم العاملون في الجامعات والمعاهد العراقية.

ومن اجل إنصاف حقوق الكفاءات العلمية العراقية واعطائهم حقوقهم المشروعة ، ولكي نتجنب ما حدث لقانون الكفاءات العلمية الذين صدر في السبعينيات من القرن الماضي من روتين قاتل وبيروقراطية مفرطة، فمن الضروري ان يتم احتساب خدمة العائدين من اصحاب الكفاءات العلمية العراقية خدمة جامعية كاملة ويطبق عليهم قانون الخدمة الجامعية الذي صدر عام 2008 والذي يحتاج الى تعديلات جوهرية في كثير من مواده وفقراته .
ومن الخطأ الكبير التفريط و عدم الاهتمام بهذه النخبة العلمية المدربة التي تملك من القدرات العلمية والفنية التي يحتاجها المجتمع والاقتصاد والعلم في العراق، حيث اعداد الكادر العلمي من حملة الشهادات العليا يحتاج الى 30 عاما ، فخسارة هذه النخبة يعني خسارة المجتمع العراقي ضعف الفترة الزمنية اي 60عاما .
بعض المقترحات للحل
نقدم بعض المقترحات لعلها تكون عامل جذب لعودة الكفاءات الى البلد
1 تشريع قانون خاص بعودة الكفاءات العلمية العراقية من قبل السلطة التشريعية يضمن حقوقهم الاقتصادية والعلمية وغيرها.
2 على السفارات العراقية والملحقيات الثقافية في الخارج ان تقوم بجرد كامل للكفاءات العلمية العراقية في مختلف الاختصاصات الموجودة في تلك البلاد .
3. على الوزارات ان تدرس وتحدد احتياجاتها من مختلف الاختصاصات العلمية العائدة للوطن وان يتم التنسيق بينها وبين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بخصوص ذلك.
4.ان تضع كل وزارة برنامجا ملموسا لاستيعاب عودة الكفاءات العلمية وحَلّ مشاكلهم وفي مقدمتها مشكلة السكن ، ضمن خطة زمنية تتراوح بين سنة و سنة ونصف السنة بهدف توفير السكن اللائق لهم.
5 . شمول أصحاب الكفاءات العلمية الذين لم يغادروا الوطن بكل الامتيازات المادية وغير المادية التي سيحصل عليها اصحاب الكفاءات العلمية العراقية وفق قانون الكفاءات العلمية العراقية.
6 . ابقاء الأساتذة المحالين الى التقاعد وحسب رغبتهم مستشارين في الجامعات والوزارات وكل حسب اختصاصه ورغبته- في حالة تعذره عليه الاستمرار بالعمل التدريسي، وان يأخذ ذلك شكلاً قانونيا.
7. وعند الإحالة الى التقاعد- وهو طبعا يجب ان يكون اختياريا لعضو هيئة التدريس ـ فانه ان يحصل على اجمالي آخر راتب تقاضاه وليس على أساس الراتب الإسمي، وان تحقيق ذلك يُعدُ تكريما ومكافأة للأستاذ الجامعي .

إن المعالجة الجذرية لهذه العوامل بهدف عودة الكفاءات العلمية من اجل إعادة بناء العراق وتطور العلم والتكنولوجيا ، يتطلب من قادة الاحزاب السياسية العراقية ان تتوحد وفق برنامج وطني موحد يتضمن: نبذ مبدأ المحاصصة الطائفية المقيت، والرفض والتخلي عن العنف والاغتيال السياسي، واقرار مبدأ التداول السلمي للسلطة على مختلف ، والعمل بالمبدأ السليم والعادل، وهو الرجل المناسب في المكان المناسب بغض النظر عن الانتماء السياسي واعتماد مبدأ الانتخابات الديمقراطية الحرة والمباشرة في الجامعات والمعاهد العلمية، ابتداءً من رئاسة الجامعة وعمادات الكليات ورؤساء الاقسام العلمية، وتوزيع الصلاحيات العلمية والادارية توزيعاً عادلاً بين الجامعة والكلية والقسم العلمي بما يخدم المسيرة العلمية.

وحدة الدراسات الاقتصادية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية

Print Friendly, PDF & Email