أويحيى يغازل دوائر القرار الفرنسي في سعيه لخلافة بوتفليقة

أويحيى يغازل دوائر القرار الفرنسي في سعيه لخلافة بوتفليقة

لم يكن خطاب رئيس الوزراء الجزائري أحمد أويحيى أمرا يمكن تجاوزه وعدم الخوض فيه خاصة لجهة ما تضمنه من محاولات التقارب الواضح مع فرنسا. ويرى متابعون للمشهد السياسي في الجزائر أن رئيس الوزراء يسعى لكسب دعم باريس له في ما يتعلق بخلافته للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة خلال الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في أبريل العام القادم.

الجزائر – أثارت الرسائل التي تضمنها خطاب رئيس الوزراء الجزائري أحمد أويحيى للفرنسيين، بعد إشادته بالعاقلات الثنائية بين البلدين ودعوته لرجال الأعمال في بلاده للاستعانة بما يعرف تاريخيا بـ”الأقدام السوداء” (في إشارة إلى الفرنسيين المولودين في الجزائر خلال الفترة الاستعمارية)، تساؤلات كثيرة لمتابعي الشأن السياسي في الجزائر في ظل التجاذب السائد بين مؤسستي الرئاسة والحكومة منذ تعيين أويحيى على رأسها في أغسطس الماضي.

واعتبر مراقبون أن رسائل أويحيى لدوائر القرار في قصر الإليزيه غايتها طلب تزكية من باريس لدعمه في خلافة عبدالعزيز بوتفليقة لرئاسة البلاد خلال الانتخابات المنتظر تنظيمها في أبريل القادم.

وذكر المحلل السياسي عبدالعالي رزاقي أن “تصريحات أحمد أويحيى تضمنت رسائل طلب تزكية سياسية حول دوره في المستقبل القريب للبلاد وعرض خدمات ومد جسور ثقة في المستقبل، تمهيدا لتجسيد طموحاته في خلافة الرئيس بوتفليقة في قصر المرادية خلال الانتخابات الرئاسية القادمة”.

ويعتبر ملف “الحركى (الجزائريين في الجيش الفرنسي خلال فترة الاستعمار) والأقدام السوداء” من التابوهات التاريخية في الجزائر لارتباط الذاكرة الجماعية في البلاد بالماضي الاستعماري لتلك الفئة (الحركى والأقدام السوداء). ويتهم كل من الحركي والأقدام السوداء بالمشاركة في جرائم التعذيب والقمع والاستغلال التي ارتكبها الاستعمار (1830 – 1962)، من خلال تعاونهم مع السلطات الفرنسية في تلك الفترة في مواجهة المقاومين.

وجاءت دعوة أويحيى لرجال الأعمال، خلال حفل تكريم أفضل المصدرين نهاية الأسبوع، من أجل التعاون مع الأقدام السوداء وقدماء الجزائريين في المهجر لدعم نشاط الاستيراد، بمثابة دعوة صريحة وصادمة للتطبيع مع تلك الفئة التي ظلت محل رفض للعودة أو التعاون من قبل الشارع الجزائري وأكبر القوى السياسية والمنظمات المدنية.

ومن المتوقع أن تثير دعوة أويحيى ردود فعل قوية في البلاد، خاصة من قبل الأحزاب والجمعيات الناشطة في مجال التاريخ، مما يفاقم حالة التجاذب بين رئيس الوزراء وخصومه من الطبقة السياسية على غرار حزب جبهة التحرير الوطني. وكان الحزب الحاكم قد حذر على لسان أمينه العام جمال ولد عباس في أكثر من مرة من طموح أويحيى لما اعتبره “خدمة أغراضه وطموحاته الشخصية وعدم وفائه للرئيس بوتفليقة، والتخطيط ليكون بديلا له في قصر الرئاسة”.

إثارة أويحيى لتابوهات في علاقة الجزائر بفرنسا ستفاقم التجاذب بين رئيس الوزراء وخصومه من الطبقة السياسية على غرار حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم

وأعاد توالي رسائل أويحيى لدوائر القرار الفرنسية في باريس والجزائر، في أقل من أسبوع، تحذيرات لولد عباس حول عدم سماح الحزب الحاكم بتكرار سيناريو العام 2004 قياسا بتشابه الوضع السياسي الحالي داخل السلطة بالوضع حينها. وكان رئيس الحكومة السابق علي بن فليس قد طلب في عام 2004 دعم باريس في خلافة بوتفليقة آنذاك، وحاليا تلمح رسائل أويحيى الإيجابية تجاه باريس إلى مساعيه لطلب تزكية فرنسية لطموحه السياسي.

ويعتبر مراقبون للشأن السياسي الجزائري أن “باريس تعد أكبر العواصم العالمية المؤثرة في القرار السياسي الجزائري حيث ظهر تأثيرها في العديد من التحولات، خاصة خلال مراحل تقارب البلدين ومنها فترتي حكم الرئيسين الشاذلي بن جديد وعبدالعزيز بوتفليقة”.

ويرى هؤلاء أن “مساعدة الاشتراكيين للرئيس بوتفليقة في المرور إلى الولاية الرئاسية الرابعة في 2014، بموجب اتفاق غير معلن مع محيط الرئيس فرنسوا هولاند خلال فترة علاج بوتفليقة في فرنسا بعد إصابته بجلطة دماغية في 2013، يمكن أن تتحول إلى دعم من تيار الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون لأويحيى”.

وما فتئت تصريحات ولد عباس تحمل في طياتها ضغائن لأويحيى، رغم أن حزبيهما من ضمن ما يعرف في الجزائر بالموالاة السياسية المؤيدة لبوتفليقة. وأكد ولد عباس خلال إجراء تعديلات على تركيبة المكتب السياسي لحزبه، على أن “رئيس الجمهورية سيراجع خلال مجلس الوزراء المؤجل الضرائب التي وردت ضمن مشروع قانون المالية التكميلي”. ورأى مراقبون أن هذا الأمر يمثل طعنا جديدا في مدى نجاعة عمل حكومة أويحيى.

وتسود في الجزائر حالة غموض حول علاقة رئاستي الجمهورية والحكومة بسبب اختلاف وجهات النظر بينهما خلال الأشهر الأخيرة. وبسبب هذا الغموض طرح المتابعون فرضية إقالة أويحيى خلال التعديل الحكومي الأخير، لكن بقاءه في منصبه بات مثار تساؤل في البلاد حول الجهة الداعمة له وسر صموده في وجه الحملات المتواصلة ضده من طرف الحزب الحاكم.

وأعقبت وصول ماكرون إلى الرئاسة الفرنسية حالة من الفتور بين البلدين، إذ غلب على زيارة ماكرون إلى الجزائر الطابع الرمزي والاستعراضي أكثر من الطابع العملي والتعاون. كما تم إرجاء زيارة أخرى لماكرون كانت مبرمجة في فبراير الماضي إلى موعد غير محدد، الأمر الذي يكرس حالة الفتور بين البلدين، وربما تفكر باريس في فتح صفحة أخرى مع الجزائر دون بوتفليقة وقد يكون أويحيى الذراع التي تعول عليها في المرحلة القادمة.

العرب

Print Friendly, PDF & Email