على شفير الموت.. كيف تصاعدت “الحرقة” من تونس؟

على شفير الموت.. كيف تصاعدت “الحرقة” من تونس؟

يلقي غرق أكثر من 48 شخصا على السواحل التونسية من بين جموع “الحراقة” الضوء على الجانب المخفي من جبل الجليد. ظاهرة الهجرة غير النظامية نحو أوروبا تصاعدت وتكثفت  بشكل غير مسبوق في تونس بتنامي الإحباطات والفشل الاقتصادي والاجتماعي.

و”الحراقة” أو”الحراكة” تسمية تطلق على المهاجرين غير النظاميين في المغرب العربي وجنوب الصحراء الكبرى، والذين يدخلون في مغامرات قاسية وغير محمودة العواقب للوصول إلى شواطئ أوروبا.

وتعد حصيلة الضحايا في مركب قرقنة -الجزيرة الواقعة جنوبي تونس- الذي غرق ليل الاثنين، الأكبر في المنطقة منذ أن أعلنت الوكالة الأممية للهجرة في فبراير/شباط الفائت (2018) أن نحو تسعين مهاجرا لقوا مصرعهم حين غرق مركبهم قبالة السواحل الليبية.

وإذا كانت ليبيا الوجهة المفضلة لجموع “الحراقة “بحكم الوضع الأمني المنخرم فيها، فقد تصاعدت الظاهرة في تونس بشكل كبير منذ عام 2011 -على عكس المتوقع بعد الثورة- وارتفع عدد ضحايا غرق المراكب بشكل متواتر.

ففي  مارس/آذار الماضي، أنقذ خفر السواحل التونسي 120 مهاجرا غير نظامي قرب جزيرة قرقنة غالبيتهم من تونس، كانوا ينوون التوجه نحو السواحل الإيطالية.

أرقام مفزعة
بالنسبة للطامحين إلى أوروبا، تبقى “لمبيدوزا” أو “صقلية” أو “سردينيا” -وهي جزر إيطالية- بوابة حلم لطالما غازل مخيلاتهم فصنعوا منها عتبة الجنة الأولى للخلاص من  أوضاع يعتبرونها مزرية في أوطانهم.

وتشير بعض التقديرات إلى أن السلطات التونسية أحبطت خلال السنوات الماضية (2011-2017) نحو 950 عملية هجرة غير نظامية عبر مراكب تتضمن في المتوسط 25 شخصا، أي أكثر من عشرين ألف شخص، فيما نجحت مئات المراكب الأخرى في الوصول إلى السواحل الإيطالية.

وأشارت دراسة للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أنجزها نهاية 2016 حول الهجرة غير النظامية في تونس، أن 54.6% من الشباب (من 18 إلى 35) على استعداد للهجرة، بينهم 31% أبدوا استعدادهم لهجرة غير نظامية.

وأشار المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية أن عدد المهاجرين غير النظاميين بلغ منذ عام 2011 إلى غاية أكتوبر/تشرين الأول 2017 نحو 38 ألف مهاجر، غالبيتهم قصدوا السواحل جنوب إيطاليا، بمعدل ستة آلاف سنويا، فيما تشير تقديرات أخرى إلى أن عام 2011 فقط -أي بعد ثورة 14 يناير- شهد وصول 22 ألف تونسي، قبل أن يتراجع العدد لاحقا.

وإضافة إلى الأعداد التي ارتفعت خلال السنوات الماضية، فإن الظاهرة التي كانت تشمل العاطلين عن العمل وفئات معينة من الشباب خاصة، أضحت مغرية أيضا لطلبة الجامعات والمعاهد الثانوية وحتى الأطفال والفتيات.

ويرى باحثون تونسيون أن الهجرة غير النظامية التي تمثل نزيفا للطاقة الشبابية في البلاد، تجاوزت خلال السنوات الأخيرة مسألة البطالة (15.3% منتصف 2017) وتحسين الأوضاع المعيشية، لتعبر عن إحباط اجتماعي واقتصادي ونفسي، وتمثل هروبا من الأوضاع العامة الصعبة وانسداد الآفاق والخيارات في تونس.

نزيف الشمال
ولا يقتصر الأمر على محاولات الرحيل بشتى الطرق إلى الشواطئ القريبة نسبيا مثل إيطاليا، فأرقام الهجرة النظامية تصاعدت في السنوات الأخيرة من الكفاءات وأصحاب الشهادات العليا نحو البلدان الخليجية وأوروبا، فيما نشطت وكالات التسفير القانونية وغير القانونية ومستغلو هذه الظاهرة المتفاقمة.

ويرى محللون أن الواقع الاقتصادي المعتم الذي تسير فيه البلاد، ووقوعها تحت “براثن صندوق النقد الدولي” وتطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي الهيكلي -كشرط للحصول على القروض- وارتفاع نسب الفقر والبطالة وتضخم الأسعار، وتجميد التوظيف العمومي وتدهور المؤشرات الاقتصادية؛ كلها عوامل تؤدي إلى فقدان الثقة بالمستقبل وتدفع إلى الهجرة بجميع أشكالها.

ويلقي الارتباك السياسي للحكومات المتعاقبة في التعاطي مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتنامية وأزمة الحكومات -آخرها بين الشاهد والسبسي- وغياب الخطاب المطمئن حول المستقبل، بظلالها على شريحة واسعة من التونسيين، ومقارباتهم للمستقبل وإحساسهم بالأمان.

وإذا كانت النسبة الأغلب من المهاجرين غير النظاميين تأتي من الجهات الأكثر حرمانا -القصرين وسيدي بوزيدوالقيروان وقفصة وقابس- التي تشهد تحركات احتجاجية شبه دائمة، فإن الأحياء المهمشة حتى في المدن الكبرى والساحلية منها تعد خزانا كبيرا للهجرة غير النظامية.

وهاجم وزير الداخلية الإيطالي الجديد ماتيو سالفيني تونس قائلا إنها رغم عدم وجود المجاعات والأوبئة “تصدر إلى بلاده خريجي السجون”، في إشارة إلى المهاجرين غير النظاميين. وكانت الحكومة الإيطالية الجديدة قد هددت بطرد نحو خمسمئة ألف مهاجر من إيطاليا، بما قد يؤثر سلبيا على تونس وبلدان المغرب العربي الأخرى التي يوجد عشرات الآلاف من مواطنيها في إيطاليا.

ولا تخفي السلطات الإيطاليّة انزعاجها من تدفق المهاجرين، وقد أشارت مؤخرا إلى أن معدلات وصول المهاجرين إلى إيطاليا عبر البحر من تونس والجزائر ارتفعت بشكل حاد، وأن عدد القادمين بالقوارب من تونس إلى جزيرة لامبيدوزاوصقلية الغربية زاد منذ العام الماضي ثلاثة أضعاف.

ورغم محاولاتها الدؤوبة، لم تستطع السلطات التونسية وقف نزيف الهجرة غير النظامية، بينما يشير متابعون إلى أن شبكات أو “مافيات منظمة” تتحكم في “عمليات الحرقة”، التي تدر أرباحا طائلة على منفذيها، حيث يدفع الشخص الواحد ما بين ألفين وأربعة آلاف دينار (نحو ألف إلى ألفي دولار).

وبالنسبة لعديد من الباحثين والمحللين التونسيين، لا يحتاج الحل إلى مقاربات أمنية وحراسة الحدود والممرات البحرية فقط، بقدر ما يحتاج  إلى حلول اقتصادية وتنمية اجتماعية ونزع عوامل الإحباط واستعادة روح المواطنة والانتماء، لنزع غواية الحلم الذي يأخذ الناس من أوطانهم إلى شفير الحياة أو الموت.

زهير حمداني

الجزيرة