ترامب والنظام العالمي: حاضر عند التدمير؟

ترامب والنظام العالمي: حاضر عند التدمير؟

طرح هذا السؤال الحاسم عن حقبة ترامب هذا الأسبوع دونالد تاسك، رئيس الوزراء البولندي السابق والرئيس الحالي للمجلس الأوروبي، الذي ضحَّت بلاده بالكثير من أجل الانضمام إلى النظام العالمي القائم على القواعد، والذي بات يخشى أن يكون الرئيس ترامب بصدد تعريضه للخطر.

تساءل توسك في مقال له في صحيفة “نيويورك تايمز”: هل كانت انسحابات الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمناخ والاتفاق النووي الإيراني –والآن، التعريفات الجديدة التي فرضها الرئيس ترامب على الفولاذ والألمنيوم، والتي فُرضت على الحلفاء لأسباب تتعلق بالأمن القومي- هل كانت “مجرد اضطرابات موسمية، أم أنها في الحقيقة أولى أعراض انهيار المجتمع السياسي الغربي”؟

ولنضع الفكرة في صيغة أخرى: هل نشاهد فقط حلقة أخرى من دراما ترامب المستمرة التي أصبحنا نعرفها الآن بشكل جيد؟ حيث يقوم قطب العقارات الشهير -والآن القائد الأعلى للقوات المسلحة الأميركية- باستخدام تكتيكات مدمرة للبحث عن أقصى قدر من النفوذ التفاوضي قبل أن يتراجع عن حافة الفشل في إبرام الصفقة؟

أم أننا نشهد التفكيك الذي تقوده الولايات المتحدة للنظام العالمي وما يضم من الأنظمة والمؤسسات التي شيدت بكل بشق الأنفس بعد الحرب العالمية الثانية؟ مع أن هذا البناء معيب ويحتاج إلى إعادة تشكيل، فإنه حمى المصالح الأميركية وحقق مستوى غير مسبوق من السلام والازدهار العالميين على مدى العقود السبعة الماضية.

تضع مجلة الإيكونوميست جوابها عن هذا السؤال على غلاف طبعتها لعطلة نهاية الأسبوع، حيث يركب دونالد ترامب بابتهاج كرة محطمة، والتي يتبين عند الفحص الدقيق أنها الكرة الأرضية، تحت العنوان الصارخ المستغيث: “السياسة الخارجية الأميركية”.

في داخل المجلة، في مقال بعنوان “رجل الهدم”، يعترف الخبير الاقتصادي بأن الرئيس ترامب قد يحقق بعض المكاسب الضخمة على الطريق –إبرام صفقة سلام مع كوريا الشمالية ونزع سلاحها النووي؛ والتوصل إلى حل محتمل لتجنب نشوب حرب تجارية بين الولايات المتحدة والصين -وحتى في المغامرات؛ ربما تغيير النظام الإيراني.

سوف تكون مثل هذه الإنجازات المدهشة رائعة من رجل “يغتبط بكسر محرمات السياسة الخارجية”، كما كتبت مجلة الإيكونوميست. “ولكن، هل يمكن أن ينجزها حقاً”؟ وعندما يسعى السيد ترامب إلى تحقيقها عن طريق ركوب كرة محطمة تتجه نحو الحلفاء والمؤسسات العالمية، ما هو ميزان التكاليف والفوائد لأميركا والعالم”؟

غالباً ما أعطت نقاط الانعطاف الرئيس ترامب مزية الشك.

إن نظامنا العالمي للمؤسسات الدولية غير مناسب ويتطلب الإصلاح. كما تنخرط الصين في ممارسات تجارية غير عادلة والتي تستحق التدارك والمعالجة. وقد فشلت الصفقة النووية الإيرانية التي أبرمتها إدارة أوباما في وقف دعم ذلك البلد للإرهاب وتسببه بالفوضى الإقليمية. ومن دون الضغوط القصوى التي فرضها ترامب من العقوبات والتهديدات العسكرية، ما كان زعيم كوريا الشمالية ليجد الدافع للنظر في احتمال نزع سلاحه النووي.

ومع ذلك، يعبُر الرئيس ترامب خطاً خطيراً عندما تتسبب تكتيكاته غير التقليدية بجروح دائمة للحلفاء والتحالفات، وهي أصول تتمتع بها الولايات المتحدة بشكل فريد بين القوى الكبرى. وسيكون من الصعب الحفاظ على النظام العالمي بهذه الوسائل، بل إن استعادته بعد ضياعه ستكون أكثر صعوبة بكثير.

كان رئيس الوزراء الكندي، جوستين ترودو، محقا في اجتماعات مجموعة السبع هذا الأسبوع عندما قال إن تعريفات ترامب الجمركية، القائمة على فكرة أن بلده (كندا) يشكل تهديداً للأمن القومي الأميركي، كانت “مهينة بصراحة وغير مقبولة”. وقد يكون الرئيس ماكرون محقاً في قوله إن التعريفات “غير قانونية”، وهي فرضية سيتم اختبارها في منظمة التجارة العالمية.

ومع ذلك، فإن النقد الذي يجب أن يلدغ الرئيس ترامب أكثر ما يكون هو أن التعريفات التي فرضها على أوروبا والمكسيك وكندا ليست ذكية. إنها تفتح البوابات أمام بلدان أخرى لاستخدام حجج الأمن القومي الخادعة لإغلاق الأسواق، وهي ترفع التكاليف على المستهلك في الولايات المتحدة، وقد استفزت بالفعل إجراءات مضادة، والتي من شأنها أن تثير المزيد من الانقسام.

لقد وضع الرئيس ترامب الملح في جروح الحلفاء يوم الجمعة عندما جادل بأنه يجب السماح لروسيا بالعودة إلى مجموعة السبعة، لكي تعود مجموعة الثماني مرة أخرى، على الرغم من أن موسكو أُخرِجت من المجموعة بعد ضمها غير الشرعي لشبه جزيرة القرم، إلى جانب مجموعة من الأعمال السيئة الأخرى. وهكذا، وحتى بينما يعاقب الحلفاء في مسألة التجارة، فإنه يريد رفع هذه العقوبة عن روسيا على الرغم من تهديداتها للنظام العالمي. بل إن الجانب الأميركي اعترض على استخدام مصطلح “النظام الدولي القائم على القواعد” في البيان الرسمي لمجموعة السبع، حسب اللغة المتداولة.

كتب أحد مؤسسي “مجلس الأطلسي”، دين أتشيسون، كتاباً بعنوان “حاضر عند الخَلق”، والذي يحكي فيه قصة كيف أن أميركا بنت عالماً جديداً بعد سقوط ألمانيا النازية. والسؤال الذي يجب أن يطرح نفسه الآن، في الوقت الذي تدخل فيه إدارة ترامب عامها الثاني، هو ما إذا كان إرث الرئيس سيكون إرث شخص “حاضر عند تدمير” ما تم بناؤه بشق الأنفس. أم هل ما يزال بإمكاننا العمل مع الأصدقاء والحلفاء ليكون “حاضراً عند إعادة الابتكار”؟

لقد أظهر الرئيس ترامب مهارته في تمزيق الممارسات والهياكل التي لا يحبها، وهو نهج قام بمسارعته مؤخراً. لكن ما لم يظهره بعد هو مهارة المهندس المعماري في بناء شيء أفضل في مكان ما تم هدمه.

وهو شأن مثير للفضول، بالنظر إلى حقيقة أن أي مطور عقاري يدرك أن أولئك الذين يبنون هياكل متينة ومرنة، هم أكثر ترجيحاً لصناعة إرث لأنفسهم من أولئك الذين يدمرون ويهدمون فحسب.

قد توفر محادثات سنغافورة هذا الأسبوع مع الرئيس الكوري الشمالي، كيم جونغ أون، فرصة جيدة لاستبدال الكرة المحطمة ببعض الرافعات والسقالات. ومما يحسب له أنه أبقى حتى الآن حلفاءه اليابانيين والكوريين الجنوبيين على مقربة في فترة التحضير للقمة، على النقيض من الطريقة التي عمل بها مع أوروبا وكندا قبل اجتماع مجموعة السبعة.

قد يرغب ترامب بعد ذلك في جلب أدوات المطوِّر العقاري التي يمتلكها إلى أوروبا لدى حضور قمة دول حلف الناتو في تموز (يوليو). وقد وقع الضرر مسبقا، لكن الأوان لم يفت للإصلاح وإعادة البناء. ومع ذلك، على الرئيس ترامب أن يدرك أولاً أن المخاطر الماثلة الآن أصبحت هائلة، وبمقادير تاريخية.

فريدريك كيمبي

الغد