أزمة الكهرباء الحادة في العراق تعيد تردي الخدمات وفساد المسؤولين إلى الواجهة

أزمة الكهرباء الحادة في العراق تعيد تردي الخدمات وفساد المسؤولين إلى الواجهة

بغداد – كشف الارتفاع الكبير في درجات الحرارة خلال فصل الصيف الجاري في العراق، عجزا حكوميا هائلا عن توفير الخدمات الأساسية للسكان.

وبعد موسم أمطار مميز شهده العراق على غير العادة واستمر حتى مطلع شهر يونيو الماضي، سجلت الأيام الأولى من شهر يوليو الجاري معدلات مرتفعة لدرجات الحرارة، قاربت نصف درجة الغليان مع انتصاف النهار.

ومنذ حرب الكويت عام 1991، وما تخللها من هجمات أميركية على المنشآت الحيوية في البلاد وبينها محطات توليد الطاقة، يعاني العراق عجزا كبيرا في توفير الكهرباء.

وعمّق إسقاط نظام الرئيس السابق صدام حسين من قبل الولايات المتحدة، العام 2003، من العجز العراقي في قطاع الطاقة الكهربائية، لكن الأعوام اللاحقة شهدت تخصيص المليارات من الدولارات لحل هذه المشكلة.

ومنذ العام 2004 تعاقب على إدارة حقيبة الكهرباء وزراء من طوائف وأحزاب مختلفة، فشلوا جميعا في إيصال البلاد إلى نقطة سد الحاجة من منتجها المحلي.

ولا توفر المؤسسات العراقية المختصة أي بيانات ثابتة عن حجم الإنفاق في قطاع الطاقة، لكن خبراء يقولون إنه بلغ نحو 40 مليار دولار منذ 2004.

ووفقا لنظام المحاصصة المعمول به في تشكيل الحكومات العراقية منذ العام 2005، تناوب وزراء سنة وشيعة على حقيبة الكهرباء، أنهى معظمهم مدته متهما بالفساد المالي والفشل في إيجاد حلول لهذه الأزمة المزمنة.

ويشاع في كواليس الأوساط السياسية أن حقيبة الكهرباء من بين الحقائب التي تدفع الأحزاب أموالا طائلة نظير الحصول عليها، بسبب ما تدره من أموال طائلة تأتي من الاعتمادات الحكومية السنوية الموجهة لإصلاح أزمة هذا القطاع.

وتتضمن موازنة البلاد العامة، سنويا، تخصيصات كبيرة لقطاع الكهرباء، تستند إلى الخطط التي تقدمها الوزارة ولا ينفذ منها شيء في العادة.

ويقول مطلعون على كواليس الوضع السياسي العراقي، إن هذه الحقيبة عادة ما تدخل مرحلة مزايدة بين مرشحين من المكون الذي خصصت له، ليحصل عليها في النهاية المرشح الذي قدم للأحزاب العرض الأفضل.

لذلك، فإن جل جهد وزير الكهرباء في هذه الحالة، سيكون مخصصا لاستعادة ما أنفقه في سبيل الحصول على هذه الحقيبة الوزارية المميزة.

وسجلت خلال الأعوام السابقة خروقات كبيرة في عقود الكهرباء تمثلت في التعاقد على محطات توليد لا تتناسب والأجواء العراقية، أو شراء قطع غيار بمبالغ طائلة ظهر أنها غير مطابقة للمواصفات، أو التعاقد مع شركات غير متخصصة أو وهمية لصيانة محطات الطاقة وأبراج النقل.

ولم تتمكن أجهزة الرقابة، إلا في حالات محدودة للغاية، من إدانة المسؤولين المتورطين في إبرام هذه العقود.

ويحصل وزير الكهرباء في الحكومات العراقية المتعاقبة، منذ 2005، على معونة كتل برلمانية مؤثرة كلما تعرض لعملية استجواب أثارها حزب متضرر من سياسة الوزارة أو مجموعة نواب لم يحصلوا على عقد من الوزارة هنا أو هناك كما حدث مع الوزير الحالي، الذي فشلت عملية استجوابه النيابية بعدما أيد معظم النواب أجوبته التي قدمها خلال جلسة المساءلة.

وخلال فصول الشتاء والخريف والربيع، يشهد أداء الوزارة تحسنا كبيرا وتزداد معدلات تجهيز السكان بالكهرباء بسبب تدني معدلات الاستهلاك. لكن فصل الصيف الذي عادة ما يستمر في العراق لنحو نصف عدد شهور العام، يمثل أزمة الكهرباء الكبرى، إذ تنخفض معدلات التجهيز إلى نحو ساعتين يوميا فقط في بعض المناطق، لذلك تزدهر المولدات الأهلية التي تقدم تيارا كهربائيا متقطعا لقاء مبالغ كبيرة تصل في بعض الأحيان إلى ثلثي مرتب موظف عادي.

وحتى منتصف يونيو من هذا العام، كان أداء قطاع الكهرباء الحكومي في العراق متوازنا، لكنه سجل انهيارا كبيرا في الأيام التالية.

وحاولت وزارة الكهرباء ابتكار “حيلة” تمكنها من ضبط معدلات الاستهلاك لدى السكان، عندما أعلنت عن برنامج “خصخصة” تتولى بموجبه شركات من القطاع الخاص جباية أجور الكهرباء الحكومية لقاء تجهيز مقنن بمعدل شبه ثابت وبأسعار مرتفعة نسبيا، قياسا للتعريفة الحكومية القديمة.

وطبق هذا البرنامج في مناطق محدودة من العاصمة بغداد، لكنه جوبه بمعارضة شديدة في مدن الجنوب الغنية بالنفط والفقيرة في معدلات الدخل الشهري.

ويقول المعترضون إن الوزارة المعنية تحتال عليهم بإعادة بيعهم الكهرباء الوطنية بأسعار مرتفعة، متسائلين عن سبب تردي التجهيز إذا كانت معدلات الإنتاج كافية.

ووجهت اتهامات عديدة للوزارة بأنها أوكلت عقود الجباية، في إطار مشروع الخصخصة، إلى شركات مملوكة من قبل أقارب مسؤولين. أما المناطق التي طبق فيها المشروع فقد شهدت استقرارا نسبيا في التجهيز، بالرغم من أن معدلات الاستهلاك انخفضت كثيرا بسبب ارتفاع الأسعار.

ولكن ارتفاع درجات الحرارة، مطلع الشهر الجاري، كشف عجز الوزارة عن تلبية حاجة السكان من الكهرباء في المناطق المشمولة بالخصخصة وغيرها.

وعاد سكان المناطق المشمولة بالخصخصة في بغداد إلى طلب الكهرباء من المولدات الأهلية، وصاروا يدفعون للحكومة وللمولدات، ما ضاعف معدلات إنفاقهم على هذه الخدمة من دون أن يحصلوا عليها بشكل مستمر.

وتشهد مواقع التواصل الاجتماعي في العراق، منذ أيام، حملات واسعة ضد وزارة الكهرباء وأدائها المرتبك. ويقول مراقبون إن هيمنة الأحزاب الإسلامية على عملية توزيع الحقائب الوزارية ستعني استمرار أزمة الكهرباء في العراق.

ولا يتفاءل كثيرون بحصول تغيير بعد تشكيل الحكومة الجديدة، التي ربما ترى النور قبيل نهاية العام الجاري، وسط توقعات ببيع حقيبة الكهرباء إلى مرشح يقدم أفضل العروض داخل المكون الذي سيحصل على هذه الوزارة ضمن نظام المحاصصة.

العرب