الاقتصاد العراقي: بين مطرقة الفساد وسندان التظاهرات

الاقتصاد العراقي: بين مطرقة الفساد وسندان التظاهرات

حجم الخسائر الاقتصادية بسبب المظاهرات

شذى خليل*

يعتمد العراق في إعداد الموازنة العامة على حوالي (95-98%) من إيراداته العامة ، على عائدات النفط ، خصوصاً بعد تأخر إنتاجية القطاعات الصناعية والتجارية والزراعية لديه ، وتدمير آلاف المنشآت والمصانع بسبب الاحتلال والحروب والصراعات الداخلية ، اذ أصبح اعتماده على إيراداته النفطية اعتماداً شبه كلياً.
تشكل الموارد النفطية للعراق أكثر من (89%) من ميزانيته المالية ، وتمثل (99%) من صادراته ، وتعد محافظة البصرة مركز العراق الرئيسة لإنتاج النفط ، حيث تنتج نحو (95%) من إجمالي صادرات البلاد ، كما أنها المنفذ البحري الوحيد للعراق ، ومن موانئها يتم شحن جميع كميات النفط الخام المصدر للأسواق العالمية ، حيث شهد ميناء أم قصر ، أكبر موانئ العراق ، إغلاقاً أو توقفاً إجبارياً من قبل المحتجين ، وهو ما أكده وزير النفط العراقي “جبار اللعيبي” حين قال أن المتظاهرين حاولوا اقتحام أحد المواقع النفطية في حقل غرب القرنة الثاني ، وتسببوا في إحراق بعض أبنية البوابة الخارجية ، ما نتج عنه خسائر أولية تقدر بالآتي :
1. توقف عمل شركة “لوك أويل” الروسية في حقل غرب القرنة الثاني ، ما يعني أن الحكومة بحسب العقد المبرم وجولة التراخيص ، يتوجب عليها أن تدفع ما قيمته “برميل واحد” مقابل كل “خمسة براميل” مُنتجةَ في هذا الحقل ، ومن الضروري الإشارة إلى أن هذا الحقل ينتج “200” ألف برميل يومياً .
2. إن حصة الشركة الروسية المترتبة على ما تضمنته الفقرة “1” السابقة ، حوالي خمس الإنتاج اليومي ، وهو ما يعادل بلغة الأرقام “40” ألف برميل يومياً ، وإذا ما تم ضرب هذه الكمية في سعر تقريبي “70” دولاراً للبرميل الواحد ، فإن إجمالي المبلغ الناتج سيبلغ حوالي (2.8) مليون دولار أميركي يومياً ، يُوجِب على الحكومة العراقية دفعه كتعويضات إلزامية يومية للشركة الروسة “لوك أويل” نتيجة توقف عملها اليومي بسبب التظاهرات ، وهذا يعني بمعنى آخر ، إن أجور الشركة مدفوعة طوال فترة سريان العقد المبرم مع الحكومة العراقية ، سواءا توقف عملها لأسباب أمنية ، أو لأسباب أخرى تقع مسؤوليتها على الحكومة العراقية .
3. إن حقل غرب القرنة الثاني ، يحتوي على ثلاثة أبراج استطلاع ، وبرجين للحفر ، علماً أن كلفة إيجار الأبراج الاستطلاعية الثلاثة هي “90000” تسعين ألف دولار يومياً ، في حين تقدر كلفة إيجار برجي الحفر بـ(100000) مئة ألف دولار يومياً ، لتبلغ الخسائر اليومية للعراق نتيجة ذلك حوالي (3) ثلاثة ملايين دولار أميركي يومياً كخسائر محددة من حقل غرب القرنة الثاني حصراً .
4. بالإضافة إلى ما تقدم ، ينبغي الإشارة إلى توقف خمسة أبراج / آبار أخرى غير المشار إليها آنفاً ، من المفترض عودتها إلى العمل خلال أسبوعين ، وبعد إجراء الصيانة اللازمة لها ، بطاقة إنتاجية يومية تقدر بـ(25000) خمس وعشرين ألف برميل يومياً ، حصة الشركة الروسية منها (5000) خمسة آلاف برميل يومياً ، أي حوالي (350000) دولار يومياً ، ما يضيف إلى الخسائر المشار إليها آنفاً ، خسائر مالية إضافية تتكبدها العراق يوميا ، وخارج الحسابات هذه ، أضف مبالغ أخرى تتحملها العراق والخاصة بأعمال الصيانة الدورية والطارئة ، وغيرها من المصروفات .
5. يذكر أن مجموعة من الشركات النفطية العالمية المتعاقدة مع العراق ستدخل في جولة تراخيص جديدة قادمة في حقول قريبة سترفع على إثرها من شروطها الجزائية ، وتعزز موقفها لتحمي أرباحها ، فضلاً عن أنها ستطلب توفير شركات أمنية خاصة تحتسب أجورها بنظام القطعة / الساعات ، تتحمل أعباء دفعها الحكومة العراقية خاصةً بعد التدهور الأمني الذي يشهده العراق .
6. كما دخلت الشركات “برتش بتروليوم” البريطانية ، و “أوكسن موبيل” الأميركية ، و “ايني” الإيطالية ، و “بتروجينا” الصينية ، المنطقة الحمراء من الخطر ، وبدأت تُرَحِّل خبرائها الكبار إلى الكويت ودبي والدوحة ، والذي سيؤثر بدوره بشكل كبير على الإنتاج العراقي مؤقتاً في باقي الحقول الأخرى .
7. إضافة إلى ما تقدم من مؤشرات في خسائر العراق الاقتصادية ، يأتي غلق منفذ سفوان الحدودي مع الكويت ، الذي يعد ثالث منفذ حدودي أغلق أثر التظاهرات التي تشهدها محافظات جنوب ووسط العراق ، بعد غلق ميناء أم قصر ، ومنفذ الشلامجة الذي يقع شرق محافظة البصرة ، ويبعد عن مركز مدينة البصرة حوالي ثلاثين كيلو متراً ، حيث توقف دخول المئات من الشاحنات المحملة بالبضائع والسلع إلى البصرة يومياً ، إضافة إلى الزوار الإيرانيين القادمين لزيارة العتبات المقدسة في العراق منه ، ما يعني توقف إيرادات مالية من حوالي ألف شاحنة إيرانية تعبر من خلاله يومياً .
8. إن توقف أو منع مرور الشاحنات من المنافذ الحدودية البرية العراقية ، سيؤثر بشكل كبير على حركة التجارة في الموانئ العراقية من جهة ، وسيدفع التجار إلى تحويل بضائعهم إلى منافذ أخرى من جهة ثانية ، وهذا سيؤثر بدوره على الجانب الاقتصادي لمدينة البصرة بصفة خاصة ، والعراق بصفة عامة ، ويرى خبراء الاقتصاد ومنهم همام الشماع “أن اغلاق الموانئ والمنافذ الحدودية والمطارات ، سيشل الحركة الاقتصادية في البلاد بشكل عام ، خاصة آبار النفط ، مما سيؤدي إلى إيقاف الإنتاج الذي يحتاج إلى عدة أشهر قبل أن يتعافى ليستأنف أنشطته من جديد ، واصفاً هذه الموجة بالمدمرة للاقتصاد العراقي” ، وأضاف الشماع “إن إغلاق المنافذ الحدودية سينذر بشحة البضائع مع ارتفاع كبير في الأسعار في المناطق التي تشهد موجة التظاهرات” .
9. من المرجح أن يواجه الاقتصاد العراقي أزمة كارثية ، فيما لو توقف انتاج النفط في الموانئ الجنوبية ، لاسيما وأن الموازنة تعتمد بشكل كلي على إيرادات النفط التي تشكل البصرة نسبتها الأكبر.
10. إن إغلاق أو توقف حركة التعاملات الاقتصادية لميناء أم قصر ، يعني حرمان الاقتصاد العراقي من حوالي (25) مليار دينار شهرياً على أقل تقدير ، إذ تشير التقارير إلى أن حجم الإيرادات المالية السنوية لميناء أم قصر الشمالي وحده للعام المنصرم (2017م) تجاوزت الـ(170) مليار دينار ، فضلاً عن حرمان الكثير من الأيادي العاملة من مصادر الدخل الشهري ، ما سيسبب خسائر اقتصادية فادحة للعراق .
11. وهو ما أكده الأكاديمي الإقتصادي “محمد عبد الرحمن” حين أشار إلى أن الاحتجاجات الشعبية التي عمت محافظات جنوب ووسط العراق قد تصل إلى حد قطع تصدير النفط ، وأضاف ، إن نسبة البطالة في العراق وفق إحصائيات غير دقيقة تجاوزت (30%) ، كما أوضح أن تشغيل قطاعات الصناعة والسياحة بشكل منظم ، سيخفف من نسبة البطالة الموجودة بين الفئة الشبابية في البلاد ، وعن تأثير الاحتجاجات الشعبية على القطاع النفطي وتصديره ، أكد “عبد الرحمن” أن المظاهرات الحالية توجه رسائل إلى الحكومة وقد تصل إلى قطع تصدير النفط ، وهو ما ينذر بتأثيرات سلبية على القطاع النفطي في العراق .
12. الإجراءات التي اتبعتها أغلب الشركات الأجنبية التي تعمل في قطاع النفط في العراق والمتمثل بسحب موظفيها ومستشاريها جراء التوتر الحاصل في المناطق التي تشهد الاحتجاجات الشعبية ، ستؤثر سلباً أيضاً على الاستثمار في البلاد ، ما يفاقم من الخسائر الاقتصادية التي يتكبدها العراق .
13. وغير بعيد عن البصرة ، وتحديداً في النجف ، فقد اقتحم متظاهرون غاضبون مطار النجف الدولي في أول يوم تشهد فيه هذه المدينة تحركا احتجاجيا ، ما أدى إلي إيقاف الحركة الجوية ، فيما سارعت وزارة النقل العراقية إلى تحويل الطائرات من مطار النجف إلى بغداد وباشرت بنقل المسافرين براً كإجراءٍ طارئٍ لتفادي خسائر مالية ، لكن ، وفي وقت لاحق استأنف مطار النجف رحلاته الجوية ، بعد أن بعث برسالة غير مطمئنة للعالم ، الأمر الذي دفع الخطوط الجوية للكثير من الدول إلى إلغاء رحلاتها المتجهة إلى مدينة النجف ، بسبب الظروف الأمنية المربكة فيه .
14. ولم تقتصر التظاهرات على هذه المحافظات وحسب ، فقد طالت العاصمة الاتحادية بغداد ، التي شهدت تظاهرات في ساحة التحرير وفي منطقة الشعلة ، لتصل تداعياتها إلى محاصرة المتظاهرين لمصفى الدورة النفطي بحسب شهود عيان ، ورفع المتظاهرون شعارات مطالبة بتحسين الخدمات والطاقة الكهربائية ومحاسبة سراق المال العام .
15. إضافة إلى الخسائر التي تكبدها الاقتصاد العراقي آنفة الذكر ، أضاف توقف خدمات الانترنت خسائر أخرى ، إذ ذكر تاجر عراقي “أحمد العقابي” أن خسارته نتيجة انقطاع خدمة الإنترنت ، وحجب مواقع التواصل الاجتماعي وتوقف الخدمات المصرفية عبر الإنترنت ، بلغت ربع مليون دولار ، واوضح ان انقطاع خدمة الإنترنت قد كلف العديد من التجار ، الكثير من الخسائر ، نتيجة توقف تعاملاتهم مع دول شرق آسيا باستخدام خدمة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي ، في اختيار البضائع واستيرادها ، وتحويل الأموال باستخدام الخدمات المصرفية عبر الإنترنت ، وأضاف أن استمرار انقطاع خدمة الإنترنت ، سيكلف الاقتصاد العراقي خسائر كثيرة ، إضافة إلى ارتفاع أسعار البضائع ، مؤكداً أن التجار قدموا طلباً للحكومة العراقية لإعادة خدمة الإنترنت ، وإرجاعها بصورة طبيعية وعاجلة ، كون العديد من العمليات التجارية تعتمد بشكل أساسي على خدمة الإنترنت ومواقع التواصل .
16. بدورها كشفت شركة ماركت وينغز للتسويق الرقمي واستشارات التواصل الاجتماعي عن خسارة العراق لأكثر من أربعين مليون دولارا يومياً ، نتيجة انقطاع خدمة الإنترنت ، التكنولوجيا التي أصبحت جزء مهم وأساسي من الحياة ، وحاجة يومية ماسة للناس في مختلف القطاعات ، كالتعليم والصحة والأمن والتجارة ، وأن بيانات “كوست تول وبيت بلوكس” التي خمنت الآثار والفرص ، تظهر بأن إغلاق خطوط الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي يكبد العراق خسائر مالية تقدر بأربعين مليون دولار يومياً.
وبناءا على ما تقدم ، يرى مراقبون سياسيون في العراق أن السبب الرئيس لهذه التظاهرات ، يكمن في تراكمات الفشل ، والفساد المالي والإداري الذي عجزت كل الحكومات التي توالت على السلطة في العراق منذ عام ألفين وثلاثة وحتى اليوم عن معالجته والحد منه .

 

وحدة الدراسات  الاقتصادية 

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية 

Print Friendly, PDF & Email