العراق من سطوة داعش إلى غطرسة ميليشيات تدعمها إيران

العراق من سطوة داعش إلى غطرسة ميليشيات تدعمها إيران

 

 

بغداد – منذ أن أعلن رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي في أواخر عام 2017 عن تحرير البلاد من سطوة تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي، حذّر مراقبون عراقيون ودوليون من إمكانية السقوط في منزلق التوجّه بالبلاد من غطرسة داعش إلى سطوة الميليشيات الشيعية المدعومة من طهران التي تعتبر نفسها المنقذ الوحيد للبلاد.

وأعاد أندرو إنغلاند محرر شؤون الشرق الأوسط بصحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية، الحديث عن تحوّل وحدات الحشد الشعبي إلى معادلة صعبة في المشهد السياسي العراقي بدعم مكشوف من حكومة طهران.

وارتكزت الصحيفة في تقريرها على نشر موقع وحدات الحشد الشعبي مقطع فيديو ظهر فيه بعض رجال الميليشيا وهم بصدد قيادة شاحنات مسلّحة متّجهة عبر الصحراء الغربية العراقية لتنفيذ مهمة في مدينة القائم الحدودية والتي تعتبر واحدة من أهم المعاقل الأخيرة التي تمّ تطهيرها من سطوة داعش.

وأكدت أن عناصر وحدات الحشد الشعبي اعتلت تلاّ صخريا في المدنية ملوحة ببنادق أميركية الصنع من طراز “أم 16”، وأن آخرين يحملون بنادق الكلاشينكوف لتمجيد “شجاعتهم” و”حربهم الشرسة” ضد مقاتلي التنظيم الإرهابي.

ووفق نفس مقطع الفيديو، فإن عناصر وحدات الحشد الشعبي لا تتوق لخوض المزيد من المعارك بقدر ما تسعى للإعراب أمام الجميع عن أهمية دورها في المساعدة في إعادة بناء مستشفى محلي بمدينة القائم عقب طرد الجهاديين منها في نوفمبر الماضي، أي قبل شهر من إعلان العراق الانتصار على تنظيم الدولة.

وأوضح أندرو إنغلاند أن الفيديو المذكور اكتسى أهمية كبرى من كونه نُشر قبل أيام قليلة من فوز التحالف السياسي الذي يمثل القوات شبه العسكرية (فتح) بالمركز الثاني في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في شهر مايو الماضي.

الميليشيات تقتحم السياسة

رغم أن بوادر شبح الإفلاس قد بدأت تخيّم على الفصائل الشيعية العراقية المرتبطة عضويا وهيكليا بإيران بسبب تأزم الوضع الاقتصادي في طهران بفعل تضييق الخناق عليها بعقوبات أميركية متواترة منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني، إلاّ أن الكثير من المتابعين يقرون في المقابل بأنّ هذه التشكيلات شبه العسكرية قد تحوّلت في العراق إلى ما يشبه الحرس الثوري الإيراني أو حزب الله في لبنان عبر تمكنها من السيطرة بصفة تدريجية على مفاصل الدولة.

وأكد أنه في الوقت الذي يتنافس فيه السياسيون حول تشكيل الحكومة المقبلة، يبعث فحوى مقطع الفيديو إلى استحضار أحد أكثر الأسئلة رواجا في العراق، هل قوة وحدات الحشد الشعبي التي يبلغ عدد عناصرها 120 ألفا لها دور بنّاء أم مزعزع للاستقرار في عصر ما بعد داعش؟

ويعتبر المؤيدون لوحدات الحشد الشعبي، أن عناصرها هي من أنقذت العراق من سطوة تنظيم داعش على ثلث البلاد تقريبا، وقُتل حينها حوالي 8000 من أعضائها في معركة دامية استمرت ثلاث سنوات.

في المقابل، يرى المنتقدون للميليشيات الشيعية أن وحدات الحشد الشعبي تمثّل أحد وكلاء إيران وتعتبر أيضا في نظرهم قوة تخريبية محتملة في بلد عانى من أعمال عنف مروعة على مدى السنوات الـ15 الماضية التي عقبت سقوط نظام صدام حسين على أيدي الميليشيات التي استغلت ضعف الدولة لإثارة التوترات الطائفية.

وأشار التقرير إلى أن استقواء وحدات الحشد الشعبي بات يثير مخاوف لدى بعض المسؤولين العراقيين والغربيين من أن تصبح الجماعات شبه العسكرية الشيعية قوة في الظل، على شاكلة الحرس الثوري الإسلامي الإيراني أو حزب الله، حيث يقول جنرال عراقي “إنها قوات خُلقت بأيدي إيرانية، يقودها أشخاص يتبعون طهران، فإيران لديها قوات الحرس الثوري، والعراق لديه وحدات الحشد الشعبي”.

في المقابل، انتقد هادي العامري، القائد السياسي شبه العسكري، الذي حث قوات الحشد الشعبي على خوض هذه المعارك، المواقف الرافضة لاستقواء عناصر الحشد قائلا “نحن لا نقبل التفكير بهذه العقلية الخاطئة، يحدث نفس الشيء في الحرس الوطني في أميركا، هذا أمر داخلي”.

هنا، أوضح كاتب التقرير الصحفي أنه، وعلى عكس الحرس الثوري الإيراني وحزب الله، فإن وحدات الحشد الشعبي، التي تضم عشرات الفصائل، ليست حركة متجانسة.

وذكّرت فاينانشال تايمز بإرسال بعض عناصر الميليشيات الموالية لإيران في وحدات الحشد الشعبي قوات إلى سوريا للقتال إلى جانب نظام بشار الأسد وإصدارها تهديدات ضد المصالح الأميركية في العراق، مستندا إلى اتهام مايك بومبيو، وزير خارجية الولايات المتحدة، طهران برعاية “مجموعات الميليشيات الشيعية والإرهابيين للتسلل إلى قوات الأمن العراقية وتقويضها وتهديد سيادة العراق”.

إذا لم يتم تهديد مكاسب وحدات الحشد الشعبي، فقد تكون “قوة جيدة”، وستكون لديهم العديد من المطالب وسيضعون أنفهم في كل شيء

يشار إلى أن وزارة الخزانة الأميركية قامت بفرض العقوبات على أبومهدي المهندس نائب قائد وحدات الحشد الشعبي، ومستشار قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني في العام 2009 بزعم أنه “يهدد السلام واستقرار حكومة العراق” لتصنفه في أكتوبر الماضي كإرهابي، كما تصنف ميليشيا حزب الله التابعة له كمنظمة إرهابية.

وكان سليماني قد حذر الولايات المتحدة من أن تهدد إيران بقوله “نحن قريبون منكم أكثر مما تتخيلون”، وفقا لما ذكرته وكالات الأنباء الإيرانية. وكل هذا يعني بشكل ضمني أن إيران مستعدة لاستخدام قواتها ووكلائها خارج الجمهورية الإسلامية لمحاربة الولايات المتحدة.

ويعتقد روبرت فورد، الذي تعرض للاختطاف على يد ميليشيا شيعية في عام 2003 خلال أول فترة من تعيينه كدبلوماسي أميركي في العراق، أن العامري يفضل عدم الانحياز لأي جهة، سواء كانت إيران أو الولايات المتحدة، ولكن إذا تصاعدت الأعمال العدائية بين الطرفين بحدة، فإن ولاءه سيكون في النهاية لطهران.

وأضاف فورد، وهو باحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأوسط “أن العامري ومن يقربون من جميع شيعة العراق يفهمون أن النفوذ الأميركي في المنطقة سيتلاشى عاجلا أم آجلا، لكن إيران ستظل دائما جارتهم”.

الجدير بالذكر، أن ميليشيات وحدات الحشد الشعبي أنشئت بعد أن أصدر آية الله علي السيستاني، وهو رجل دين شيعي كبير في العراق، دعوة إلى القتال في يونيو 2014 في أعقاب الانهيار المهين لقوات الأمن العراقية، حيث أنفقت الولايات المتحدة أكثر من 20 مليار دولار في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية.

وبينما كان الجهاديون يقاتلون عبر شمال وغرب العراق، وهم يتقدمون في طريقهم نحو بغداد، قام الشباب بالاصطفاف خلف شاحنات صغيرة وقواعد عسكرية خارجية ليقفوا في الخطوط الأمامية.

وكان بعضهم متطوعين، ومعظمهم كانوا أعضاء في الميليشيات الشيعية، مثل حركة بدر التابعة لعامر، التي تشكلت في إيران خلال الثمانينات لمحاربة نظام صدام حسين، وأيضا حركة عصائب أهل الحق، وهو فرع متطرف لميليشيا جيش المهدي التابعة لرجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، التي هاجمت القوات الأميركية بعد الإطاحة بصدام، وكذلك كتائب حزب الله.

وقد عملت وحدات الحشد الشعبي بشكل تدريجي على جذب المقاتلين من مجتمعات أخرى، بما في ذلك السنّة والمسيحيون واليزيديون، حيث اتخذت الحركة شكلا أقل طائفية. وقد دعمت وحدات الحشد الشعبي الهجمات التي قادتها قوات الأمن العراقية التي أعيد بناؤها والتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في معركتها ضد الجهاديين وعناصر تنظيم داعش.

ومنذ ذلك الحين، قللت القوات شبه العسكرية، وفق التقرير، من وجودها في شوارع بغداد، إلاّ أن قادة وحدات الحشد الشعبي قاوموا جهود رئيس الوزراء حيدر العبادي لدمجهم في القوات المسلحة، ليقر البرلمان العراقي في نوفمبر 2016 قانونًا يجعل من وحدات الحشد الشعبي قوة مستقلة لديها ميزانيتها الخاصة والبالغة 1.6 مليار دولار، وترفع تقاريرها مباشرة إلى مكتب رئيس الوزراء وليس لوزارة الداخلية أو لوزارة الدفاع.

ورغم أن حيدر العبادي حاول الحصول على مراجعة مستقلة لأعدادها، رفض قادة وحدات الحشد الشعبي، القيام بذلك بحسب ما قاله أحد السياسيين العراقيين.

اتهامات لوحدات الحشد الشعبي بأنها وكيلة إيران وقوة تخريبية في بلد عانى من أعمال عنف مروعة على مدى السنوات الـ15 الماضية التي عقبت سقوط نظام صدام

وبعد أن تحرّرت المناطق الدورية الخاضعة لوحدات الحشد الشعبي من تنظيم داعش بالكامل، بما في ذلك الحدود الاستراتيجية مع سوريا حول مدينة القائم، إلا أن الوحدات تواصل تشغيل نقاط تفتيش في جميع أنحاء البلاد.

وقال ريناد منصور، المحلل في مؤسسة تشاتام هاوس للأبحاث، والذي قام بإجراء أبحاث على وحدات الحشد الشعبي، إن العامري “يلعب لعبة الدولة عندما يرى ذلك مناسبا له”، مضيفا “إن نهاية اللعبة بالنسبة لوحدات الحشد الشعبي هي إما السيطرة على الدولة، وإما أن تكون جزءا من الدولة على الأقل إذا لم تكن قادرة على ذلك.

وأكد أن لديهم أيضا خطة بديلة، حيث إذا قررت الدولة ذات يوم أنها بحاجة إلى دمج أو حل وحدات الحشد الشعبي، فإنها يمكن أن تحصل على السلطة أو التأثير من خلال محاربة الدولة اقتصاديا وسياسيا.

ويعتبر الكثير من الخبراء أنه من غير الواقعي توقع أن يحزم عشرات الآلاف من الرجال المسلحين أمتعتهم وأن يذهبوا إلى منازلهم بهذه البساطة.

ويؤكدون أن مثل هذه الخطوة التي تنتهجها قوات الحشد الشعبي في بلد يفيض بالأسلحة وتتفشى فيه البطالة على نطاق واسع لن تؤدي إلا إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار، حيث يشير العراقيون إلى الفوضى التي اندلعت بعد قرار الولايات المتحدة حل قوات الأمن في عام 2003.

وقد سمح الفراغ بازدهار وانتعاش قوات الميليشيات بالعراق، بما في ذلك الجماعات الشيعية والسنية المتنافسة التي خاضت المعارك ضد قوات التحالف والمعارك الطائفية، وأيضا مقاتلو البيشمركة الموالون للأكراد.

وقال منصور إن “الجماعات المسلحة المرتبطة بالأحزاب السياسية تعتبر مشكلة كبيرة في جميع أنحاء البلد. وقد تكون وحدات الحشد الشعبي أكبر مثال على ذلك الآن”، مؤكدا أن هذا “جزء من قضية أكبر حول كيفية إنهاء احتكار العنف الشرعي في جميع أنحاء العراق”.

اتهامات بنهب الدولة

تتهم عناصر وحدات الحشد الشعبي بارتكاب انتهاكات ضد السنة في الحرب ضد تنظيم داعش، حيث أكدت منظمة العفو الدولية في العام الماضي أن القوات شبه العسكرية “أعدمت وقتلت بطريقة غير مشروعة، وعذبت واختطفت الآلاف من الرجال والصبيان”.

وقال التقرير إن الميليشيات تقوم باستغلال المعدات الأميركية المقدمة للجيش العراقي بما في ذلك سيارات هامفي، وناقلات الجند المدرعة “أم 113” والأسلحة الصغيرة.

وجزم بعض المحللين والعراقيين أن وحدات الحشد الشعبي تقوم أيضا بتوسيع مصالحها التجارية وتقوم بنفس عمليات التهريب كما كانت تفعل جماعات داعش ذات يوم، بدءا من الأغنام إلى الحبوب والنفط.

وقال محلل عراقي “في الأماكن التي يسيطر فيها داعش على الأراضي، ظهرت مجموعات من وحدات الحشد الشعبي تقوم بحراسة نقاط التفتيش حتى يمر المهربون عبر تركيا أو سوريا من خلالها”.

من جهته، أكّد أحد السياسيين العراقيين أن “كل واحدة من هذه المجموعات هي أفراد عصابات متورطون في نهب هذه الدولة”، بينما يقدم موقع وحدات الحشد الشعبي على الإنترنت سردا بديلا يسلط الأضواء على أعمالها في تقديم الخدمات الطبية والتوفيق بين القبائل وإصلاح المساجد والطرق والجسور والمدارس في المناطق المحررة، بل ويتحدث قادتها عن رغبتهم في إنشاء “جامعة الشهداء”.

أما المحلل الأمني الألماني ناثانيل رابكين، ​​فقال إن محاولة الاتجاه إلى الأوساط الأكاديمية هي مثال على كيفية رغبة وحدات الحشد الشعبي في أن يكون لها دور إيديولوجي في “تشكيل الطريقة التي يمضي بها العراق”، مضيفا أن جزءا من ذلك هو الحد من التأثير الغربي.

الجماعات المسلحة المرتبطة بالأحزاب السياسية تعتبر مشكلة كبيرة في جميع أنحاء البلد، وقد تكون وحدات الحشد الشعبي أكبر مثال على ذلك الآن

وأضاف “هم أذكياء بما فيه الكفاية ليفهموا أنه سيكون من الخطأ تماما أن يسيروا على خطى الحرس الثوري الإيراني، لكن بمشاهدة مقابلات مع العامري وهو يتحدث عن كيف أن وحدات الحشد الشعبي هي جيش أيديولوجي وأن العراق يخوض حربا أيديولوجية حينها يصبح واضحا أن هذا المشروع يدور حول شيء أكبر بكثير وأطول أجلا”.

ولكن المشروع سيعتمد كثيرا على مدى تمركز القوى في الحكومة القادمة. وكان الصدر، رجل الدين الشيعي الذي يقود تحالفه السياسي “سائرون” والذي يلقي بالمحادثات والتصريحات لتشكيل ائتلاف بعد الفوز بأكبر نصيب من الأصوات في انتخابات مايو الماضي، قد دعا في السابق إلى حل وحدات الحشد الشعبي، وشدد في خطاباته على ضرورة مقاومة تأثير إيران.

لكن الصدر بدوره لديه ميليشيا خاصة به، وهي جيش المهدي، والتي شهدت تراجعا بعد حملة قمع مارستها القوات العراقية وقوات التحالف في أواخر العقد الماضي، ومنذ ذلك الحين تم تغيير اسم الميليشيا إلى “سرايا السلام”.

وكان الصدر والعامري قد قالا إن ائتلافهما يخلق “تحالفا وطنيا” لقيادة المحادثات حول تشكيل الحكومة. وقال كريم النوري، وهو سياسي من حركة فتح، “إن بعض قادة قوات الحشد الشعبي أصبحوا سياسيين، لكنهم يخدمون العراق لحماية الدولة”، في حين تظهر صورته بالزي العسكري وهو في معركة ضد داعش معلقة خارج مكتبه.

ويعتبر محللون أنه إذا لم يتم تهديد مكاسب وحدات الحشد الشعبي، فقد تكون “قوة جيدة”، مؤكدين أنه “ستكون لديهم العديد من المطالب وسيضعون أنفهم في كل شيء، تماما مثل الحرس الثوري الإيراني، لأن عامل الضغط الأهم الذي أوجدته إيران بعد حزب الله هو وحدات الحشد الشعبي”.

ويرفض العامري، وهو رجل في الستينات من عمره، هذه المزاعم قائلا “تخلصوا من هذا الفكر، اذهبوا وفككوا الحرس الوطني في أميركا والسعودية ثم ارجعوا إليّ. إذا قمتم بحل البيشمركة سنقوم بحل وحدات الحشد الشعبي، لكنكم تقبلون البيشمركة وتشجعونها. وهذا كمن يكيل بمكيالين”.

العرب