تحولات العالم الرأسمالي: من الإمبراطورية إلى الإمبريالية إلى العولمة؟

تحولات العالم الرأسمالي: من الإمبراطورية إلى الإمبريالية إلى العولمة؟

ترتكز فكرة قدوم طور “جديد” من الرأسمالية، وهي شيء يحل محل الإمبريالية التي تحدث عنها لينين، على فرضية بسيطة: ربما تكون الهيمنة العالمية للولايات المتحدة بصدد الوصول إلى نهاية. فاليوم، تتركز الإمبريالية الأميركية على ميزانية عسكرية سنوية تبلغ 600-زائد مليار دولار، وما يقدر بنحو 1.000 قاعدة عسكرية تعمل في 80 بلداً في مختلف أنحاء العالم. أما لِكم من الوقت يستطيع هذا النظام من “الجيش-الدولة” للهيمنة العالمية الاستمرار، فسؤال مفتوح.
*   *   *
لا يسع المرء سوى أن يتساءل عما كان ليفكر به ماركس -ناهيك عن لينين- حول الطبيعة الراهنة للرأسمالية العالمية. فقد حققت هذه الرأسمالية أسوأ كوابيسهما، وأصبحت نظاماً للاستبداد والنهب، وإنما من دون ديالكتيك ثوري فدائي.
استند اليسار المتطرف خلال القرن ونصف القرن الماضيين إلى تحليل ماركس -ورؤيته الطوباوية- للرأسمالية وتناقضاتها الداخلية المتأصلة، وخضوعها الحتمي للشيوعية في نهاية المطاف، وأن البروليتاريا تستطيع -وستفعل!- إسقاط البرجوازية، بحيث ييتم استبدال النظام الاقتصادي القائم على تبادل السلع بعالَم قائم على المساواة الاجتماعية، والثروة المشتركة والوئام البيئي -من كل حسب قدرته/ قدرتها إلى كل حسب حاجته/ حاجتها.
ولكن، هل ما يزال هناك أحد يؤمن بهذه الإمكانية، ناهيك عن التحليل النقدي الذي عززها؟ و، إذا لم يكن الأمر كذلك، هل ثمة بديل جذري ممكن؟
من المحزن أن بروليتاريا ماركس -طليعة الطبقة العاملة- تبدو مهزومة، وقد اختفت من المسرح التاريخي؛ وحزب لينين الطليعي أنهى مهمته التاريخية قبل عقدين عندما انهار الاتحاد السوفياتي ذات مرة، بينما حلت محل اشتراكية الدولة عصبة من المافيا الفاسدة التي تحكم روسيا؛ وتحولت صين ماو إلى مؤسسة شركاتية عملاقة تديرها الدولة. وحركات التمرد في أميركا اللاتينية، وآسيا وإفريقيا، إما تم سحقها، أو تم دمجها في الدولة الرأسمالية -أو أنها، مثل كوبا، تتشبث بالحياة العزيزة.
في الولايات المتحدة، تناضل النقابات المتقلصة بيأس من أجل البقاء؛ والاشتراكيون -عفواً، “الاشتراكيون الديمقراطيون”- ليسوا سوى ظلال حسنة النية لديمقراطي (أي “تقدميي”) الشركات؛ وتم اختزال السياسة إلى هوية فردية؛ والمتمردون من مستوى الجذور طاردتهم الدولة الأمنية المخابراتية المحلية الفيدرالية؛ والراديكاليون المتشددون يتشدقون برؤاهم في غرف الصفوف الجامعية، وزوايا الشوارع والمواقع الإلكترونية مثل المبشرين القدامي الذين ينبحون على القمر.
ما الذي حدث للنسخة الطوباوية المتطرفة –الاشتراكية، الشيوعية، الفوضوية- التي كانت، على مدى القرن ونصف القرن الماضيين، “النجم الشمالي” الهادي للإمكانية الاشتراكية؟ ولـ”اليسار” الثوري بكل تجلياته، الذي حارب بشجاعة في “كميونة باريس” في العام 1871، وفي كونشتاد في العام 1921، وديترويت في العام 1933، وبرشلونة في العام 1937، وهنغاريا في العام 1956، وشيكاغو في العام 1968، وسويتو في العام 1967، و”احتلوا” في العام 2011، وتشارلوتسفيل في العام 2017، وفي معارك أخرى لا عدد لها في جميع أنحاء العالم.
لعل الأكثر إقلاقاً للأميركيين هو أن ثمة مواجهة رئيسية تبدو قيد الاختمار. ويقوم دونالد ترامب واليمين المسيحي الرجعي باستفزازها، لكن ثمة أزمة هيكلية أكثر عمقاً قيد العمل أيضاً. فبينما تتغذى باستياء القوميين البيض، تقوم الـ”1 %” باعتصار كل سنت يمكنها الحصول عليه من العاملين في الأمة، مدفوعة بخوف من حلول الفوضى الكاملة في القريب. ويبدو أن الرأسمالية تمر بتحول أساسي لا يمكن وقفه -واحد يمكن تصوره بأبسط الطرق على أنه تطور إضافي من الإمبراطورية، إلى الإمبريالية، إلى العولمة.

*  *  *
لطالما كان العالَم كُلاً متكاملاً. ومنذ أيام المستكشفين الأوروبيين الأوائل -والمستعمرين- في القرن الخامس عشر، أصبحت الروابط التي تلزم الاقتصاد العالمي أكثر شدة باطراد. وقد رسم العديد من الاقتصاديين والمؤرخين، من المشارب الأيديولوجية كافة، ملامح إنضاج تدويل الرأسمالية. وفعل إيريك هوبسباوم ذلك في خمسة أعمال مهمة: “عصر الثورة: 1789-1848″؛ “عصر رأس المال: 1848-1875″؛ “عصر الإمبراطورية: 1875-1914″؛ و”عصر التطرف: 1914-1991”.
وتؤطر هذه الأعمال مراحل حقبة تطور الرأسمالية الحديثة. وتشكل مرحلة ما بعد 1991، منذ انهيار الاتحاد السوفياتي حتى اليوم، الحقبة الحالية للعولمة.
تظهر دراسات هوبسباوم، ودراسات الكثير من الآخرين، أن كل الدول القومية الأوروبية تقريباً -أي، إنجلترا، وفرنسا، وإسبانيا والبرتغال- أمّنت لنفسها أراضٍ أجنبية موزعة في كل أنحاء الكوكب، وإقامت، من خلالها، إمبراطوريات متمايزة.
عملت الحروب المتواصلة بين هذه الدول -مثل تلك بين البريطانيين والهولنديين، والتي أعقبتها الحرب الفرنسية والإسبانية- على اقتطاع أراضٍ واسعة من أميركا الشمالية، وفي النهاية الاستيطان في ثلاث دول قومية: كندا، والولايات المتحدة، والمكسيك. وواجهت أجزاء أخرى من العالم مصيراً مشابهاً.
وضعت نظريات ماركس ولينين المعايير للكثير من التنظير اللاحق عن نمو -وإعادة هيكلة- الرأسمالية على مدى السنوات المائة والخمسين الماضية، خاصة بين الباحثين الأكاديميين، وخبراء السياسة والسياسة المتطرفة. وأسست أعمال هؤلاء الباحثين إطار عمل لتحليل تحول الرأسمالية، والذي يمكن تبسيطه بأنه بتطورها من “الإمبراطورية” إلى “الإمبرليالية”. وبالنسبة لكل من ماركس ولينين، كانت الرأسمالية كلاً جدلياً، والذي يشمل كلاً من العلاقات المحلية/ الوطنية والعالمية/ الدولية، وكذلك كلاً من العناصر الاجتماعية/ السياسية، والشخصية/ الثقافية.
اعتقد ماركس بأن الرأسمالية تشكل نظاماً عالمياً، ولاحظ في مصنفه، “أسس نقد الاقتصاد السياسي” Grundrisse، أن “الميل إلى خلق سوق عالمي هو معطىً مباشر في مفهوم رأس المال نفسه”. وفي “البيان الشيوعي”، افترض ماركس وإنجلز أن “الفروقات الوطنية والعداوات بين الناس تختفي أكثر وأكثر يومياً، بفضل تطور البرجوازية، وحرية التجارة، والسوق العالمية، وتوحيد نمط الإنتاج، وفي ظروف الحياة التي تقابل ذلك”.
ومع ذلك، اعتبر ماركس الكولنيالية -التوسع الأجنبي في مناطق طرفية أو ما-قبل-رأسمالية، مثل إيرلندا والهند -عنصراً بنيوياً وجزءاً لا يتجزأ من التطور الرأسمالي البريطاني. ولاحظ في مقالة له نشرت في صحيفة “نيويورك ديلي تربيون” في العام 1863: “على إنجلترا أن تنجز مهمة مزدوجة في الهند؛ الأولى تدميرية، والثانية تجديدية -إبادة المجتمع الآسيوي القديم، وإرساء أسس مجتمع غربي في آسيا”. لكن الهند نالت استقلالها أخيراً في العام 1947.
في داخل أوساط اليسار الاشتراكي، أصبحت الكولنيالية قضية رئيسية خلال فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى. وفي البداية، أدت هذه القضية، مدفوعة بداية بالدعم الحاسم (وإنما التحليل المختلف) من لينين، وروزا لوكسمبورغ، ونيكولاي بُخارين ورودلف هيلفردينغ، إلى قسمة اليسار الراديكالي مع دعم العديد من الاشتراكيين للاستعمار لأغراض قومية.
كان كُتيِّب لينين في العام 1916 المعنون “الإمبريالية: أعلى مراحل الرأسمالية”، قد كتب كإجابة على نظرية كاوتسكي عن “الإمبريالية الفائقة”، والتي تقول أن الرأسمالية تتحول إلى مرحلة أخرى من التطور. ووضع لينين مفهومه للإمبرليالية باختصار، ملاحظاً:
“أصبح الحاكم النمطي للعالم هو الرأسمال المالي، وهو قوة متحركة بشكل خاص ومرنة، ومتداخلة بشكل خاص في الوطن ودولياً، ومجردة بشكل خاص من الفردية ومنفصلة عن العمليات المباشرة للإنتاج، ومن السهل تركيزها بشكل خاص. والرأسمال المالي هو قوة قطعت مسبقاً خطوات طويلة على الطريق نحو التركيز، بحيث أن بضع مئات من المليارديرات والمليونيرات يمسكون بأيدهم –حرفياً- بأقدار العالم بأسره”.
لعل الأمر الاكثر أهمية هو أن كاوتسكي عارض تكتيكات الحزب الطليعي التي تبناها الحزب البلشفي الذي يقوده لينين، وبذلك نسيت نظريته تماماً في أعقاب “الثورة الروسية” وانهيار حركة العمال الألمانية.
يقول الماركسي الإيطالي، بييترو دي ناردو: “اعتقد لينين بأنه بمجرد أن يكون العالم كله قد قُسم بين الدول الرأسمالية المتقدمة، فإن الصراع الداخلي بين القوى الإمبريالية سيدور حول السيطرة على ما غزته هذه الدول مسبقاً”. وبطريقة مدهشة، في نصف القرن الذي مضى منذ الحرب العالمية الثانية، صمدت الإمبريالية، باستثناء الحروب التي خيضت على أطراف مركز القوة الأوروبية-الإمبريالية.
*   *   *
الآن، بينما يتخذ القرن الحادي والعشرين شكلاً، يبدو أن الرأسمالية تواجه حقبة جديدة من عدم الاستقرار. وببساطة، تبدو رأسمالية اليوم شيئاً أكثر من مجرد امتداد للنظام العالمي الذي ساد في القرن العشرين.
تم تصور فكرة لينين عن الإمبريالية في وقت واجهت فيه الرأسمالية الأوروبية كارثة لا يمكن تخيلها تاريخياً، “الحرب العظمى”. وقد انهار النظام الرأسمالي القديم، المترسخ في الإمبراطورية البريطانية، خلال الحرب العالمية الأولى، وعانى خلال “الركود العظيم” والحرب العالمية الثانية قبل أن يستعيد هيمنته العالمية مع صعود الولايات المتحدة في حبقة “الحرب الباردة” والثورة الاستهلاكية.
ترتكز فكرة قدوم طور “جديد” من الرأسمالية، وهي شيء يحل محل إمبريالية لينين، على فرضية بسيطة: ربما تكون الهيمنة العالمية للولايات المتحدة بصدد الوصول إلى نهاية. فاليوم، تتركز الإمبريالية الأميركية على ميزانية عسكرية سنوية تبلغ 600-زائد مليار دولار، وما يقدر بنحو 1.000 قاعدة عسكرية تعمل في 80 بلداً في مختلف أنحاء العالم. أما لِكم من الوقت يستطيع هذا النظام من “الجيش-الدولة” للهيمنة العالمية الاستمرار، فسؤال مفتوح.
لقد فقدت القوة العظمى الوحيدة في العالم ببطء، وإنما بثبات، سيطرتها. وبدأت آلة الولايات المتحدة للحرب الدائمة في التداعي عندما فشلت وكالة المخابرات المركزية الأميركية في الإطاحة بالثورة الكوبية، وعندما هُزم الجيش الأميركي في فيتنام، وعندما تقوَّت التدخلات الأميركية السرية التي لا حصر لها في أميركا اللاتينية/ الجنوبية وأجزاء أخرى من العالم (مثلاً، جنوب أفريقيا). وليست الجهود الحربية الأميركية المتجمدة في أفغانستان والعراق وأجزاء أخرى من الشرق الأوسط سوى أمثلة إضافية على محدوديات الإمبريالية العسكرية.
يتأسس الاعتقاد بوجود فكرة جديدة، ما-بعد-لينينية، للعولمة الرأسمالية في مجموعة متنوعة من العوامل التكميلية. وتشمل هذه المجموعة:
(1) ركود الأجور وارتفاع عدم المساواة في الولايات المتحدة (وأجزاء من أوروبا) والتي أصبحت الآن في عقدها الرابع، معززة بذلك السخط والاضطرابات الشعبية التي بلغت ذروتها في انتخاب دونالد ترامب؛
(2) صعود القطاع المالي غير المستقر هيكلياً، المتركز في الدمج المؤسسي وفي اقتصاد المعاملات الفورية التي يسَّرها الإنترنت؛
(3) صعود حركات تمرد غير رأسمالية مزعزعة للاستقرار (مثل الحركات الدينية الأصولية، والحركات القومية) في الدول “المتقدمة” أو دول الأطراف؛ و:
(4) الأزمة البيئية متزايدة السوء، والمتمثلة في الاحترار العالمي، وحرائق الغابات المتزايدة، والأعاصير وغيرها من التعبيرات المناخية. وأخيراً، هناك التحدي الحقيقي جداً الذي يشكله الصين –خاصة على مدى العقود القليلة المقبلة- للهيمنة الاقتصادية للولايات المتحدة، وإعادة مركزة الرأسمالية خارج مدار الولايات المتحدة/ أوروبا. وتوحي هذه العوامل مجتمعة بقدوم نظام عالمي جديد محتمل، وإنما واحد متأسس على عدم الاستقرار.
تمتلئ المجلات الأكاديمية بالعديد من الدراسات الرسمية التي تتأمل الحالة الراهنة للرأسمالية العالمية. ومن بين أولئك الذين يعرضون تحليلات أكثر “أورثوذكسية”، ثمة سمير أمين، وديفيد هارفي، وإستيفان ميسزاروس وجون فوستر. ومن بين الذين يتحدون التحليلات التقليدية، هناك توني نيغري، وميشال هاردت في كتابهما الذي صدر في العام 2001، “الإمبراطورية”، وكذلك حامد حسيني وباتريك وولف.
ولا شك في أن هذه المناقشة مهمة، لأنها تساعد على تحديد المكائد الحالية للحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الأميركية. كما أنها تساعد أيضاً على تكوين رؤية الحركات “الثورية” التي يمكن أن تتحدى الحكم الرأسمالي بفعالية. ولكن، وسط هذا الاضطراب الغامر وعدم اليقين، ما الذي حدث للوعد الطوباوي المتأصل في الثورات التي استشرفها ماركس، وباكونين، ولينين والكثير من الآخرين؟

الغد

Print Friendly, PDF & Email