الصراع الفتحاوي الحمساوي يستنزف الفلسطينيين

الصراع الفتحاوي الحمساوي يستنزف الفلسطينيين

لا يبدو أن الوضع يتجه نحو الانفراج والمصالحة، بين حركة فتح، التي تهيمن على النظام السياسي الفلسطيني، المتمثل بمنظمة التحرير وكيان السلطة الفلسطينية في الأراضي المحتلة، من جهة، وحركة حماس التي تهيمن على قطاع غزة وتتزعم المعارضة الفصائلية، في الداخل والخارج، من الجهة الأخرى.

وفي الواقع فإن هذا الوضع بات يزداد تفاقماً، لكن ليس بسبب إسرائيل مباشرة، وإنما بسبب عاملين أساسيين مستجدين. أولاهما، يتمثل في التدخلات الخارجية في الشأن الفلسطيني، وهو ما توضح مؤخرا في قيام قطر بتمويل شحنات وقود إلى غزة، لتشغيل محطتها الكهربائية، بالتفاهم مع السلطات الإسرائيلية، الأمر الذي اعتبرته القيادة الفلسطينية، وهي قيادة المنظمة والسلطة وفتح، بمثابة تدخّل خارجي غير مقبول، لأنه لم يأت من خلالها، ولأنها تعتقد أن هكذا خطوة تقوي حركة حماس بدل إضعافها، وتشجّعها على التعنّت في مباحثات المصالحة واستعادة وحدة الكيان الفلسطيني.

وثانيهما، خشية تلك القيادة من اعتبار هذه الخطوة كجزء من خطوات أكبر وأخطر تستهدف الضغط عليها وإضعاف مكانتها، كما تستهدف خلق واقع من الانفصال بين الضفة وغزة، وهو تخوف بات له مشروعيته وقوته النابعتين من الإجراءات والمواقف الأميركية المعادية للحقوق الفلسطينية، ولمنظمة التحرير، في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، ومن مشروع هذه الإدارة، المسمى “صفقة القرن”، الذي تعتزم إطلاقه قريبا.

هكذا، ففي بيان أصدرته بعد انتهاء اجتماع لهيآتها القيادية، الخميس الماضي 11 أكتوبر، حملت قيادة المنظمة وفتح، بشدة على حركة حماس، لكن سبب الحملة هذه المرة، بحسب البيان، ينبع من أسباب عديدة. أهمها أولاً دور تلك الحركة في تمرير “صفقة القرن”، “التي تنص على التنازل عن القدس وحق اللاجئين في العودة والتعويض، وفصل الضفة عن قطاع غزة، لمنع إقامة دولة فلسطين المستقلة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس″.

القيادة الفلسطينية هي المسؤولة عن تدهور مكانة الحقوق الوطنية الأساسية للفلسطينيين، في العودة والقدس وإنهاء الاستيطان، والحق في إقامة دولة مستقلة

ثانيا، اعتبار أن “انقلاب حماس على الشرعية الوطنية الفلسطينية في العام 2007، الذي خطط له (رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون) ونفّذته حماس، كان بداية تنفيذ لصفقة العصر”.

ثالثا، اعتبار أن حماس، التي تدّعي أنها تريد دولة على أراضي فلسطين التاريخية، قبلت بدولة في غزة بمساحة واحد بالمئة من مساحة فلسطين التاريخية، مقابل الاعتراف بحكمها والتعامل معها من قبل دولة الاحتلال الإسرائيلي. ولم ينس البيان مطالبة جماهير الشعب الفلسطيني بعقد “محاكمات ميدانية” لقادة حماس الذين قال إنهم “استرخصوا دم الإنسان الفلسطيني وروحه المقدسة، وقايضوها بمال يقبضونه من دولة الاحتلال تحت مسمى رواتب في مقابل خيانتهم، واغتيالهم المشروع الوطني، وتقزيم حركة التحرر الوطنية الفلسطينية وتحويلها إلى مجرد حالة تسوّل”.

وبغض النظر عن اتفاقنا أو عدم اتفاقنا مع سياسات حماس ومواقفها، إلا أن المآخذ المذكورة في البيان مثيرة للدهشة، وهي حقا تستحق التوقف عندها ومناقشتها، بسبب العمومية التي اتّسمت بها، وبسبب إنكار القيادة الفلسطينية لأي مسؤولية لها عن وصول الوضع الفلسطيني إلى هذه الحالة من الترهّل والضعف والضياع. وعلى ذلك فإنه يمكن التسجيل على البيان الملاحظات الآتية:

أولا إن القيادة الفلسطينية، أي قيادة المنظمة والسلطة وفتح، هي المسؤولة عن تدهور مكانة الحقوق الوطنية الأساسية للفلسطينيين، في العودة والقدس، وإنهاء الاستيطان، والحق في إقامة دولة مستقلة، وذلك بعقدها اتفاق أوسلو، الناقص والمجحف عام 1993. ومثلا فإن تلك القيادة هي التي قبلت بتأجيل البتّ في هذه الحقوق، وضمنه تأجيل البتّ بماهية الحل النهائي، وقبلت بحصر ولايتها على فلسطينيي الضفة وغزة، واختزال الشعب الفلسطيني بهم، بإخراج اللاجئين من المعادلات السياسية الفلسطينية، وتبعا لذلك كله فهي التي همّشت منظمة التحرير، بجعلها السلطة مركزا للثقل السياسي للشعب الفلسطيني مع كل انتقاداتنا لحركة حماس بشأن سياساتها الفلسطينية، وبشأن طريقة إدارتها لسلطتها في قطاع غزة.

ثانيا، كيف يكون الانقسام الذي حدث قبل 12 عاما، هو بمثابة تنفيذ لما يسمى “صفقة القرن”، إذا كانت تلك الصفقة بالذات لم تولد بعد، ولم يكن يخطر على بال أحد أن صاحبها، أي ترامب قد يصل إلى البيت الأبيض؟ ثم ما هي اتفاقية أوسلو إن لم تكن بحد ذاتها جزءا من الترتيبات الأميركية ـ الإسرائيلية في المنطقة؟

ثالثا، إذا كانت حماس قد قبلت بدولة في حدود 1 بالمئة من مساحة فلسطين، كما يقول البيان، من أجل الاعتراف بها وبحكمها، فإن هذا القول ينطبق أساسا على القيادة الفلسطينية، التي كانت رضخت لإملاءات إسرائيل في اتفاق أوسلو المذكور، بتأجيل القضايا الأساسية، مقابل الاعتراف بها والتفاوض معها بطريقة سرية، بدلا من الوفد المفاوض الذي كان يترأسه حيدر عبدالشافي، ويضم في صفوفه عددا من الشخصيات في الداخل من الضفة وغزة.

رابعاً، إن هذه الطريقة بالدعوة إلى المحاسبة والحديث عن محاكمات ميدانية، لا تليق بحركات سياسية، وضمنه حركات تحرر وطني تحت الاحتلال، لأنها تنطوي على مخاطر كثيرة، هذا إضافة إلى أن ثمة في الساحة الفلسطينية من يطالب بمحاسبة قيادة فتح على عقدها اتفاق أوسلو. والفكرة هنا أن الفلسطينيين بحاجة إلى إدراكات عقلانية لواقعهم ولمحيطهم، ولطريقة كفاحهم ضد إسرائيل، كما هم بحاجة ماسة إلى مراجعة ذاتية نقدية ومسؤولة لتجربتهم، بنجاحاتها وإخفاقاتها، بدلا من قصة المحاكمات والتحريض الجانبي، لمعرفة أين أخطأوا وأين أصابوا.

في الغضون فإن الحركتين الكبيرتين، أي فتح وحماس، تتحملان المسؤولية عن تحول الحركة الوطنية الفلسطينية إلى سلطة، وعن تضخم الجهاز الوظيفي، ما نجم عنه المزيد من الارتهان السياسي والمالي للخارج، وما نجم عنه من إضعاف للمجتمع المدني الفلسطيني، الذي بات في الضفة يخضع لسلطة فتح، وفي غزة يخضع لسلطة حماس، في حين أنه كان أكثر قدرة وحرية في مواجهته لإسرائيل قبل قيام تلك السلطة.

ماجد كيالي

العرب