العقوبات توسع خطوط الصدع الاجتماعية والاقتصادية في إيران

العقوبات توسع خطوط الصدع الاجتماعية والاقتصادية في إيران

خلال تغطية الاحتجاجات التي شهدتها إيران في نهاية 2017، ولا يزال دخانها متصاعدا إلى اليوم، تصدّرت المشهد صورة الإيرانيين من الطبقة المتوسطة والفقيرة، ومن الشباب العاطلين وأبناء المحافظات النائية التي تعاني من إهمال الحكومة، وقد ساعد تباهي الطبقة الثرية بثرواتها على تغذية وتأجيج الغضب. لكن، قريبا ستعلو أصوات أبناء هذه الطبقة أيضا وتنضم إلى جموع الغاضبين مع دخول الحزمة الثانية من العقوبات الأميركية حيّز التنفيذ والتضييق أكثر على وكلاء إيران في المنطقة كما سدّ كل الثغرات التي يمكن أن تلتف منها طهران على العقوبات، وتأثير ذلك على الأسعار والوضع الاقتصادي.

واشنطن – كانت الفوارق الاجتماعية الكبيرة بين طبقة فاحشة الثراء موالية لشاه إيران وطبقة أغلبية أنهكها الفقر، أحد أبرز الأسباب التي قادت إلى “الثورة الإسلامية” في إيران وصعود ولاية الفقيه على أنقاض حكم الشاه. سيناريو يتكرر اليوم منذرا بوضع أكثر سوداوية بالنسبة للإيرانيين، الفقراء منهم والأغنياء، فيما يراقب المجتمع الدولي تغييرا كبيرا شبيها بما حدث سنة 1979، متناسيا أن ما وقع قبل حوالي أربعة عقود حصل بفعل انفجار الداخل المحتقن.

ويقول الخبراء إن خطوط الصدع الاجتماعية والاقتصادية في إيران قديمة، لكن المعايير تغيّرت، حيث لم يعد الفقر والغناء مرتبطين بالعمل أو بالنسب، بل بالفساد، حتى أن صحافيا إيرانيا يقول في تصريح لمجلة “كريسشان ساينس مونيتور” “في أيامنا هذه وبالنسبة للعديد من الإيرانيين الفساد لا يعتبر عارا، بل ذكاء. إذا كنت تستطيع سرقة قطعة من الكعكة لنفسك، فأنت ذكي ولست فاسدا أو شخصا سيئا”.

وأدت شرعنة الفساد في إيران إلى ظهور طبقة جديدة من محدثي الثراء أو ما يطلق عليها بطبقة “الأثرياء الجدد”، وهو مصطلح يستخدم لوصف أولئك الذين يبالغون في التفاخر بغناهم الجديد ويفتقرون لمنظومة قيم وأخلاق أصحاب الثروات الموروثة كطبقة النبلاء الأرستقراطيين. ويرصد سكوت باترسون، محرر شؤون الشرق الأوسط في مجلة كريسشان ساينس مونيتور، توترا كبيرا بين الفقراء والأغنياء في إيران التي تعاني وهَنًا اقتصاديا والمقبلة على دفعة جديدة من العقوبات الدولية.

وكتب باترسون واصفا بعض ما اعتبره مظاهر غريبة في الشارع الإيراني، يقول “مراكز التجميل عالية التكلفة في إيران مليئة بالزبائن، بينما يواجه السواد الأعظم من الإيرانيين ‘العاديين’ نقصا حادا في المستلزمات الطبية”. وهذا مثال من أمثلة كثيرة أخرى عن العالمين المتوازيين في إيران، وعن الانقسام الاجتماعي لدرجة أن كل فئة مجتمعية تنظر للأخرى، من حيث طريقة التحدث وأنماط الحياة، على أنها غريبة، ولا تصدق أنها موجودة في نفس البلد الذي تعيش فيه”. وينقل باترسون عن أحد المراقبين الإيرانيين، “كان الناس يتعاملون بالعقلية الاشتراكية، وكان من العيب أن تتباهى بثروتك. ولكن هؤلاء الآغازاده (أبناء المسؤولين الإيرانيين الأغنياء) يريدون فقط أن يظهروا أنهم أغنياء مهما كانت العواقب”.

وبعد مرور أربعين عاما، أصبح أبناء الثوار وأحفادهم يملكون حسابات على إنستغرام وفيسبوك. ولا يخجل الكثير منهم في نشر صور وفيديوهات لرحلاتهم في الخارج ومقتنياتهم باهظة الثمن. ويقول حسين غازيان “هذا النوع من الصور له أثر عميق على المجتمع الإيراني. إنهم يثيرون غضبا غير معلن، ولكنه عميق داخل المجتمع. غضب يطفو على السطح في شكل عنف، وقد رأينا مثالا مع الاحتجاجات في نهاية عام 2017 وبداية عام 2018”.

العدالة الاجتماعية الزائفة
يراهن النظام في إيران على صمود الإيرانيين، فهي ليست المرة الأولى التي تواجه فيها البلاد العقوبات الدولية. ويعترف حميد رضا تاراغي، وهو محلل محافظ ومسؤول في لجنة الإمام الخميني للإغاثة (جمعية خيرية في إيران)، بالفوارق والتوترات، لكنه يقول إن السؤال المهم هو “إلى أي مدى صمد الإيرانيون منذ عام 1979؟”. الوضع مختلف عن السبعينات، والعالم الذي دعم النظام الإيراني في ذلك الوقت هو نفسه الذي يسلّط عليه العقوبات اليوم.

وكانت “العدالة الاجتماعية” الشعار الذي رفعه طلبة الجامعات وتلقفه أنصار آية الله الخميني، الذي جاءت به القوى الكبرى من باريس، وقدّمته على أنه “المنقذ” المنتظر. لم يدم الأمر طويلا حتى تحول “المنقذ” إلى عدو، ودخلت إيران منعرج الدول المارقة، وفتح المجتمع الدولي لها دفترا للعقوبات، ونزع النظام قناع العدالة وأدخل البلاد في عزلة ترسّخت أكثر بعد رحيل الخميني وخلافة آية الله علي خامنئي له. ولأن ولايته لم تكن تحظى بموافقة الجميع، فقد حصّن المرشد الأعلى نفسه بالحرس الثوري وحوّل الحكم إلى نظام بملاحة أولغارشية دينية.

وعلى مدى العقود الماضية، لم يكن واضحا الانفصام الاجتماعي في إيران. ولم يعرف العالم عن الداخل الإيراني غير تلك الصور التي يتناقلها العالم عن إيران المنغلقة والمتشددة والمحافظة، والتي يبدو أن النظام في طهران نفسه من أبرز المروّجين لها. وفي حين أنه يختفي وراء ذلك المشهد عالم آخر على النقيض تماما، حيث الحياة المرفهة لأصحاب الثروات الذين ظلوا بعيدين عن الأعين، إلى أن ظهر جيل جديد من الشباب من تلك العائلات الثرية اختاروا أن يجاهروا بثرائهم.

ويقول سكوت باترسون “خلال حركة المرور المزدحمة في شوارع طهران يبدو لافتا عدد السيارات الرياضية من طراز فيراري وبورش ولامبورغيني، والتي صممت محركاتها المصقولة بدقة لسباقات الطرق الأوروبية”، وهو أمر لافت بالنسبة إليه في بلد مثل إيران. وأضحى الشباب الإيراني الأثرياء ينشرون صورا لأنفسهم على شبكة الإنترنت وهم يرقصون في الحفلات وبجانب حمامات السباحة، وفي سياراتهم ومنازلهم، وهم ينفقون المال في مراكز التسوق الفاخرة.

وتبرز مواقع التواصل الاجتماعي، رغم أن أغلبها محظور، بشكل كبير الهوة الاقتصادية الإيرانية على أوسع نطاق. كما تعتبر هذه المواقع منصة الشباب الإيراني للتعبير عن غضبهم، فعلى سبيل المثال، أطلق رجل دين شاب حملة “نيم آند شيم” على موقع إنستغرام تحت عنوان “لا لحكم الأرستقراطيين”، حيث قام بإلقاء اللوم على المسؤولين الإيرانيين بسبب نمط حياتهم المترف وإهدارهم لأموال الدولة. وفي ظل وجود ربع مليون متابع، انتقد مهدي سادروساداتي كبار ممثلي المرشد الأعلى الإيراني في المحافظات النائية. كما شكك في مقدار الأموال التي صرفت على ضريح آية الله الخميني، ذي القبة الذهبية، مؤسس الثورة الذي اشتهر بأسلوب حياته الزاهد والذي توفي عام 1989.

وقال سادرو ساداتي لموقع “المونيتور” الإخباري “من يتحمل أي مسؤولية في الجمهورية الإسلامية لكنه لا يتقيد بالقيم الإسلامية، فهو يتصرف ضد الإسلام”. وأضاف أن “الصور غالبا ما تأتي إليه سرا من أقارب هؤلاء الذين يفضحهم”. وفي مواجهة مثل هذه المواقف، أنشأ الأثرياء في إيران تطبيق “لوكساغرام”، وهو تطبيق خاص للتواصل الاجتماعي برسوم شهرية. وأطلق هؤلاء عليه اسم “خدمة كبار الشخصيات” التي يستمتعون من خلالها بمشاركة لحظاتهم المرفهة مع أصدقائهم.

وينقل سكوت باترسون عن أحد المتخصصين الإيرانيين قوله إن “10 بالمئة من الإيرانيين يملكون الكثير من المال، و90 بالمئة من الناس يعيشون في حالة كارثية”، ملاحظا كيف يتجمع الآغازاده بسياراتهم المتلألئة خارج بعض مراكز التسوق، خاصة في ليالي الخميس والجمعة. ويضيف المتحدث أن “الإيرانيين مرنون للغاية، يمكنهم العيش في ظروف جيدة للغاية في ظروف سيئة للغاية. لقد تعبت من هذه الكارثة. كل صباح أستيقظ وأنظر أمامي وكأنني أنظر إلى هوة سوداء، وأفكر ‘إذا خرجت من منزلي، يجب أن أدفع ثمن الطعام وثمن سيارة الأجرة. ولكن إذا لم أخرج، فسأفقد وظيفتي”.

تصاعد التوتر
يقول أحد المراقبين في طهران “ما حدث في السنوات القليلة الماضية أمر يبعث على الاندهاش. هذه الطبقة ترغب في إظهار ثرواتها بشكل لا يصدقه العقل. هذا مرض اجتماعي خطير، ولا سيما عندما يكون هناك الكثير من الضغط على الناس العاديين”.

ويشير المراقب إلى أعمال العنف الأخيرة التي اندلعت في مدينة البصرة جنوب العراق، حيث خرج العراقيون إلى الشوارع وأحرقوا السيارات والمباني احتجاجا على نقص الكهرباء والماء، ويقارن ذلك بالضغط الإضافي الذي تفرضه العقوبات على الإيرانيين بالفعل وعلى أوضاعهم الاجتماعية. ويقول “هنا يحدث نفس الشيء. هناك نقص في متطلبات المعيشة، ولا يوجد أمل يلوح في الأفق”.

ويقول مهدي رحمانيان، المدير الإداري لصحيفة “شرق” الإصلاحية، “على الحكومة أن تتصرف بجدية ضد الأشخاص الذين يأخذون امتيازات خاصة ليصبحوا أغنياء، وأن تسلمهم إلى القضاء. لقد حصلوا على هذه الأموال بطرق غير قانونية وغير شرعية”. وتتصدر إيران مؤشرات الفساد الدولية.

ويعترف النظام بنفسه بذلك خلال الحملات الانتخابية والمنافسات بين الحكومة، المحسوبة على التيار الإصلاحي، وتيار المحافظين، حيث يتراشق الطرفان بتهم الفساد واختلاس الأموال، حتى أن أحمد توكلي، نائب سابق عن التيار المبدئي في طهران، قال إنه “لا يمكن إسقاط الجمهورية الإسلامية من خلال انقلاب عسكري أو ثورة مخملية”، بل ستكون نهاية “النظام الإيراني من خلال انتشار الفساد الاقتصادي والإداري في جميع أركانه ومؤسساته الرسمية”.

ويساعد في دعم هذه الفكرة الاستياء من الفساد وزيادة التوترات الاجتماعية اللذين يلاحظهما مسؤولو النظام بشكل جيد. ففي خضم الاحتجاجات التي شهدتها البلاد منذ أواخر سنة 2017، وبالتزامن مع موقف المجتمع الدولي من إيران وعودة العقوبات، كان لافتا حديث المرشد الأعلى في إيران آية الله علي خامنئي، الذي يضع يده على ثروة من مليارات الدولارات من العقارات المصادرة من مواطنين هربوا إبان الثورة عن الفساد.

وقال خامنئي، في خطاب ألقاه في طهران في أغسطس الماضي، مع انهيار قيمة الريال الإيراني، إن “خبراء الاقتصاد والعديد من المسؤولين يعتقدون أن سبب هذه المشكلة ليس خارجيا بل هو داخلي”. وأضاف “إذا تحسن أداؤنا وأصبح أكثر حكمة وفعالية وفي وقته المناسب، لن يكون للعقوبات هذا القدر من التأثير، ولأمكنت مقاومتها”.

وفي 30 سبتمبر، أصدر القضاء الإيراني ثلاثة أحكام بالإعدام على أشخاص مدانين بالفساد وبتعطيل سوق سعر الصرف. وفي الأسبوع الماضي أيضا، وسط نوبة جديدة من تقلّب العملة، أعلن قائد شرطة طهران عن إغلاق 15 موقعا لنشر أسعار صرف الدولار “الخاطئة”، وقال إن مثل هذه المواقع “تخضع لمراقبة الشرطة وستتم معاقبتهم بشدة”.

وانخفض سعر الريال الإيراني من 43 ألف دولار في بداية العام إلى مستوى قياسي منذ أسبوعين، حيث بلغ 190 ألف دولار. وعلى الرغم من أن الريال قد ارتفع في الأيام الأخيرة، إلا أن صندوق النقد الدولي هذا الأسبوع يتوقع أن يتقلص الاقتصاد الإيراني بنسبة 1.5 بالمئة في عام 2018، و3.6 بالمئة أخرى في عام 2019، بسبب انخفاض صادرات النفط.

كما أدى انهيار العملة إلى نفاد مدخرات العديد من الإيرانيين، لذلك كان رد الفعل المضاد للحياة المترفة لطبقة النخبة الحاكمة حادا على وسائل التواصل الاجتماعي. كما أن هذه الطبقة المرفهة بدأت بدورها تتذمّر من رفع الأسعار، الذي أدت إليه العقوبات والتقلبات الاقتصادية، ومن المتوقع أن يزداد غضبها بعد دخول المجموعة الثانية من العقوبات حيز التنفيذ في نوفمبر المقبل، ليجد النظام الإيراني نفسه محاصرا بغضب الفقراء والأغنياء على حد السواء.

إيران تغطي على قلقها بالإعلان عن تطوير صواريخها

لندن – في خضم متابعة الإيرانيين ووسائل الإعلام الدولية لتطورات خبر اختطاف عشرة على الأقل من قوات الأمن الإيرانية منهم أعضاء في الحرس الثوري على الحدود مع باكستان، أطلّ مسؤول كبير بالجيش الإيراني ليقول إن طهران زوّدت مدى صواريخها الباليستية أرض-بحر إلى 700 كيلومتر، في خطوة بدا واضحا أنها تسعى إلى لفت الانتباه عن عملية الاختطاف، كما سحب الأضواء من التقارير والمتابعات الخاصة بتأثير العقوبات الأميركية على الاقتصاد الإيراني.

ونقلت وكالة فارس للأنباء عن أمير علي حاجي زادة، قائد القوات الجوفضائية بالحرس الثوري قوله، “نجحنا في صنع صواريخ باليستية أرض/بحر، ليست صواريخ كروز، صواريخ يمكنها قصف أي مركب أو سفينة من على بعد 700 كيلومتر”. وكرر أمير علي حاجي زادة التهديد بشأن عرقلة شحنات النفط عبر مضيق هرمز في الخليج العربي، إذا حاولت واشنطن تقييد صادراتها النفطية.

لكنّ مراقبين يقللون من أهمية هذه التصريحات، مشيرين إلى أن التجارب أثبتت أنه كلما صعّد النظام الإيراني في تصريحاته ولوّح بورقة البرنامج النووي أو الصواريخ الباليستية، فذلك يعني أنه يشهد ضغطا داخليا يسعى إلى التقليص منه عبر سياسة الهروب إلى الأمام. ويشكك الخبراء في الأسلحة التي تعلن عنها إيران، خاصة أنها لم تتعرض لـ”اختبار حقيقي”، فيما يقول آخرون إن الصناعات العسكرية الإيرانية يجري تصنيعها من مواد بدائية ودون خبرات تقنية.

العرب

Print Friendly, PDF & Email