نفط العراق: التحديات والإمكانات

نفط العراق: التحديات والإمكانات

تواجه حكومة رئيس الوزراء العراقي المكلف عادل السيد عبد المهدي تحديات كثيرة لإصلاح الأوضاع في العراق، بعد الفساد والخراب الذي ضرب البلاد منذ عام 2003. ويشكل القطاع النفطي أحد أبرز القطاعات التي تتطلب مسيرة إصلاح طويلة، لأن النفط هو عماد اقتصاد العراق حتى إشعار آخر، ولاهتمام عبد المهدي بالصناعة النفطية كوزير سابق للنفط، ولإلمامه بآثار النفط في المجتمع العراقي واقتصاده وأبحاثه.

وأظهرت سنوات الحكم الأخيرة أن زيادة الإنتاج من مليوني بريمل يومياً إلى 4.5 مليون، أدى في جو الحكم الفاقد للشفافية والمحاسبة، إلى نهب وسرقة المال العام، وفقدان مئات بلايين الدولارات، جزء كبير منها من القطاع النفطي، أو من خلال تفشي الفساد في معظم دوائر الدولة، بسبب التوسع في البطالة المقنعة واعتماد فرض الخوات على المواطنين لإنجاز معاملاتهم، إلى جانب تضخيم قيمة العقود لجني الأرباح من التلاعب في قيمتها الفعلية.

وسيشكل القضاء على الفساد الذي تفشى في أجهزة الدولة، التحدي الأول للسياسة الإصلاحية لعبد المهدي ورئيس المجموعة الأكبر في البرلمان بزعامة مقتدى الصدر الذي يدعم الإصلاحات للحدّ من الخراب ونقص الخدمات الأساس في العراق. وعبّر الشعب في تظاهرات البصرة وفي الانتخابات التشريعية عن مآسي العراق من فقدان مياه الشرب وانقطاع الكهرباء وسوء الخدمات الصحية والتعليمية. ومن دون سياسة تواجه بسرعة وبحكمة هذا الفساد والفشل، سيكون من الصعب جداً، كي لا نقل من المستحيل، استعادة ثقة الشعب في جدوى التعاون مع النظام الإصلاحي الجديد.

ونظراً إلى مركزية النفط في اقتصاد العراق، وبما أن العصابات المدعومة من الأحزاب الحاكمة ورؤسائها توغلت في عمليات التهريب والفساد، يتوجب مواجهة هذه القوى السياسية ووضع حد لتجاوزاتها، على رغم الصعوبات التي ستواجهها الحكومة في هذه الحملة التي تشكل المطلب الأول للعراقيين الآن.

ويشكل نفط العراق أحد الاحتياطات العالمية الكبرى، إلا أن نشوب الحروب والإهمال الإداري أديا إلى تخريب الكثير من المنشآت البترولية، خصوصاً في قطاع الغاز وتصدير النفط، وفي الجنوب تحديداً، حيث الاحتياطات العملاقة. واقتصرت الطاقة التصديرية من البصرة على نحو 3.2 مليون برميل يومياً، على رغم أن إنتاج العراق الحالي فاق 4.50 مليون برميل يومياً. وعلى رغم سعة الطاقة التصديرية الحالية، يتوقع ازدياد الإنتاج قريباً، فهناك مثلاً 150 ألف برميل إضافية متوقع بدء إنتاجها من حقل حلفايا في آذار (مارس) المقبل، إضافة إلى زيادات من حقول جنوبية أخرى.

ورُفعت الطاقة التصديرية منذ العام 2012 من نحو 3 ملايين برميل يومياً، ويجري حالياً توسيعها التصديرية من خلال أنبوب بحري بطاقة مليون برميل يومياً. ولكن توجد تحديات أخرى، إلى جانب زيادة الطاقة النفطية التصديرية، إذ يتوجب إعطاء الأولوية لقطاع الغاز ليزود محطات الكهرباء المحلية بالوقود اللازم بدلاً من حرقه، ناهيك عن تصدير الفائض منه، في حال توفره. ويتوجب إيلاء أهمية أكثر للصناعة الغازية وتحقيق الهدف العالمي في عدم احراق الغاز بتاتاً. ويعتبر العراق رابع أكبر دولة ملوثة عالمياً بسبب حرق الغاز المصاحب، الذي تزداد كميته مع زيادة إنتاج نفط الجنوب.

وهناك الأهمية الجيواستراتيجية لتنويع مصادر التصدير نظراً إلى الأخطار المحتملة من الاعتماد فقط على الخليج لتصدير النفط العراقي. وهناك إمكانية إعادة تشغيل الخط الاستراتيجي ليصبح من الممكن تصدير نفط الجنوب عبر تركيا أو العكس، ونفوط الشمال من الخليج. وهناك خط الآنابيب عبر سورية، الذي دُمرت محطات الضخ فيه خلال حرب عام 2003. وتوجد دراسات قديمة/ جديدة لتشييد خط أنابيب عبر الأردن والتصدير من ميناء العقبة، ويجب أن ينوع العراق مصادر التصدير. ولا يجب أن يقلل الاهتمام بالصادرات من أهمية توفير المنتجات البترولية للسوق المحلية، إذ إن فقدان السلع الأساس في السوق المحلية، خصوصاً البترولية منها، زادت من أعباء حياة المواطن اليومية ومشاكلاتها.

وعلى رغم أهمية البترول للعراق، يتوجب العمل على تشييد الطاقات المستدامة من من الشمس والرياح، فالعراق متأخر جداً عن بقية الدول الإقليمية في هذا المجال. والولوج في مشاريع بترولية وطاقوية قريباً، يعني ضرورة الاعتماد على الكوادر الوطنية والشركات العراقية، إما وحدها إذا كانت مؤهلة لذلك، أو عبر التعاون مع شركات دولية معترف بها إذا اقتضت الضرورة. ويقودنا هذا الأمر، كجزء من سياسة الإصلاحات، إلى ضرورة الاهتمام بإعادة الكادر الوطني المتخصص، الذي أثبت تفوقه الاكاديمي في دراساته وتم ابتعاثه على حساب الدولة إلى أهم الجامعات العالمية، ولكن اضطر عدد كبير منهم إلى الهجرة لأسباب أمنية أو معيشية. ومشاركة هذه الكوادر بخبراتها في العراق سابقاً وفي الشركات العالمية حالياً، سيوفر دعماً مهماً للتنمية.

وتعكس الخلافات في محافظة كركوك، نموذجاً لما يواجهه العراق من صراعات حالياً، منها صعوبة التعايش بين الاثنيات والأديان والمذاهب المتعددة. وهناك أيضاً الخلاف النفطي بين بغداد وحكومة إقليم كردستان، كما أن محاولة تسوية النزاعات في كركوك قد تشكل مدخلاً لمعالجة ما يؤخذ بتسميته «المكونات» العراقية، ولتسوية للنزاع النفطي بين بغداد واربيل.

وواجه الحكم الفيديرالي منذ عام 2003 مشكلة في طريقة توزيع الصلاحيات الإدارية بين بغداد والمحافظات. والأمر لا يتعلق فقط بالإدارة، بل أيضاً بتوزيع الموارد المالية، وحجمها وصلاحية استعمالها. وهناك الفرق بين المحافظات ذات الإنتاج البترولي، وتلك التي لا تتمتع باحتياطات بترولية وتلك في الإقليم أو خارجه. ويصاحب هذه المشكلات غياب الشفافية في الموازنات والمحافظات، إذ سيطرت أحزاب فاسدة على مجالس محافظات عدة.

وتتحمل رئاسة الوزارة الحالية أعباءً جسيمة لا تحسد عليها، فهناك التوازن الدقيق في العلاقات بين الدولتين المهيمنتين على العراق، أي الولايات المتحدة وإيران. وهناك ضغوط الأحزاب الدينية للحفاظ على مصالحها، وكل هذه مهام سياسية صعبة، ناهيك عن الإصلاح وإعادة الإعمار. ومن ثم، من المهم إنجاح هذه الفترة الانتقالية ليجتاز العراق نفق عام 2003 المظلم.

وليد خدوري

الحياة