عادل عبدالمهدي والفرصة الأخيرة لعراق مزدهر

عادل عبدالمهدي والفرصة الأخيرة لعراق مزدهر

ما إن تمّ انتخاب برهم صالح رئيساً للجمهورية، في 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2018، حتى كلّف السياسي الشيعي، عادل عبد المهدي، بتشكيل حكومة عراقية جديدة، تخلف حكومة رئيس الوزراء المنتهية ولايته حيدر العبادي، والتي قادت العراق خلال السنوات الأربع الماضية، وطُبع أغلبها بالحرب على تنظيم داعش الإرهابي. وفي 24 من الشهر الحالي صوّت مجلس النواب العراقي، على 14 وزارة من أصل 22 وزارة مرشحة من قبل رئيس الوزراء عادل عبد المهدي.وبعد تصويت المجلس على أكثر من نصف الكابينة الوزارية، أدى عادل عبد المهدي اليمين الدستورية كرئيس لمجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة العراقية.

 يُعد عادل عبد المهدي من القادة المؤسسين لـ«عراق ما بعد عام 2003»، ينظر له صاحب الباع الطويل في السياسة العراقية، كشخصية مستقلة قادرة على مسك العصا من المنتصف في العلاقة بين الأطراف الداخلية والخارجية الحاضرة بقوة على الساحة السياسية العراقية. ليس طارئا على السياسة العراقية. فهو صاحب صولات وجولات جعلت من اسمه مطروحا عند كل استحقاق في العراق، بصفته مرشح تسوية يحظى بقبول جميع الأطراف.ولذا، يحمل هذا “العتيق” بين يديه، الكثير مما يمكنه من خوض غمار المهمة الموكلة إليه.

فهو يحظى بقبول من طهران كما في واشنطن، وهو إجماع ضروري في بلاد لطالما وجدت نفسها في خضم التوتر بين هذين العدوين اللدودين، الحليفين لبغداد.يحسب لعبد المهدي أيضا، الفضل في الحفاظ على علاقات جيدة مع القياديين الأكراد، وهي ميزة كبيرة لتطبيع العلاقات مع إقليم كردستان العراق الذي يتمتع بحكم ذاتي، وأجرى قبل عام استفتاء فاشلا للاستقلال عن بغداد.

قبل شهور من تكليفه تشكيل الحكومة العراقية المقبلة، كتب رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي مقالاً في جريدة «العدالة»، التي يشرف عليها ويطرح من خلالها آراءه ورؤاه لكيفية بناء الدولة، مقالاً حمل عنواناً مثيراً، وهو «أشكركم فالشروط غير متوفرة». وضح وبيّن الخطر الحقيقي على أي عملية إصلاح اقتصادية وسياسية في العراق ، وقد يلاحظ الكثيرين مهارة الرجل في ادراكه لهذه المشاكل وقدرته على تشخيصها بشكل حقيقي ، فقد بدأ هذه النقاط بتشخيص المشكلة الريعية للاقتصاد العراقي وما تشكله من عائق اما باقي قطاعات الإنتاج ،كما أشار الى معارضة القوى السياسية للنهج الإصلاح الاقتصادي لما اعتادوا عليه من عقلية الدولة الريعية كما وصفهم ، وتناول قضية الفصل بين السلطات وقيام المؤسسات الدستورية، ومشكلة الفساد الإداري، ودعم التشكيلات العسكرية الساندة، كما أشار الى العلاقات الدولية المبنية على أسس المنطق لا على أساس التبعية .

 

مهمة عبد المهدي لا شك، صعبة، بل باتت توصف في الأوساط السياسية والنخبوية بأنها بمثابة الفرصة الأخيرة للعراق، ولا سيما أن أحداث البصرة قد تتكرر وفي أكثر من مكان بالعراق وربما تطيح النظام السياسي كله. وفي هذا السياق، يرى المتابعين للشأن العراقي إن الدكتور عادل عبد المهدي تسلم رئاسة مجلس الوزراء بتركة ثقيلة نتيجة الحرب على (داعش)، والعشوائية التي صاحبت الفترة الماضية، مع موارد شحيحة وسقف توقعات مشروع وعالٍ، وليس ميسوراً تحقيق نسب نجاح عالية». وأضاف الدباغ، أن «ما يتوجب عمله هو تهدئة قلق الشارع وغضبه، وإعطاء جرعة أمل منشّطة، عبر توفير فرص عمل من القطاع الخاص، من خلال تقديم إغراءات وإعفاءات ضمن الحدود المتوفرة. إذ لم تعد الدولة قادرة على استيعاب الأعداد الهائلة من البطالة وجموع الخريجين الجدد». وتابع «الأمر يتطلب توفير الحد الأدنى من الخدمات، وتحسينها عبر رؤية جديدة لا تعتمد الآلية التي لم تحقق نجاحاً».

وأشاروا  إلى أن عادل عبد المهدي سيركز على نزع فتائل التوتر السياسي الداخلية والإقليمية؛ ذلك أنه رجل حوار وليس شخصية صدامية. وسيقارب ما يمكن حله من الملفات الساخنة، ويدير ما يُختلف عليه بطريقة مختلفة، ما يخلق ثقة بين الشركاء وينزع الشكوك. وعلى المستوى الإقليمي، يحتاج إلى مقاربة هادئة للأزمات التي تعصف بالمنطقة، والعلاقات المتشنجة مع بعض الدول، مثل تركيا. وأن رئيس الوزراء المكلف يحتاج إلى تطوير هذا الانسجام الحاصل بين الرئاسات الثلاث، كل من موقعه، ودون الإخلال بدور كل منهم.

ويتوقع أن يستفيد عبد المهدي في مواجهة التحديات التي تنتظره من خبرةٍ سياسية طويلة، ومن علاقات حسنة تربطه بأغلب المكونات السياسية العراقية، ومن كونه رجل تسويات، لا رجل مواجهات؛ ما يضعه خارج الاستقطابات المحلية والإقليمية والدولية. وإضافة إلى تمتعه بعلاقات جيدة بأكثر القوى السياسية السُنية، تربط عبد المهدي علاقات تاريخية بالساسة الكرد؛ ما قد يسهم في تحسين العلاقة بين بغداد وإقليم كردستان، التي شابها توتر واضح خلال حقبتَي المالكي والعبادي، لا تتحمل بغداد وحدها – بكل تأكيد – مسؤوليته، ولا سيما بعد أزمة الاستفتاء في استقلال كردستان، وما تلاه من تداعيات؛ مثل إعادة انتشار الجيش العراقي في كركوك والمناطق المتنازع عليها (أيلول/ سبتمبر – تشرين الأول/ أكتوبر 2017).

أمّا على المستوى الإقليمي، فيُعدّ عادل عبد المهدي شخصاً توافقياً، كما هو الشأن على المستوى الداخلي. وليس مصادفة أن يُطرح اسمه ثانيةً لرئاسة الوزراء؛ إذ سبق أن طُرح إبان أزمة 2010، بعد فوز القائمة العراقية بقيادة علاوي بالمرتبة الأولى، لكن المالكي تولى رئاسة الوزراء على الرغم من ذلك، بدفع من إيران التي ضغطت لإنشاء ائتلاف أوسع مكن هذا الأخير من تشكيل الحكومة. وفي سياق التنافسات والصراعات الإقليمية الحادة في المنطقة، لا يُعرَف أنّ طرفاً إقليمياً محدداً يعارضه؛ فهو غير محسوب على الخط الإيراني، وفي الوقت نفسه لا ينتهج سياسات معارضة للتوجهات الإيرانية. كما أنه مقبول أميركياً، وإن لم يكن مرشح الولايات المتحدة لمنصب رئيس الوزراء. وفضلاً عن ذلك، فإن لعبد المهدي صلات قوية بالمنظمات الدولية، أنشأها عندما تولى حقيبتَي المالية والنفط، وفي عام 2004 أدار ملف العراق في نادي باريس لإعادة جدولة ديونه؛ ما يعني أنه ربما يكون الخيار الأمثل لرئاسة الحكومة في هذه المرحلة التي يُتوقع أن تشهد تصاعداً في الصراع الأميركي – الإيراني، خاصة في العراق.

يرى المتابعون للشأن العراقي تنتظره تحديات جسيمة  كالإصلاح الاقتصادي، وإعادة الإعمار، وتحسين الخدمات. وقد قَبِل مواجهتها  ليس طمعاً في قوة يستمدها من سلطة سيتولاها، أو دعماً يتلقاه من جارة متنفذة أو قوة عظمى «راعية»، بل لشعور بوجود فرصة تاريخية للتغيير، لأن جميع منافسيه استنفدوا قواهم في محاربة بعضهم بعضاً، فهو الآن أقوى شخصية سياسية في العراق لأن الجميع  يحتاج إليه في إعادة ترتيب وضع العراق وإعادته إلى وضع «طبيعي» يمكن الحياة أن تدب فيه من جديد، أو في الأقل تؤجل حسم النزاعات المحلية والإقليمية والدولية إلى أجلٍ غير مسمى. ومن أجل ذلك
سيحتاج عادل عبدالمهدي إلى مستشارين متمرسين في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية والثقافة والاقتصاد والمال والخدمات كي يتمكن من إحداث التغيير المطلوب. لكن أهم ما يجب أن يعرفه هو أن الشارع العراقي معه، كما كان مع حيدر العبادي عام 2015، وأن عليه ألا يقبل بأقل من حكومة فعالة تعيد الأمور إلى نصابها، وتوقف الفساد وتوفر الخدمات الأساسية والأمن والوظائف وتعيد للعراق استقراره. فعادل عبدالمهدي بمثابة الفرصة الأخيرة لعراق مزدهر.

وحدة الدراسات العراقية

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية

Print Friendly, PDF & Email