ربما يكون “داعش” قد ذهب، لكن اليزيديين في العراق ما يزالون يعانون

ربما يكون “داعش” قد ذهب، لكن اليزيديين في العراق ما يزالون يعانون

الآن، تحتل أربعة فصائل بلدة سنجار والمناطق المحيطة بها، والتي لا تتمتع أي منها بالسيطرة الكاملة على المنطقة: قوات الحكومة العراقية؛ ووحدات حماية الشعب السورية ذات الأغلبية الكردية؛ ووحدات الحشد الشعبي، وهي قوات شبه عسكرية ترعاها الحكومة العراقية وتدعمها إيران؛ ووحدات حماية إيزيدخان، وهي ميليشيا يزيدية محلية يقاتل في صفوفها نحو 3.000 مقاتل. وتتغير الأعلام عند كل نقطة تفتيش داخل البلدة وحولها، حيث تحاول كل مجموعة تأكيد هيمنتها.
*   *   *
سنجار، العراق – تقبع بلدة سنجار العراقية ذات الموقع الاستراتيجي، الخالية الآن من السكان المدنيين والمجردة من مظاهر الحياة، مدفونة في ركام الحرب. ومع أنه قد تم تحريرها من “داعش” قبل ثلاث سنوات الآن، فإن المدينة ما تزال خراباً -وقد أصبحت تضج بالميليشيات الوكيلة التي تتنافس من أجل السيطرة على المنطقة.
تقع البلدة على بعد نحو 20 ميلاً من الحدود السورية، إلى الجنوب من جبال سنجار، وهو مدى لطالما انطوى على أهمية جغرافية. ويقال أن الرئيس العراقي السابق، صدام حسين، استخدم جبال سنجار التي تصل ارتفاعاتها إلى نحو 4.800 قدم، لإطلاق الصواريخ منها على إسرائيل خلال حرب الخليج في التسعينيات.
والآن، لم يعد التقدم الذي تم إحرازه في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح هناك يعني أن الطاقة المائية هي الطاقة الوحيدة المتجددة في البلدة.
في السنوات الأخيرة، كانت سنجار، التي تشكل موطن اليزيديين؛ الأقلية العرقية الدينية، موقعاً لحملة الإبادة العرقية والجماعية التي قادها تنظيم “داعش” الإرهابي. وفي يوم 3 آب (أغسطس) 2014، هاجم مقاتلو المجموعة الإرهابية البلدة بلا رحمة، وذبحوا الآلاف من المدنيين واختطفو النساء والفتيات اللواتي أخذوهن إلى سورية وتم بيعهن أو منحهن كعبيدات جنس لمقاتلي “داعش”. وسعى أولئك الذين تمكنوا من النجاة من المذبحة إلى طلب الملاذ فوق قمم جبال سنجار الوعرة. وشكلت سنجار، عندما كانت تحت سيطرة الجماعة الجهادية، ممراً برياً وطريق إمداد يربط بين معاقل “الدولة الإسلامية” في سورية والعراق.
ولكن، منذ تحرير سنجار من المجموعة الإرهابية في أواخر العام 2015، تدفقت عليها مجموعة كبيرة من الميليشيات، صانعة فراغاً في القيادة، والذي يهدد استقرار المنطقة.
قالت ماريا فانتاباي، المستشارة الرفيعة لشؤون العراق في مجموعة الأزمات الدولية، لمجلة فورين بوليسي”، إنه “على الرغم من أنه تم تحريرها من وجود ‘داعش’… فإن المنطقة ما تزال في واقع الأمر تحت الاحتلال؛ حيث تعمل الأجندات العراقية والأجنبية المتعارضة على احتواء اليزيديين وضمهم إلى الجماعات المسلحة المتنافسة”. وأضافت فانتاباي أن الوجود المتواصل لهذه الجماعات في المنطقة يحول دون أعمال إعادة الإعمار، ونزع الألغام، وتهيئة الظروف لعودة آمنة لليزيديين المشردين إلى منازلهم.
الآن، تحتل أربعة فصائل بلدة سنجار والمناطق المحيطة بها، والتي لا تتمتع أي منها بالسيطرة الكاملة على المنطقة: قوات الحكومة العراقية؛ ووحدات حماية الشعب السورية ذات الأغلبية الكردية؛ ووحدات الحشد الشعبي، وهي قوات شبه عسكرية ترعاها الحكومة العراقية وتدعمها إيران؛ ووحدات حماية إيزيدخان، وهي ميليشيا يزيدية محلية يقاتل في صفوفها نحو 3.000 مقاتل. وتتغير الأعلام عند كل نقطة تفتيش داخل البلدة وحولها؛ حيث تحاول كل مجموعة تأكيد هيمنتها.
أصبح الشعور بعدم الاستقرار وانعدام الثقة متوطنين في البلدة، خاصة فيما بتعلق بالميليشيا المدعومة من إيران. ويقول إيدو حيدر مراد، نائب قائد قوات إيزيدخان اليزيدية في سنجار: “ليس هناك أمن في سنجار؛ الوضع غير آمن بسبب وحدات الحشد الشعبي. إنهم يريدون أن يستخدموا هذه المنطقة للسيطرة على قمة الجبل؛ إنهم يريدون السيطرة على إسرائيل؛ إنهم يريدون السيطرة على كل شي”. قال ذلك مشيراً إلى استخدام صدام حسين المزعوم للجبل لإطلاق الصواريخ على إسرائيل خلال حرب الخليج.
ثم وجه مراد نداء إلى المجتمع الدولي، مطالباً بتشكيل قوة مسلحة تتمركز في سنجار لحماية اليزيديين. لكن المحادثات مع الأميركان والأوروبيين لم تسفر حتى الآن سوى عن القليل من النتائج. بل إن القائد مراد طلب أيضاً عقد اجتماع شخصي مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب وجهاً لوجه، لكنه يقول إنه ما يزال ينتظر تلقي رد من واشنطن. وهو يخشى أنه إذا ما تولت وحدات الحشد الشعبي ذات الأغلبية الشيعية زمام السيطرة في المنطقة، فإن أوضاع شعبه ستصبح أكثر سوءاً حتى مما كانت عليه تحت حكم “داعش”.
ولكن، وفقاً لتقرير أصدرته مجموعة الأزمات الدولية، والذي نشر في شباط (فبراير) فإنه ما من سبب للقلق. فمنذ تشرين الأول (أكتوبر) من العام 2017، كانت لقوات الحشد الشعبي اليد السياسية والعسكرية العليا في سنجار، وهي توفر عبر الأراضي التي انتزعتها من “داعش” ممراً برياً لإيران، والذي تؤمِّن به وصولها إلى سورية. وفي السنة الماضية، استولت وحدات الحشد الشعبي أيضاً على المزيد من المناطق الإضافية على طول الحدود السورية. وسوف تواصل القوى الخارجية القتال من أجل كسب السيطرة الاستراتيجية على سنجار طالما ظلت الحكومة العراقية ضعيفة.
من جهتها، تنفي وحدات الحشد الشعبي فكرة أنها تحاول الاستئثار بالقوة الإقليمية. وقال خالا علي، أحد قادة قوات الحشد الشعبي لهذه المجلة: “إذا كنا نريد استخدام جبل سنجار للسيطرة على إسرائيل أو لأي غاية أخرى، فإن ذلك سيكون شأناً تمكن مناقشته في المستقبل”. واعترف علي بأن إيران وجهت المجموعة إلى الاحتفاظ بحضور أقوى في المنطقة، لكنه رفض الإدلاء بالمزيد من التعليق والتفصيل.
في الأثناء، طمأن الجيش العراقي السكان المدنيين إلى أن المنطقة آمنة، وقال لهذه المجلة إن السبب الوحيد الذي يجعل سنجار ليست خاضعة لسيطرته بالكامل هو النقص في القوات، كما قال اللواء نجم عبد الله الجبوري، قائد العمليات في محافظة نينوى.
في الغضون، ما يزال الآلاف من اليزيديين الذين كانوا قد فروا من منازلهم قبل أربع سنوات خائفين وغير مقتنعين، وما تزال تدور في أذهانهم ذكريات تخلِّي قوات الجيش العراقي وقوات البشمرغة الكردية عنهم وتركهم وحدهم لمواجهة الموت عندما هاجمهم “داعش” في ذلك الحين.
ما يزال أكثر من 3.000 شخص من اليزيديين يحتمون الآن على سفوح جبل سنجار، مفضلين الاستعداد لقضاء فصل شتاء بارد آخر في الخيام الممزقة على العودة إلى منازلهم. وفي زيارة كنتُ قد قمتُ بها إلى سنجار في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، قال لي أكثر من عشرة من اليزيديين إنهم لا يثقون بأي من الجماعات المسلحة التي تتمركز عند أسفل الجبل.
يقول بركات هوديدا كاستل: “إذا لم يجلبوا لنا قوة دولية، فإننا لن نعود”. وكان اليزيدي البالغ من العمر 38، والضابط السابق في الجيش العراقي، قد وقع في أسر “داعش” ذات مرة، وهو ما يزال يعيش على سفح الجبل منذ دفعت عائلته للجهاديين مبلغ 60.000 دولار مقابل إطلاق سراحه في صيف العام 2014. وقال وهو يسرد قصة الشهر الذي قضاه أسيراً لدى “داعش” في سورية: “قالوا لي إنهم سوف يقطعون رأسي ويرسلونه إلى عائلتي بالبريد”.
وكان هيرتو حمرش مينوت، 47 عاماً، قد اختُطف هو أيضاً على أيدي مقاتلي “داعش” من قريته بالقرب من سنجار قبل أربع سنوات، وتم احتجازه لأكثر من ثمانية أشهر، ويقول: “كانوا يريدون أن يجعلونا نموت من الجوع؛ كان الأمر مثل العيش في الجحيم”. وبينما يجلس بجوار خيمته على الجبل محاطاً بزوجتيه وأبنائه الاثني عشر، حرك الرجل العجوز أصابعه خلف أذنيه. وكان قد فقد معظم قدرته على السمع خلال الوقت الذي قضاه في الأسر، عندما كان آسروه يضربونه على رأسه. وما تزال أسرة مينوت تعيش على الجبل منذ أكثر من عام الآن، من دون أي خطط للمغادرة؛ بل إنهم لا يعرفون من هو الطرف المسؤول عن سلامتهم.
يعلق معظم اليزيديين الذين يعيشون على الجبل جل آمالهم في قدوم مستقبل جديد على فرد منهم. ففي هذا العام، كانت الفائزة المشاركة بجائزة نوبل للسلام، نادية مراد، من محافظة سنجار، وقد تم الاعتراف بالجهود التي تبذلها لإنهاء العنف الجنسي كسلاح من أسلحة الحرب.
وكانت مراد واحدة مما يقدر عددهن بنحو 6.500 امرأة وفتاة يزيدية تم اختطافهن وبيعهن كعبدات جنس عندما هاجم مقاتلو “داعش” المنطقة في العام 2014. وقد تمكنت من الهرب وشق طريقها إلى ألمانيا، حيث تعيش الآن كلاجئة وتدير “مبادرة نادية”، وهي منظمة للدفاع عن حقوق الإنسان.
وقالت مراد لمجلة “فورين بوليسي”: “لقد عانينا لكننا لم نستسلم. لم نتلق المساعدة ولم ينقذنا أحد عندما هاجم ‘داعش’، لكنني آمل أن يعني هذا الاعتراف أن المجتمع الدولي سوف يساعدنا في التعافي من هذه الإبادة الجماعية وسوف يمنع وقوع مثل هذه الهجمات على المجتمعات الأخرى التي مثلنا في المستقبل”.
تبرعت المرأة ذات الخمسة وعشرين ربيعاً بكل قيمة جائزتها النقدية للمنظمة، وهي تأمل في أن تقنع الجائزة الحكومة العراقية، وكذلك الدول الأخرى، بتشكيل قوة مهمات خاصة لإنقاذ ما تبقى من النساء والفتيات اليزيديات اللواتي يُقدر عددهن بنحو 3.000، واللواتي يُعتقد أنهن ما يزلن في الأسر. وتشعر منظمتها بالقلق من أنه في حال لم يتم اتخاذ خطوات حقيقية لمساعدة المجتمع اليزيدي على التعافي من آثار حملة الإبادة الجماعية، فإن اليزيديين سيختفون من المنطقة إلى الأبد.
يقول مراد الياس، وهو يزيدي يعيش على جبل سنجار: “كانت (مُراد) أول شخص يرفع صوته ويكون شجاعاً بالحديث عما حدث لنا. الشيء الأكثر أهمية الذي تستطيع أن تساعدنا في فعله الآن هو إعادة اليزيدييين السجناء والمساعدة في تنظيف أرضنا”.
في تشرين الأول (أكتوبر)، أعلنت الولايات المتحدة عن نيتها منح أكثر من 178 مليون دولار للمساعدة على دعم المجتمعات الضعيفة في العراق، وركزت بشكل خاص على الأقليات الدينية، ليصل بذلك إجمالي المساعدات الأميركية للمجتمعات الضعيفة في العراق إلى ما يقرب من 300 مليون دولار منذ السنة المالية 2017، وفقاً لوزارة الخارجية الأميركية. ولكن، وعلى الرغم من مثل هذه العروض للمساعدة، فإن إعادة الإعمار في سنجار ما تزال متعثرة، وما يزال المجتمع اليزيدي المتشكك بعمق خائفاً جداً من العودة، ويسوده التوتر من احتمال إعادة استهداف أفراده مرة أخرى.
الآن، موزعة في مختلف أنحاء شوارع المدينة المتهالكة، ما تزال بقايا حكم “الدولة الإسلامي” الوحشي ماثلة، بينما تستمر التعهدات الجديدة بالولاء للمجموعة في الظهور، مشكلة تذكيراً دائماً بأن الخلايا النائمة ما تزال تكمن في الظلام. وتقول الكلمات المكتوبة على جانب أحد البيوت: “الدولة الإسلامية في سورية والشام باقية إلى الأبد”، وقد كتبها ولد عمره 12 عاماً، وفقاً لأحد الجيران.
يقول قاسم مراد، وهو مواطن محلي يعيش في سنجار: “أعتقد أن الدولة الإسلامية سوف تعود في يوم من الأيام. إنها أيديولوجية، وأنتَ لا تستطيع أن تتخلص منها بالقتل”.

الغد