ما الذي تخسره الدول المغاربية بغياب الاندماج الاقتصادي؟

ما الذي تخسره الدول المغاربية بغياب الاندماج الاقتصادي؟

“لابد من إيجاد حل سياسي في المنطقة، مجموعة من الكفاءات بدول المغرب العربي لم تعد تنتظر وظائف من الدول، تريد قوانين مشجعة لإطلاق شركاتها”، هذه خلاصة ما قاله جواد الشفدي، شاب مغربي يملك شركة تشتغل في مجال التسويق الرقمي.

الشفدي أكد في حديث مع الجزيرة نت ضرورة أن يقوم السياسيون بإعداد القوانين لتحسين مناخ الأعمال وتسهيل تأسيس الشركات وإمكانية توسعها.

وأشار إلى أن بلدان المنطقة المغاربية تضيع رأسمالها البشري وكفاءاتها بسبب التجاذب السياسي.

ويرى الشفدي أن الشركات الناشئة تبحث عن سلاسة في تنقل الأموال والأشخاص والتطور وجودة في الحياة والخدمات.

الشفدي:بلدان المنطقة المغاربية تضيع رأسمالها البشري وكفاءاتها بسبب التجاذب السياسي.

قوة تفاوضية
إذا كانت دول المغرب العربي تضيع نقطا في معدل النمو الاقتصادي بغياب اندماجها، فإنها-حسب الشفدي- تضعف قدرتها التفاوضية مع كبريات الاقتصادات والشركات في العالم، وتفقد القدرة على التموقع في عالم الاقتصاد الرقمي الذي لم تعد الحدود تلعب فيه دورا مركزيا.

ويتساءل “كيف يمكن للدول المغاربية التفاوض إذا لم تندمج اقتصادياتها؟”، ويوضح أن السوق الرقمية يشهد استحواذا لكبريات الشركات، وأن الدول المعزولة أصبحت متجاوزة.

من جانبه، يعتبر محمد -وهو شاب جزائري- صاحب شركة في الإعلام والاتصال، أنه رغم كون مجال اشتغاله لا يعترف بالحدود، فإن تفعيل الاندماج الاقتصادي يسمح بخلق الشراكة مع مؤسسات من دول مجاورة.

ويضيف محمد للجزيرة نت أن الاندماج يشكل فرصة لتبادل المعارف والخبرات التي تعود بالنفع إيجابا على تطور المؤسسات وجلب شركات عالمية تهتم بالشركات الصغيرة ذات الأفكار الكبيرة “ستار تاب”، ومنه تطوير الاقتصاد ككل.

ومثله في ذلك مثل الكثير من المستثمرين الشباب بالمنطقة، يطالب محمد بتخفيف البيروقراطية ووضع آليات لتسهيل إنشاء شركات شبابية جديدة.

كلفة باهضة
التكتل المغاربي الذي يضم المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا، يتعرض لهدر كبير لفرص التنمية، ويقدر الخبراء خسائر اقتصاديات البلدان المغاربية بسبب عدم اندماجها بما بين 3% إلى 5% من الناتج الداخلي الخام للبلدان الخمسة، أي ما يناهز عشرة مليارات دولار سنويا، بحسب تقارير للأمانة العامة لاتحاد المغرب العربي، واللجنة الاقتصادية لأفريقيا.

وتعتبر المنطقة المغاربية الأضعف على مستوى القارة السمراء من حيث التجارة البينية التي لا تتجاوز 2% من حجم مبادلاتها الخارجية، بينما يصل المعدل أفريقياً إلى 16% مع توقعات أن يصل إلى 60% عام 2022، حسب إحصائيات المنظمة العالمية للتجارة حول الاتحاد الأفريقي.

ورغم الجهود المبذولة منذ إنشاء الاتحاد المغاربي سنة 1989 بمراكش، فإن مؤسساته بقيت مشلولة بسبب الخلاف بين المغرب والجزائر حول الصحراء.

وتعيش دول المنطقة واقع احتقان ملحوظ، حيث تعرف ارتفاعا في معدلات بطالة الشباب على الخصوص، كما لم يعرف نصيب الفرد من الناتج الداخلي الخام انتظاما ما بين 2010 و2015.

وكان البنك الدولي قد قدر في وقت سابق أن مجرد فتح الحدود بين المغرب والجزائر مثلا سيُكسب سنويا كل بلد على حدة نقطتين في نسبة نمو ناتجه الداخلي الخام، مع ما يعنيه ذلك من خلق فرص الشغل وامتصاص البطالة وتشجيع التجارة البينية.

يقول الخبير الاقتصادي عبد النبي أبو العرب “للأسف الذي يدفع ثمن القطيعة هي الشعوب”.

ويضيف في حديث للجزيرة نت، أن المنطقة اليوم تشهد هدرا للإمكانات وضياعا للفرص، خصوصا في وضعية احتقان اجتماعي.

طوق نجاة
غالبا ما ينجح الاقتصاد في توجيه السياسات، لكن الخلافات السياسية والصراعات الجيوإسترتيجية في المنطقة المغاربية كانت الفيصل وجعلت من التكتل الاقتصادي حبرا على ورق.

غير أن الدينامية الجديدة في الحركة الدبلوماسية بعد دعوة ملك المغرب إلى إحداث آلية سياسية للحوار بين المملكة والجزائر لحل الخلافات المزمنة بينهما، شكل حجرا حرك المياه الراكدة، تبعته دعوة الجزائر إلى عقد قمة وزراء خارجية الدول الخمس، وهو الأمر الذي جعل العيون معلقة على مخرجاتها، فهل تنجح في تغليب المصالح الاقتصادية للتكتل خصوصا في الاتحاد الأفريقي؟

يقول الخبير الاقتصادي أبو العرب إن “مبادرة ملك المغرب فريدة وغير مسبوقة، تحل ضغط اللحظة التاريخية التي تعيشها العلاقات المغربية الجزائرية والاحتقان الذي يعيشه البلدان”.

ويؤكد المتحدث ذاته أن الحكمة تقتضي التعاطي مع الدينامية الدبلوماسية بما يعود بالنفع على الاتحاد المغاربي.

من جهته يقول أحمد نور الدين الخبير في العلاقات الدولية، في حديث للجزيرة نت، إن إحياء الاتحاد المغاربي يشكل طوق نجاة لدوله الخمس للخروج من أزماتها المركبة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا.

ويضيف الحاجة اليوم إلى الاتحاد المغاربي تفرضها التحديات الإقليمية والدولية وعلى رأسها -من جهة الجنوب- مواجهة موجات الهجرة غير الشرعية وشبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود التي توسعت أنشطتها بسبب تزايد الإرهاب في منطقة الساحل والصحراء.

ومن جهة الشمال -يضيف نور الدين- فرض شروط أفضل في المفاوضات مع الأوربيين في قضايا الجوار والصيد البحري والطاقة والتعريفات الجمركية وتحرير التجارة والأمن والهجرة وغيرها.

ويؤكد أبو العرب أن البلدان المعنية تعرف تكاملا في اقتصادياتها خصوصا بين المغرب والجزائر، بحيث تحتاج الجزائر المنتجات الفلاحية، والخدمات المالية والسياحة، في حين تحتاج الشركات المغربية لفتح سوق جديدة.

ويعتبر أن الاتفاق بين البلدين يمكن أن يصبح عنصر قوة في مواجهة المنافسة دوليا، مشيرا إلى أن أي انفراج في مجال الاتحاد المغاربي سيكون لها أثر إيجابي كبير على البلاد والمواطنين.

ويرى المتابعون أن الدول المغاربية ستجد نفسها في مأزق داخل الاتحاد الأفريقي خاصة في البعد الاقتصادي، لأن اتفاق المنطقة الحرة يعتمد على التجمعات الإقليمية كوحدة أساسية لتفعيل مقتضياته بشكل تدريجي.

المصدر : الجزيرة

Print Friendly, PDF & Email