ترامب وأردوغان.. تفاهم أم مراوغة؟

ترامب وأردوغان.. تفاهم أم مراوغة؟

عانت العلاقات الأميركية التركية في السنوات الماضية من تراجع وفتور، ووصلت إلى حد التوتر، بدءا من الموقف الأميركي من المحاولة الانقلابية بتركيا في 15 يوليو/تموز 2016، ثم دعم واشنطن قوات سوريا الديمقراطية الكردية بالسلاح؛ إلّا أن الأيام القليلة الماضية شهدت تطورات مهمة في علاقات واشنطن بأنقرة لها ما وراءها.

من جملة التطورات الإيجابية من واشنطن تجاه أنقرة؛ شنّ الشرطة الأميركية حملة مركزة على جماعة غولن، وإعلان الخارجية الأميركية موافقتها على بيع منظومة باتريوت الدفاعية بقيمة تبلغ 3.5 مليارات دولار لتركيا، فضلا عن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن حكومته تحضّر لسحب قواتها بشكل فوري وكامل من سوريا.

فهل تشي هذه التطورات بوجود صفقة بين واشنطن وأنقرة؟ وإلى أيّ مدى ممكن أن تتحسن العلاقة بينهما؟

المحلل السياسي المقرب من دوائر صنع القرار في أنقرة جاهد طوز، وصف الإجراءات الأميركية الأخيرة بالتكتيكية التي تهدف لإلهاء تركيا عن المضي قُدما في مشاريعها بالمنطقة وعرقلة اتفاقياتها مع روسيا، موضحا أنّ الأولوية الأميركية ليست لبيع باتريوت بل لإثناء تركيا عن شراء إس-400 للدفاع الجوي من موسكو، نافيا وجود صفقة ما مع أميركا أو تنازلات من طرف أنقرة في أي قضية كانت.

ويقول طوز للجزيرة نت إن تركيا لا تثق بالولايات المتحدة ولها تجربة مريرة مع تكتيكاتها المراوغة، مثل: قضية تسليم فتح الله غولن الذي تتهمه أنقرة بتدبير انقلاب 15 يوليو/تموز، وكذلك التسويف في الإفراج عن نائب رئيس “بنك خلق” التركي، والمماطلة في تسليم طائرات “إف 35”.

ويضيف أن “السلطات التركية تعتقد أن واشنطن لن تنفذ قرارات رئيسها الأخيرة، كما أنها لن تنسحب من سوريا بشكل كامل وتترك أكثر من عشرين موقعا عسكريا أنشأتها هناك”؛ لافتا إلى إرسالها مؤخرا عددا من شحنات الأسلحة إلى قوات سوريا الديمقراطية المتمركزة على الحدود التركية، والتي تصنفها الحكومتان التركية والأميركية منظمة إرهابية.

من جهته، قال ياسين أقطاي مستشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان “لا نتوقع من الولايات المتحدة أن تتخذ موقفا سياسيا وتلتزم به حتى النهاية”.

وكان للتقارب التركي الروسي وتطور العلاقة بينهما دور أساسي في انزعاج واشنطن. وعن هذه القضية استبعد طوز أن يكون تحسن العلاقة مع أميركا -في حال إيفائها بتعهداتها لتركيا- على حساب العلاقة مع روسيا، مبينا أن الحكومة التركية تثق بروسيا وستستمر في تطوير العلاقة معها، خاصة بعد تعاونها مع تركيا في عفرين وإدلب.

ويتفق الدكتور أحمد أويصال رئيس مركز أورسام للدراسات أستاذ العلاقات الدولية في جامعة إسطنبول مع طوز في أن تركيا لم تقدم تنازلات مقابل الإجراءات الأميركية الأخيرة تجاهها، مبينا أن واشنطن لم تنجح في تركيع أنقرة فاضطرت للتفاهم معها، لأن الأخيرة هي حجز الزاوية في حل ملفات المنطقة.
وينفي الدكتور أويصال -في حديثه للجزيرة نت- وجود صفقة، لكنه يعتقد بوجود ما أسماه “حزمة من التفاهمات”، ففي ظل فشل الرهان على السعودية يمكن ربط القرار الأميركي بإعادة تقييم للآليات اللازمة لحماية المصالح الأميركية وفقا لإستراتيجية الأمن القومي في المنطقة، وعلاقة ذلك بالحلفاء المحليين -في سوريا- والإقليميين الذين تنظر إليهم واشنطن كجزء من إستراتيجيتها. وأكد ان إدارة تركيا لقضية اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي جعل الإدارة الأميركية تستبعد خيار مناكفتها.
بدوره فسّر المستشار أقطاي قرار الانسحاب من سوريا بأنه يعكس عقلانية العودة عن الخسارة، “وبغض النظر عن مدى العودة، فإنه سيكون أمرا مربحا بالنسبة لواشنطن”.

ويتابع “لا ريب أيضا في أن الولايات المتحدة ستكون مدينة لتركيا ورئيسها أردوغان بالكثير في اتخاذها هذا القرار الصائب، إذ لعبت العملية التي تستعد تركيا بعزيمة كبيرة لتنفيذها في شرق الفرات دورا كبيرا في أن تلاحظ واشنطن حقيقتها أخيرا”.

عفرين تحت سيطرة القوات التركية والجيش الحر (الجزيرة)
من جانبه، أرجع أويصال سبب تأجيل حملة الجيش التركي على منطقة شرق الفرات إلى إعلان أميركا الانسحاب من سوريا، لأن ذلك سيضعف التنظيمات الكردية مع مرور الوقت. وأشار إلى أن أميركا تتجه للتخلي عن التنظيمات الكردية، ولبناء تحالفات مع تنظيمات أخرى داخل سوريا غير معادية لتركيا.

يشار إلى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كان قد صرح يوم الجمعة بأن أنقرة ستؤجل العملية العسكرية التي كانت تريد تنفيذها في شمال شرق سوريا، بعد مكالمة هاتفية مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وتدير تركيا علاقاتها مع الولايات المتحدة وروسيا بحساسية بالغة. وفي ظل ثقة أنقرة بموسكو، تشعر واشنطن بالقلق من تراجع ارتباط تركيا بها من الناحية العسكرية، ولهذا السبب يمكن توقع أنّ الفترة المقبلة حتى أكتوبر/تشرين الأول 2019 -الذي ستتسلم فيه تركيا الدفعة الأولى من صواريخ إس 400- ستكون فترة ضغوط هائلة على أنقرة.

المصدر : الجزيرة

Print Friendly, PDF & Email