القوة الناعمة تتحول إلى حادة تقود العالم نحو الصدام

القوة الناعمة تتحول إلى حادة تقود العالم نحو الصدام

تصارع الحكومات الديمقراطية في الغرب مصطلحا جديدا يمثل تهديدا لها وهو “القوة الحادة”، والذي صاغه الباحثان كريستوفر والكر وجيسيكا لودفيغ من “المؤسسة الوطنية للديمقراطية” ويشير إلى الحرب الإعلامية التي تشنها قوى منافسة تحديدا روسيا والصين.

وأنفقت بكين وموسكو على مدى العقد الماضي، عشرات المليارات من الدولارات في محاولتهما للتأثير على النظام العالمي واستغلال قوتهما الناعمة والحادة لتقليص نفوذ الخصم المشترك لهما، وهي الولايات المتحدة، وتشويه صورتها لدى الرأي العام وإضعافها داخليا بجرها نحو الانقسامات.

وفي تقرير “المؤسسة القومية للديمقراطية” يرى كل من والكر ولودويغ أن توسيع وصقل القوة الصينية والروسية الحادة يجب أن يدفع صانعو السياسة في الولايات المتحدة والحكومات الديمقراطية الأخرى إلى إعادة التفكير في الأدوات التي يستخدمونها للرد على هذا التوسع.

وتتناقض هذه الديمقراطيات مع القوة الحادة التي “تخترق وتلوث وتسبب الأذى للبيئات السياسية والإعلامية في الدول المستهدفة”، إضافة إلى القوة الناعمة التي تسخر جاذبية الثقافة لتعزيز قوة الدولة. ويرى الباحثان أنه يترتب على الديمقراطيات ليس تحصين نفسها ضد هذا النفوذ الاستبدادي الخبيث وحسب، بل أيضا اتخاذ موقف أكثر حزما من أجل حماية مبادئها.

وتعتبر تهديدات حرب المعلومات الصينية والروسية اليوم حقيقية. ولمواجهة هذه التحديات، يجب على الحكومات والمجتمعات الديمقراطية أن تتجنب تقاليد أساليب خصومها، ما يعني توخي الحرص على عدم الإفراط في استخدام القوة الحادة بشكل يقوض ميزتها الحقيقية.

وفي السياسة الدولية تعني القوة الناعمة القدرة على التأثير على الآخرين عن طريق الجذب والإقناع بدلا من استخدام القوة، لكن عندما تقترن القوة الناعمة بالقوة الحادة، تصبح القوة بذلك متعددة الوجوه.

هذه التركيبة بين القوّتين، على الرغم من أنها ليست جديدة (فقد اعتمدت الإمبراطورية الرومانية على القوتين؛ قوة الجحافل الرومانية وجاذبية الحضارة الرومانية)، إلا أنها تتمتع بخصوصية رئيسية لدى القيادة الأميركية، حيث تعتمد القوة على الجيش المنتصر وبالمثل أيضا على الرواية الفائزة؛ فالراوي القوي هو مصدر القوة.

ولا نستطيع أن نجزم بأن القوة الناعمة جيدة أو سيئة، إذ أنه ليس بالضرورة أن يكون اختبار العقول أفضل من اختبار الأسلحة. لأن أسامة بن لادن لم يهدد ولم يدفع للأشخاص الذين قادوا الطائرتين اللتين صدمتا برجي مركز التجارة العالمية، بل جذبهم بأفكاره وعقيدته المتطرفة.

وعلى النقيض من ذلك، تقوم القوة الحادة على إجبار الطرف الآخر على الرضوخ عبر استخدام القوة. حيث إذا وضع أحدهم مسدسا على رأسك وطلب محفظتك، فلا يهم حينها ما تريده أو تفكر فيه. هذه هي القوة الحادة. أما إذا حاول نفس الشخص إقناعك بأن تسلمه محفظتك راضيا، فهنا كل شيء يعتمد على ماذا تريد أو بماذا تفكر. وهذه هي القوة الناعمة.

والقوة الحادة، وهي الخداع في استخدام المعلومات لأغراض عدوانية، هو نوع من القوة القاسية، والتاريخ يشهد على مدى التلاعب بالأفكار والتصورات السياسية والعمليات الانتخابية. وقد لجأت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي إلى استخدام مثل هذه الأساليب خلال الحرب الباردة. حيث حاولت الحكومات الاستبدادية منذ فترة طويلة استخدام الأخبار الكاذبة وإثارة الاضطرابات الاجتماعية منذ زمن بعيد، في سبيل تقليص جاذبية الديمقراطية.

وفي الثمانينات من القرن العشرين، أطلق جهاز المخابرات السوفييتي (كيه.جي.بي) شائعة بأن الإيدز كان نتاج تجارب الحكومة الأميركية للأسلحة البيولوجية. وبدأت الشائعات حينها بإرسال رسالة مجهولة إلى صحيفة صغيرة في نيودلهي ثم تم نشرها عالميا عن طريق التكرار المستمر. وفي عام 2016، تم استخدام نسخة محدثة من التقنية نفسها لتخلق ما دعي “بيتزا غيت”، وهي إشاعات كاذبة بشأن مدير الحملة الانتخابية لهيلاري كلينتون، بأنه كان يتحرش بالأولاد في مطعم بواشنطن.

والجديد في الأمر، ليس نموذج العمل المتبع، بل السرعة التي تنتشر بها المعلومات الكاذبة، والكلفة المنخفضة لنشرها، بما أن الأجهزة الإلكترونية أرخص وأسرع وأكثر أمانا من الجواسيس. ومثالا على ذلك تمكنت أجهزة المخابرات الروسية بالتعاون مع وسائل إعلام مثل “رشا تودي، روسيا اليوم” (آر.تي) و”سبوتنيك”، بعد اختراق رسائل البريد الإلكتروني للجنة الوطنية الديمقراطية والمسؤولين الرئيسيين عن الحملة الانتخابية لكلينتون، من تشتيت وتعطيل تداول الأخبار أسبوعا بعد أسبوع.

وعلى الرغم من أن القوة الحادة والقوى الناعمة تعملان بطرق مختلفة جدا، إلا أنه من الصعب التمييز بينهما، وحسب قواعد الدبلوماسية العامة، عندما يبث راديو “آر.تي” الروسي أو “صينهوا” في بكين، بشكل علني في دول أخرى، فهي تستخدم القوة الناعمة، التي يجب قبولها حتى وإن لم تكن رسالتها مرحبا بها. وعندما تدعم إذاعة الصين الوطنية محطات إذاعات في دول أخرى، فهذا يؤدي إلى تقاطع الخطوط مع القوة الحادة، ما يتوجب كشفه. لكن بدون اتباع أسلوب صحيح للكشف، يجري انتهاك مبدأ الطوعية.

هذه المقارنة تنطبق على الدبلوماسية الأميركية أيضا. فالتمويل السري للأحزاب المناهضة للشيوعية في الانتخابات الإيطالية عام 1948 والدعم السري الذي قدمته المخابرات المركزية الأميركية (سي.آي.أي) لمؤتمر حرية الثقافة خلال الحرب الباردة، كانت هذه أمثلة على القوة الحادة وليست على القوة الناعمة.

وتوفر بيئة معلومات اليوم تعقيدات إضافية. ففي ستينات القرن الماضي، أشار المذيع إدوارد مورو إلى أن الجزء الأهم من المجتمعات العالمية، لم يكن على بعد عشرة آلاف ميل وهو مدى بث الأجهزة الإلكترونية، بل على بعد ثلاثة أقدام من الشخص الأقرب.

لكن ماذا يعني ذلك في عالم وسائل التواصل الاجتماعي؟ “الأصدقاء” هم على مسافة نقرة، ومن السهل خلق أصدقاء افتراضيين، يمكنهم أن ينشروا أخبارا كاذبة، يؤلفها متصيدون مأجورون وأشخاص آليون.

وأصبحت عملية تحديد الخط الفاصل بين القوة الناعمة والحادة على الإنترنت ليست مهمة القطاعات الحكومية والإعلام وحسب، بل والقطاع الخاص أيضا. وبما أن الديمقراطيات تستجيب للقوة الحادة، فعليها أن تحرص على عدم المبالغة في رد فعلها، حتى لا تقوض قوتها الناعمة الخاصة بها، وذلك باتباع نصيحة من يدعون إلى التنافس مع القوة الحادة في النموذج الاستبدادي.

يأتي الكثير من هذه القوة الناعمة من المجتمعات المدنية، كما في حالة واشنطن، وهوليوود، والجامعات، والمؤسسات، أكثر من الجهود الدبلوماسية العامة الرسمية. وقد تفقد أصولها الحيوية إن تم قطع سبل الوصول إلى المعلومات أو إغلاقها، فيما تواجه الدول الاستبدادية مثل الصين وروسيا صعوبات في توليد قوتها الناعمة الخاصة بها بسبب عدم رغبتها في تحرير مجتمعاتها المدنية.

 ومن المحتمل أن يؤدي إغلاق أدوات القوة الناعمة الصينية والروسية المشروعة إلى حدوث نتائج عكسية. وكأي شكل من أشكال القوة، تُستخدم القوة الناعمة غالبا لأغراض تنافسية صفرية، ولكن يمكن أن تكون لها أيضا تأثيرات إيجابية.

تتمتع التركيبة بين القوة الناعمة والقوة الحادة بخصوصية رئيسية لدى القيادة الأميركية، حيث تعتمد القوة على الجيش المنتصر وبالمثل على الرواية الفائزة؛ فالراوي القوي هو مصدر للقوة أيضا

على سبيل المثال، إذا كانت الصين والولايات المتحدة ترغبان في تجنب الصراع، فلتتبادلا البرامج التي تزيد من الجاذبية الأميركية في الصين، والعكس بالعكس، يمكن أن يكون هذا عملا جيدا لكلا الدولتين.

وبشأن التحديات المشتركة، مثل تغير المناخ، يمكن للقوة الناعمة المساعدة في بناء الثقة وشبكات العمل التي تجعل التعاون ممكنا. ومع ذلك، سيكون من الخطأ حظر جهود القوة الناعمة الصينية لأنها تتحول إلى القوة الحادة في بعض الأحيان. لذا من المهم مراقبة الخط الفاصل بدقة.

وللرد على التهديد، يجب أن تكون الديمقراطيات حذرة بشأن الأعمال الهجومية، حيث يمكن أن تلعب حرب المعلومات دورا تكتيكيا مفيدا في ساحة المعركة، كما هو الحال في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية. ولكن سيكون من الخطأ بالنسبة لها أن تقلد خصومها بإطلاق برامج رئيسية تعتمد على حرب المعلومات السرية. إذ أن مثل هذه الأعمال لن تبقى خفية زمنا طويلا وعندما ينفضح الأمر ستنهار القوة الناعمة.

وفي سياق التدابير الدفاعية، هناك بعض الخطوات التي يمكن للحكومات الديمقراطية اتخاذها لمواجهة أساليب الحرب المعلوماتية، بما في ذلك الهجمات الإلكترونية على العمليات السياسية والانتخابات، حيث لم تطور الديمقراطيات استراتيجيات كافية للردع والقدرة على الصمود حتى الآن. ويترتب عليها أن تكون أكثر يقظة للتأكد من أن برامج القوة الناعمة الروسية والصينية، حتى لا تنزلق تحت القوة الحادة.

العرب

Print Friendly, PDF & Email