من نورييغا إلى مادورو.. تاريخ من المواجهة بين أميركا والحكام اللاتينيين

من نورييغا إلى مادورو.. تاريخ من المواجهة بين أميركا والحكام اللاتينيين

أظهرت التطورات المتلاحقة في فنزويلا وتعامل الإدارة الأميركية معها رغبة واشنطن في تغيير نظام الحكم في كراكاس، ولا يقتصر هذا الأمر على فنزويلا، فواشنطن كانت لها بصمات في بلدان أميركية لاتينية أخرى، بصمات غيرت تاريخها السياسي وأثرت على اقتصادها.

وكانت أميركا اللاتينية أو ما تسميه واشنطن فنائها الخلفي هي المسرح الرئيسي لحروب أميركا “الديمقراطية”، ويعود ذلك إلى تعدد الحكومات اليسارية في بلدان أميركا اللاتينية ونزوع قادتها إلى التحرر من الغطاء الأميركي على مستوى اتخاذ قرارات السياسة الخارجية في المنطقة، مما دفع واشنطن إلى التحرك لمواجهة ذلك، وفيما يلي أهم التدخلات الأميركية في بلدان أميركية لاتينية بدءا بفنزويلا:

فنزويلا.. عداء له مبرراته
لم يمر إعلان رئيس البرلمان الفنزويلي خوان غوايدو تعيين نفسه رئيسا مؤقتا للبلاد دون أن يحظى بدعم أميركي، فواشنطن التي لا تربطها علاقات متينة بكراكاس وجدت في هذه الخطوة فرصة سانحة لإنهاء حكم الرئيس نيكولاس مادورو.

ولم يكن اعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالمعارض غوايدو رئيسا للبلاد إلا توجها لفرض حكومة أمر واقع من وجهة نظر مادورو، وسط مساع أميركية حثيثة لحث دول أخرى على الاعتراف بـ”الرئيس المؤقت الجديد”.

وقبل مادورو عارضت الولايات المتحدة سلفه هوغو تشافيز الذي تمكن من الوصول إلى سدة الحكم نهاية عام 1998.

ومنذ تسلمه السلطة اعتبر الخطاب السياسي لتشافيز معاديا لأميركا، فقد وصف سياستها بـ”الإمبريالية الفاضحة”، ودعا إلى ضرورة وجود محاور وأقطاب عدة في العالم.

كما لم ترق الإصلاحات الاقتصادية لتشافيز للإدارة الأميركية، فقد أعلن استعادة السيطرة على شركة النفط الوطنية وفرض ضرائب مضاعفة على شركات النفط الأجنبية في فنزويلا، والتي كانت في أغلبيتها شركات أميركية، لتصبح فنزويلا في المرتبة الثالثة من حيث اعتماد الولايات المتحدة عليها في استيراد النفط عام 2002.

وفي 11 أبريل/نيسان 2002 قامت ضد تشافيز محاولة انقلابية فاشلة نظمتها بعض الأوساط العسكرية والمالية والنقابية بمباركة الكنيسة، وقد وجهت أصابع الاتهام في الانقلاب إلى الولايات المتحدة التي نفت أن يكون لها ضلع فيه.

ولم تكن الولايات المتحدة راضية عن تشافيز لأسباب عدة، منها علاقته الخاصة بالرئيس الكوبي فيدل كاسترو، وزيارته للعراق وليبيا، وانتقاده قصف أميركا لأفغانستان في حربها ضد طالبان والقاعدة، والتزامه الحياد في حرب النظام الكولومبي ضد الثوار الشيوعيين.

غواتيمالا.. عقود الحرب الأهلية
سنة 1999 اعترف الرئيس الأميركي بيل كلينتون خلال زيارته إلى غواتيمالا بدور بلاده في الحرب الأهلية التي أودت بحياة نحو مئتي ألف شخص.

وأقر كلينتون بأن واشنطن دعمت المؤسسة العسكرية والاستخبارات في غواتيمالا اللتين قمعتا بعنف الحركات المعارضة، خصوصا تلك التي تمثل السكان الأصليين من عرقية الـ”مايا”.

وشدد على أن الولايات المتحدة “لن تكرر هذا الخطأ”، وقال إن بلاده لن تألو جهدا في دعمها مسيرة السلام والمصالحة في غواتيمالا.

وشكل تسلم الرئيس جاكوبو أربينز الحكم عام 1950 نقطة تحول رئيسية في غواتيمالا، فقد مثل قيام الرجل بإصلاحات سياسية وإقراره قانون الإصلاح الزراعي تهديدا لمصالح رجال أعمال وعسكريين، مما جعلهم يضغطون على الولايات المتحدة بشدة لإسقاط النظام.

وبالفعل بدأ العد العكسي لإنهاء حكم أربينز، ورشح الجنرال كاستللو أرماس لذلك، وخلال ثلاث سنوات تمت تهيئة الأجواء لينقلب على الحكم.

وبحسب ما تم الكشف عنه، فقد كان لواشنطن دور في تسليح المتمردين والقوات شبه العسكرية لتدخل البلاد عصرا مظلما من الانقلابات والاقتتال والعنف دفع تكلفته الباهظة المدنيون.

كاسترو كان العدو الأول للولايات المتحدة (الأوروبية)
كوبا.. صراع لنصف قرن
قطعت الولايات المتحدة علاقتها مع كوبا منذ 1961 مع تصاعد حدة الحرب الباردة بينها وبين الاتحاد السوفياتي سابقا، وفرضت عقوبات اقتصادية قوية على هافانا استمرت طوال نصف قرن تقريبا.

وبدأ الخلاف بين كوبا والولايات المتحدة بعد وصول فيدل كاسترو إلى سدة الحكم إثر إطاحته عام 1959 بحكم الرئيس فولغينسيو باتيستا المدعوم من واشنطن.

وأثار قرار كاسترو تأميم بعض الشركات الأميركية العاملة في كوبا وقيامه في عام 1960 بشراء النفط من الاتحاد السوفياتي غضب واشنطن، وأدى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة لتبدأ بوصلة كوبا في التوجه ناحية الاتحاد السوفياتي.

وبسبب هذا التقارب أصبحت كوبا ساحة قتال، وفي أبريل/نيسان 1961 قادت الولايات المتحدة محاولة فاشلة لإسقاط حكومة كاسترو بتجنيدها جيشا خاصا من المنفيين الكوبيين لغزو الجزيرة، وفي خليج الخنازير مني الغزاة بهزيمة منكرة وقتلت القوات الكوبية كثيرا منهم وأسرت ألفا آخرين.

وبعد عام على محاولة الانقلاب الفاشلة رصدت طائرات الاستطلاع الأميركية قواعد لصواريخ سوفياتية في كوبا، الأمر الذي أصاب العالم بالفزع من الانزلاق إلى حرب نووية شاملة.

ووقفت القوتان العظميان وقفة الند للند، لكن الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف بادر بسحب الصواريخ من كوبا في مقابل سحب الأسلحة الأميركية من تركيا.

ومنذ ذلك الوقت أصبح كاسترو العدو الأول للولايات المتحدة، وحاولت الاستخبارات الأميركية اغتياله أكثر من ستمئة مرة كما جاء على لسان أحد الوزراء الكوبيين.

البرازيل.. وأد التجربة الديمقراطية
تخوفا من أن تصبح البرازيل “صين الستينيات” عملت المخابرات الأميركية على الإطاحة بالرئيس البرازيلي جواو غولارت الذي اعتبرته “شيوعيا صريحا”.

وتولى أومبرتو كاستيلو برانكو قائد أركان الجيش البرازيلي نهاية مارس/آذار 1964 تنفيذ المهمة التي خططت لها واشنطن.

ومن عام 1964 حتى 1985 رزحت البرازيل تحت حكم عسكري دكتاتوري قمع الحريات وعذب المعارضين اليساريين وسحق حقوق الإنسان.

وعام 2014 وخلال إحياء الذكرى الخمسين للانقلاب العسكري قالت الرئيسة البرازيلية آنذاك ديلما روسيف إن “البرازيل استطاعت تضميد جراحها لأنها تنعم اليوم بديمقراطية متينة”، مشيرة إلى ضرورة تذكر ما جرى في الماضي والتحدث عنه.

وأوضحت “نحن ندين لأولئك الأشخاص الذين اختفوا أو قتلوا وللذين عذبوا ولعائلاتهم خلال الحكم الدكتاتوري”، مضيفة “نتذكر هذه الفترة لنتعلم منها، ولأننا تخطيناها”.

يشار إلى أنه اختفى نحو خمسمئة شخص أو قتلوا قبل وبعد الانقلاب العسكري، كما أسر الآلاف ومنهم روسيف التي سجنت لمدة سنتين بسبب مناهضتها الحكومة العسكرية التي شكلت بعد عزل الرئيس البرازيلي غولارت.

الأرجنتين.. فصول تاريخ مظلم
في مارس/آذار 2016 قال الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما إن سياسة الولايات المتحدة الخارجية تعلمت الدرس من أخطاء الماضي، من بينها التورط في انقلاب الأرجنتين، في حين وصف الرئيس الأرجنتيني ماوريسيو ماكري ذلك الانقلاب بأنه “أظلم فصول تاريخنا”.

وقبل أربعة عقود وتحديدا في 24 مارس/آذار 1976 دعمت واشنطن انقلابا عسكريا قاده الجنرال خورخي فيديلا الذي استولى على السلطة عقب إطاحته بالرئيسة إيزابيل بيرون.

ومنذ توليه الحكم عاشت البلاد سنوات وصفتها المنظمات الحقوقية بالسوداء، وخلفت -وفق تلك المنظمات- مقتل ما بين 15 وثلاثين ألف شخص، في حين قالت السلطات حينها إن عددهم يقارب ثمانية آلاف.

وعلى الرغم من وفاة فيديلا عام 2013 أثناء قضائه عقوبته في السجن بسبب انتهاكات حقوق الإنسان فإن الأرجنتين كانت وما زالت تصب جل غضبها على الولايات المتحدة الأميركية التي دعمت انقلابه.

بنما.. تحالف فانقلاب فغزو
في عام 1983 تولى الجنرال مانويل نورييغا حكم بنما، وكان يعرف عنه أنه كان حليفا للولايات المتحدة خلال جهودها لمنع انتشار النفوذ الشيوعي بأميركا الوسطى، وقد تجسس لصالح وكالة المخابرات المركزية الأميركية.

ولم يشفع ما قدمه نورييغا له، فقد اتهمته واشنطن رسميا في فبراير/شباط 1988 بتهريب المخدرات إلى الأراضي الأميركية، كما كانت هناك أدلة تشير إلى تعامله مع أجهزة مخابرات مختلفة.

وفي عهد الرئيس الأميركي جورج بوش الأب أغارت القوات الأميركية يوم 20 ديسمبر/كانون الأول 1989 على بنما وأطاحت بنورييغا الذي سلم نفسه للأميركيين الذين حكموا عليه بالسجن أربعين عاما بتهمة تهريب المخدرات وغسل الأموال، وأفرج عنه بعد مضي 21 عاما منها لحسن سلوكه.

وقد أطلق على عملية غزو بنما اسم “القضية العادلة” وراح ضحيتها أكثر من ثلاثة آلاف شخص، بينهم العديد من المدنيين.

وقبل سنوات قليلة من وفاته اعتذر الجنرال لشعبه في حوار مع القناة البنمية، وقال “أعتذر لكل من شعر أنه أسيء إليه أو أوذي أو أهين نتيجة أفعالي أو أفعال رؤسائي أثناء تنفيذ الأوامر خلال فترة حكمي للبلاد”.

الجزيرة

Print Friendly, PDF & Email