ذكريات الحرب الباردة.. كيف تؤثر في أزمة معاهدة الصواريخ؟

ذكريات الحرب الباردة.. كيف تؤثر في أزمة معاهدة الصواريخ؟

يتحدث دبلوماسي روسي يعمل في سفارة بلاده في واشنطن للجزيرة نت قائلا “المعضلة الحقيقية في علاقتنا بالولايات المتحدة محورها اعتقادهم أن الحرب الباردة انتهت بانتصارهم وهزيمتنا؛ وعليه يتبنون سلوك المنتصر ويتوقعون منا سلوك المنهزمين”.
وأضاف الدبلوماسي -الذي اشترط عدم الإفصاح عن هويته- “نحن نرى أن الحرب الباردة انتهت دون إطلاق نار، ودون منتصر ولا مهزوم”، وهذا هو جوهر الخلافات بين موسكو وواشنطن في العديد من القضايا العالمية، والتي على رأسها قضية معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدي.

وبمقتضى المعاهدة التي وقعت قبل ثلاثين عاما تخلص الطرفان من نحو ثلاثة آلاف صاروخ، مع تعهدهما بعدم إنتاج المزيد منها. ويقصد بمتوسطة المدى أن يكون مداها بين خمسمئة كيلومتر و5500 كيلومتر.

خلافات قديمة متجددة
تظهر خلافات الدولتين بوضوح في العديد من القضايا، خاصة في السنوات القليلة الماضية. وكان التدخل الروسي في الحرب في سوريا -الذي سمح ببقاء واستمرار نظام بشار الأسد- عنوانا واضحا لحجم خلافات الدولتين في القضايا الإقليمية المهمة، ويمثل الموقف من أزمة فنزويلا حاليا نموذجا آخر لاختلاف رؤية موسكو وواشنطن للقضايا الدولية.

ويبعث انهيار معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى رسالة شديدة السلبية؛ إذ إن طول عمر هذه الاتفاقية، وما وفرته من نظام صارم للتحقق من عدم العودة لإنتاج تلك الصواريخ مرة أخرى؛ خلقا درجة ثقة جيدة بين العسكريين في الطرفين.

إلا أن وزارة الخارجية الأميركية تقول إن “واشنطن دأبت منذ عام 2013 على التحذير من أن الروس قاموا بتطوير صاروخ كروز جديد متنقل يتم إطلاقه من الأرض، وهو ما يعد انتهاكا للمعاهدة”، كما جاء في بيان للوزارة.

واتخذت واشنطن موقفا صارما في بداية ديسمبر/كانون الأول الماضي بإعلانها أن روسيا تعتبر في حالة انتهاك مادي للمعاهدة، وقالت إنها ستعلق التزاماتها في غضون ستين يوما ما لم تعد روسيا إلى الالتزام الكامل الذي يمكن التحقق منه.

وفي الأول من فبراير/شباط الجاري، خرج وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو ليعلن تعليق التزام الولايات المتحدة بالمعاهدة، ويهدد بالانسحاب منها نهائيا ما لم تلتزم بها موسكو في غضون ستة أشهر.

وفي اليوم التالي، أعلنت روسيا تعليق العمل بالمعاهدة أيضا، ردا بالمثل على واشنطن، وأعطى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إشارة البدء في صناعة صواريخ جديدة.

ويعتقد جوناثان ماسترز، الباحث بمجلس العلاقات الخارجية (مؤسسة بحثية أميركية)، في تحليل له أن “انهيار معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى، التي يرى كثيرون أنها كانت تميل لكفة المصالح الأميركية، قد يدشن تصعيدا جديدا في اتجاه المنافسة العسكرية النووية”.

سباق التسلح
وتعتقد الإدارة الأميركية الحالية والإدارة السابقة وأغلب المراكز البحثية الأميركية وحلف الناتو أن روسيا انتهكت المعاهدة بإنتاجها صواريخ كروز يقع مداها ضمن بنود المعاهدة، كما تشير دراسة جوناثان ماسترز. ويعتقد الكرملين أن واشنطن انتهكت المعاهدة بنشرها نظما دفاعية صاروخية في القارة الأوروبية، وهو ما ترفضه واشنطن.

ويعتقد الخبير في الشؤون الروسية مايكل كوفمان أن موسكو تنتهك الاتفاقية لسبب بسيط؛ هو عدم استطاعتها منافسة الأسلحة الأميركية في الفضاء أو البحار، التي لا تحكمها أي اتفاقيات للحد من إنتاجها أو تطويرها. ويعني ذلك أن موسكو لا تمتلك إلا الأسلحة الأرضية لتوسيع ترسانتها لتصبح مكافئة لمثيلتها الأميركية.

الصين الحاضر الغائب
من ناحية أخرى، يرى بعض الخبراء العسكريين أن الصين هي الحاضر الغائب في هذه القضية. ولا تخضع الصين لأي اتفاقيات للحد من إنتاج الصواريخ النووية متوسطة المدى، ولذلك تقوم -وبهدوء- بإنتاج المزيد منها دون أي عوائق، وهو ما قد يكون مساهما في دفع الروس لانتهاك القيود التي تحد من إنتاجهم هذه الصواريخ، وفقا لرأي الخبراء.

ولذلك يعتقد خبير شؤون التسليح العالمي ستيفن سيستانوفيتش أن أي جهود لوقف سباق التسلح يجب أن تضم الصين، وألا تقتصر على الولايات المتحدة وروسيا. إلا أنه أشار إلى عدم وجود أي حافز أو مغريات للصين للانضمام لهذه الاتفاقيات في الوقت الراهن.

غير أن الخطر الأكبر الذي يشغل خبراء نزع السلاح النووي حول العالم يتعلق بقرب انتهاء المدى الزمني لمعاهدة ستارت عام 2021، وهي الاتفاقية المتعلقة بالحد من إنتاج ونشر الصواريخ الإستراتيجية النووية طويلة المدى.

ولا يعتقد على نطاق واسع داخل واشنطن أن هناك عودة لسباق التسلح مع روسيا، بل يُعتقد أن الخطر الحقيقي تمثله الصين التي لا تتوقف عن إنتاج أسلحة متطورة، في وقت تشهد فيه ميزانيتها العسكرية زيادات بنسب كبيرة سنويا.

وطبقا لبيانات مؤسسة “آي إتش أس” الاستشارية، تقدر ميزانية واشنطن الدفاعية لعام 2018 بـ703 مليارات دولار، في حين جاءت الصين في المرتبة الثانية عالميا بـ 207 مليارات دولار، أما روسيا فقد حلت سابعة بميزانية تقدر بـ53 مليار دولار، وهو ما لا يقربها من نظيرتيها الأميركية والصينية. ويسبق روسيا في الإنفاق العسكري دول متوسطة الحجم مثل فرنسا والسعودية وبريطانيا والهند.

الجزيرة

Print Friendly, PDF & Email