الحواضن الشيعية ضمانة النفوذ الإيراني في سوريا بعد الانسحاب العسكري

الحواضن الشيعية ضمانة النفوذ الإيراني في سوريا بعد الانسحاب العسكري

دمشق – تكثف إيران من تحركاتها السياسية والميدانية من أجل تعزيز حضورها في سوريا، تحسبا لصفقات قد تتوصل إليها القوى الدولية لإنتاج تسوية تكون إيران خارجها.

وتعمل طهران، إضافة إلى تعزيز وجودها العسكري والأمني، على رفع مستوى الحضور المذهبي من خلال تسريع وتيرة ورش التشيّع داخل المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري، بغية توفير مناعة ضد الضغوط الخارجية، لاسيما الروسية، التي تمارس لإضعاف النفوذ الإيراني في سوريا.

وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بأن وفدا دينيا شيعيا إيرانيا عمد إلى زيارة مدينة الميادين، الواقعة في غرب نهر الفرات، بريف دير الزور الشرقي في سوريا.

وقال المرصد في بيان صحافي، الأربعاء، إن الوفد زار المدينة ودخل إلى حي التمر الذي تسيطر عليه قوات إيرانية، وعقد اجتماعا موسعا بحضور وجهاء وأعيان من المدينة وريفها.

وتقول مصادر ميدانية إن إيران تستثمر الأموال في استقطاب الشباب والأطفال إلى التشيع خاصة في ضوء الأوضاع الصعبة التي أنتجتها الحرب والتدخلات الخارجية المختلفة، وكذلك النقمة على التنظيمات المتشددة ذات الخلفية السنية.

وشهدت مدينة الميادين منذ أسابيع قليلة بدء أعداد من المتحولين حديثا إلى التشيع بالدعوة إلى اعتناق المذهب الشيعي أمام المساجد وفي الأماكن العامة.

محللون يرون أن إيران تحاول من خلال وفود دينية التعبئة المذهبية لحماية وجود قواتها في سوريا

ويعتقد الإيرانيون أن الرهان على نشر التشيع سيضمن لهم الولاء الدائم في المناطق التي يسيطرون عليها حتى لو اضطرتهم الضغوط الخارجية إلى مغادرة سوريا.

ومنذ أشهر، قالت وكالة “تسنيم” الإيرانية إن الرئيس السوري بشار الأسد أصدر قرارا بافتتاح فروع لجامعة “آزاد” الإيرانية الإسلامية في جميع المدن السورية، وهي خطوة تدعم تقارير أخرى عن أن إيران تشتري العقارات لبناء حسينيات في أغلب المدن السورية الواقعة تحت نفوذها، وهو ما يزيد من الاحتقان الطائفي.

وتشعر طهران بالقلق من تناغم في الأجندات بين واشنطن وتل أبيب وموسكو في شأن الموقف من الوجود الإيراني في سوريا، وأن التصريحات الصادرة عن روسيا في هذا الشأن تؤكد هذا التوجه.

وكانت وزارة الخارجية الروسية قد أعلنت الشهر الماضي أن أمن إسرائيل في المنطقة يعتبر أولوية لدى موسكو.

وذكر نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريابكوف في تصريحات لشبكة “سي.أن.أن” أن موسكو تضع أمن تل أبيب ضمن أولوياتها، مؤكدا أن كلا من واشنطن وإيران وتركيا والسوريين على دراية بأن “أمن إسرائيل هو أولوية روسيا في المنطقة”.

وأتت تصريحات الوزير بعد يومين من شن إسرائيل حملة جوية صاروخية استهدفت فيها مواقع عسكرية تابعة للنظام السوري وفيلق القدس الإيراني.

ولفت ريابكوف إلى أن “موسكو ليست حليفة لإيران في سوريا، ولا تتفق مع إيران في أجندتها المعادية لإسرائيل”، موجها في الوقت نفسه انتقادات لإسرائيل حول الضربات التي وجهتها للنظام والميليشيات الإيرانية.

يُذكر أن رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني حشمت الله فلاحت بيشه وجه اتهاما مباشرا للقوات الروسية بتعطيل منظومة “أس-300″ الصاروخية بالتزامن مع قيام الطائرات الحربية الإسرائيلية بشن غارات جوية على مواقع النظام السوري والميليشيات الإيرانية.

وكان المراقبون قد استغربوا تصريحات لوزير الخارجية السوري وليد المعلم في طهران، الثلاثاء، تحدث فيها عن حماية أمن القوات الإيرانية في سوريا.

ونقلت وكالات الأنباء الإيرانية عن المعلم قوله خلال اجتماعه بأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، الأدميرال علي شمخاني، أن “المستشارين العسكريين الإيرانيين كانوا حاضرين بدعوة من الحكومة السورية لتمكين قواتها المسلحة من مواجهة الإرهاب في سوريا”.

وفيما سعى المعلم وشمخاني إلى التركيز على الخطر الإسرائيلي على قوات طهران والميليشيات التابعة لها، فإن المراقبين رأوا أن الأمر ليس بعيدا عن أجواء الاشتباكات الأخيرة داخل صفوف الجيش السوري بين القوات الموالية لطهران وتلك الموالية لموسكو.

وكانت هذه الاشتباكات قد كشفت عن طبيعة الصراع بين التيار الموالي لإيران والآخر الموالي لروسيا داخل القوات العسكرية الموالية للنظام. ورأى مراقبون أن التناقض في أجندتي موسكو وطهران لا يمكن مواراته باللغة الدبلوماسية المستخدمة في البلدين، خصوصا أن تصريحات حشمت الله فلاحت بيشه وسيرجي ريابكوف تمثل حقيقة الموقف الرسمي في البلدين.

الإيرانيون يعتقدون أن الرهان على نشر التشيع سيضمن لهم الولاء الدائم في المناطق التي يسيطرون عليها حتى لو اضطرتهم الضغوط الخارجية إلى مغادرة سوريا

وقد اندلعت اشتباكات الأسبوع الماضي بين الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد، شقيق الرئيس السوري بشار الأسد، وبين الفيلق الخامس الذي يقوده سهيل الحسن الملقب بالنمر، في منطقة سهل الغاب بريف حماة.

وعلى الرغم من أن موسكو تدخلت وأنهت هذا الاقتتال، إلا أن مراقبين سجلوا ضربة قاسية وجهتها قوات الفيلق الخامس التي تتلقى أوامرها من قاعدة حميميم الروسية وتحظى بتسليح نوعي وبتمويل روسي، إلى ماهر الأسد وقواته التي تحظى بالدعم الإيراني المباشر.

ويرى محللون أن إيران تحاول من خلال وفود دينية التعبئة المذهبية لحماية وجود قواتها في سوريا، وأنها بدأت تعبئ باتجاه اعتبار الموقف الروسي يمثل خطرا على مستقبل التشيع في سوريا وعلى مستقبل النظام وموقع بشار الأسد على رأسه.

وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن الوفد الإيراني الذي وصل الأربعاء دعا شباب مدينة الميادين إلى الانضمام إلى القوات الإيرانية للدفاع عن “المقدسات الدينية”. وقام الوفد بعد ذلك بزيارة منطقة عين علي التي حولتها القوات الإيرانية إلى مزار للطائفة الشيعية، حيث أقام الإيرانيون حسينية ومزارا في منطقة عين علي.

وأشار المرصد إلى أنه رصد قدوم حافلات تقل الكثير من “الزوار الشيعة”، إيرانيين وسوريين وعراقيين، الذين أقاموا شعائر مذهبية شيعية في المنطقة التي تشهد وجودا عسكريا كبيرا للقوات الإيرانية.

العرب

Print Friendly, PDF & Email