قضية الوجود العسكري الأميركي تعيد ترتيب الاصطفافات في العراق

قضية الوجود العسكري الأميركي تعيد ترتيب الاصطفافات في العراق

تحالفا الفتح وسائرون اللذان تنافسا بشراسة على قضايا داخلية واستحال توافقهما على استكمال الكابينة الوزارية، يجدان أخيرا مساحة للتفاهم بشأن الوجود العسكري الأميركي على الأراضي العراقية، وهي قضية شائكة لا تنفصل عن صراع قوى خارجية على النفوذ في البلد، ولا تخلو من حرج لحكومة رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي المحاصرة بكمّ هائل من المشاكل والتعقيدات.

بغداد – يتحوّل الوجود العسكري الأميركي في العراق، تدريجيا، إلى أداة لإعادة تشكيل الاصطفافات السياسية في البلد من خلال التقريب بين معسكرين كبيرين متضادّين، تنافسا بشراسة على مقاعد البرلمان، ومن ثمّ على الحقائب الوزارية في حكومة عادل عبدالمهدي التي ساهما بتنافسهما الحادّ في تعطيل استكمال تشكيلتها.

وفيما أُعلن، الاثنين، مجدّدا، عن توافق تحالف سائرون الذي يرعاه رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر مع تحالف الفتح بقيادة زعيم ميليشيا بدر هادي العامري، بشأن رفض وجود قوات أجنبية على الأراضي العراقية، بدا لمراقبين، أن زعيم التيار الصدري الذي دأب على مناهضة النفوذ الإيراني في العراق، يتلمّس طريق العودة إلى الصف الإيراني الذي يجمع الغالبية العظمى من مكوّنات البيت السياسي الشيعي العراقي.

ومن شأن توافق سائرون والفتح أن ينشئ كتلة نيابية كبيرة داخل مجلس النواب العراقي، يمكن استخدامها لسنّ تشريع بشأن إخراج القوات الأجنبية، والأميركية تحديدا، من العراق.

وفي حال نجاح هذا المسعى، فإنّ خروج القوات الأميركية من العراق، سيحقّق لإيران مكسبا ذا طبيعة استراتيجية في صراع النفوذ الذي تخوضه، خصوصا بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخّرا أنّ الهدف من الإبقاء على قوات بلاده على الأراضي العراقية بعد سحبها من سوريا، هو مراقبة إيران عن كثب.

وإلى جانب هذه الكتلة لم تخل الساحة العراقية من تيار مواز لا يتردّد في إعلان رفضه اتخاذ إجراءات لإخراج القوات الأجنبية من العراق، محذّرا من التبعات الأمنية والسياسية لمثل تلك الإجراءات.

ولا تغيب عن خلفية هذا التيار الذي تمثّله بالأساس شخصيات سنيّة وكردية عراقية، المخاوف من اختلال التوازن بشكل أكبر لمصلحة إيران ما يعني مزيد تغّول الموالين لها من قادة أحزاب وميليشيات مسلّحة.

وأصدر النائب عن محافظة نينوى بشمال العراق أحمد الجربا، بيانا اعتبر فيه أن الوقت غير مناسب لفتح المناقشات حول التواجد العسكري الأميركي في البلاد.

وقال الجربا في بيانه إن “الوقت الآن غير مناسب للخوض في تفاصيل موضوع القوات الأميركية والقواعد العسكرية في العراق لأن ظروف البلد الأمنية لم تستقر استقرارا كاملا إلى حد هذه اللحظة”.

ودعا أعضاء مجلس النواب إلى “الانشغال بمواضيع أهم من هذا الموضوع والعمل على إعادة إعمار المدن وتوفير الخدمات للمواطنين وتلبية مطالبهم”.

وأعلن عضو تحالف سائرون نصّار الربيعي، الاثنين، عن التوصل إلى اتفاق مع تحالف الفتح، بشأن رفض تواجد أي قوات أجنبية على الأراضي العراقية، فيما دعا زعيم تحالف الفتح هادي العامري إلى إبرام اتفاقية جديدة تنظّم بقاء القوات الأميركية في العراق.

وكان الربيعي يتحدّث في مؤتمر صحافي مشترك مع العامري عقب اجتماع مشترك جمع التحالفين، قائلا إنّ الاجتماع أفضى إلى اتفاق على عدم القبول بتواجد أي قوات أجنبية في العراق، مضيفا أن “المعاهدات التي يتم إبرامها مع جهات دولية لا تعني بقاء القوات إلى ما لا نهاية، بل يتم العمل بها وتعديلها وفق الظروف والمستجدات”، ومؤكّدا أن بقاء القوات الأجنبية مرهون بما تعلنه الحكومة عن حاجتها إلى بقاء مستشارين أو خبراء أو غيرهم بحسب الحاجة.

ومن جانبه قال العامري إنّ التواجد العسكري الأميركي وفقا لاتفاقية الإطار الاستراتيجي مرهون بطلب العراق في حال تعرضه لاعتداء من جهات أخرى معادية، مستدركا “نود إيضاح أمر مهم، وهو أن بقاء القوات الأجنبية والأميركية يحتاج إلى اتفاقية جديدة لأن القوات الموجودة حاليا لا مبرر لبقائها بعد مغادرتها العراق في عام 2011 ما يعني انتهاء صلاحية الاتفاقية السابقة”.

وسيكون تقارب تحالفي الفتح وسائرون بشأن قضية القوات الأجنبية، خلال الأيام القادمة أمام اختبار مدى صلابته من خلال النظر في أثره في استكمال الكابينة الوزارية لعادل عبدالمهدي، من خلال التوافق على اسم مرشّح لتولي حقيبة الداخلية، وهو مدار خلاف بين الطرفين إلى حدّ الآن، مع رفض تحالف سائرون إسناد المنصب لعضو تحالف الفتح المقرّب من إيران فالح الفياض.

وقال العامري في المؤتمر الصحافي “شكلنا لجنة مشتركة تناقش مع الشركاء استكمال الكابينة الوزارية والدرجات الخاصة وباقي المؤسسات وحسم موضوع مجالس المحافظات”، لكن أشار بالقول “لم نطرح أسماء الآن للوزارات ولكن سنحسمها بالجلسات الأولى للبرلمان”.

ولا تخلو ضغوط كتل سياسية وبرلمانية عراقية على حكومة بغداد لإجبارها على اتخاذ خطوات عملية ضد الوجود العسكري الأجنبي في البلاد، من حرج كبير لهذه الحكومة التي تواجه تعقيدات ومشاكل اقتصادية واجتماعية كبيرة، كما أنّ لها ارتباطات واسعة بالولايات المتحدة.

وتقول قوى وشخصيات سياسية عراقية، إن حاجة العراق إلى الولايات المتحدة في الفترة الراهنة ليست سياسية واقتصادية فحسب، ولكن أمنية أيضا في ظل تعدّد التقارير بشأن احتفاظ تنظيم داعش بالقدرة على تهديد الأمن في البلد وضرب استقراره الهشّ.

وانتقد أثيل النجيفي القيادي في تحالف القرار والمحافظ السابق لنينوى، مساعي كتل سياسية لاستصدار تشريع بشأن إخراج القوات الأميركية من العراق قائلا في تغريدة في تويتر “على البرلمان الضعيف شعبيا أن يراجع الرأي العام ويراجع قدرة الحكومة على تطبيق القرارات المصيرية قبل اتخاذها”.

العرب

Print Friendly, PDF & Email