عملية سلفيت.. المنفذ “الأيقونة” وتعقيدات المكان

عملية سلفيت.. المنفذ “الأيقونة” وتعقيدات المكان

بين أقرانه وأهالي قريته الزاوية جنوب غرب مدينة سلفيت شمال الضفة الغربية لم يكن أحدٌ يتداول اسم الشاب عمر أبو ليلى بكثرة كما جرى منذ أمس، ولم يتوقع أي منهم أن ذاك الشاب الوسيم والأنيق ليقدم على تنفيذ عملية ضد جنود الاحتلال ومستوطنيه.
ليس في قريته وحدها التي لم ينم أغلب سكانها الليلة الماضية نتيجة اقتحامات جنود الاحتلال؛ ضج اسم عمر أبو ليلى (19 عاما)، بل تداوله كثيرون وتغنوا به بمواقع التواصل بالداخل والخارج، وأطلقوا عليه “البطل” أو “الأيقونة”، ووصفوا عمليته “ببجي فلسطين”، وقال أحد المستوطنين -وفق الإعلام الإسرائيلي- إنه “ليس طبيعيا إنه رامبو”، لينتشر الوصف سريعا عبر الوسوم.

وعند التاسعة صباح أمس الأحد، وبالقرب من مدخل مدينة سلفيت الشمالي، حيث تجثم “مستوطنة أريئيل “دقت ساعة الصفر لدى الشاب أبو ليلى، فاستل سكينه وطعن جنديا إسرائيليا، ثم غنم سلاحه وأطلق النار عليه وعلى جنود ومستوطنين آخرين بالقرب منه، قبل أن يلوذ بالفرار بمركبة استولى عليها منهم أيضا.

تعقيدات المكان
وكلما مشى قليلا تعقدت العملية أكثر؛ فالشاب وبدل النجاة بنفسه فرَّ باتجاه شارع مفتوح يُعرف “بعابر السامرة 05″، وعن يمينه ويساره تنتشر مستوطنة أريئيل وامتداداتها كحال مستوطنة جيتي أفيخاي التي اشتبك عندها مع جنود الاحتلال، قبل أن ينتقل لمستوطنة بركان القريبة ويطلق النار؛ موقعا إصابات جديدة بين المستوطنين والجنود.

كل ذلك حتى اللحظة يمكن لمن يعرف تضاريس سلفيت أن يستوعبه، لكن ما لا يمكن استيعابه هو إفلات المنفذ من أيدي الجنود في منطقة تعرف بأنها “شديدة أمنيا” وكثيفة الاستيطان، فمقابل 18 قرية وتجمعا فلسطينيا في سلفيت تقيم إسرائيل 25 مستوطنة، ويتفرع منها العديد من البؤر والكتل الاستيطانية.

ويقول خالد معالي الكاتب الصحفي والمختص في الشأن الاستيطاني بمدينة سلفيت إن العملية “معقدة أمنيا”، وإن ما زادها تعقيدا نجاح المنفذ في الهروب، ويضيف “لا يسمح للفلسطينيين بالسير على أقدامهم قرب مستوطنة أريئيل، وللعمال الذين يعملون بها تصاريح خاصة ومسرب خلفي بعيدا عن المستوطنين”.

عمليات عديدة
ويضيف معالي في حديثه للجزيرة نت أن المستوطنة تحوي فندقا سياحيا وجامعة تضم نحو 25 ألف طالب إسرائيلي، ووقعت عند مدخلها المعروف بـ”دوار أريئيل” العديد من العمليات الفدائية، آخرها قبل أقل من عام.

ومثلها مستوطنة بركات التي تضم عشرات المنشآت الصناعية، وقبل أشهر نفَّذ بأحدها الشهيد أشرف نعالوه عملية إطلاق نار وقتل مستوطنيْن وجرح ثالثا، وبالتالي فإنه من المفترض أن يكون “الحس الأمني بأعلى درجاته”.

وإضافة إلى ذلك –حسب معالي- فالاحتلال ينشر بشارع “عابر السامرة” المزدحم بحركة المستوطنين عشرات الكاميرات وأبراج المراقبة العسكرية، إضافة إلى الحواجز المتنقلة وحركة الآليات العسكرية “الكثيفة” وطائرات التجسس الأخرى “الزنانة” التي ترقب المكان باستمرار.

قدرة على التخفي
ويرجع معالي نجاح العملية لعوامل “الإرباك والتخبط” التي أصابت الجنود والمستوطنين على حد سواء أمام كل “التدابير الأمنية” المتخذة، إضافة إلى قدرة الشاب على التخفي بسرعة بين القرى الفلسطينية “فهو ابن المنطقة ويعرفها جيدا”.

لكن حالة “الفزع” التي عاشها الجنود يفسرها واصف عريقات اللواء العسكري المتقاعد والخبير الأمني “بجبن” الاحتلال و”شجاعة” الفلسطيني في المقابل، وهو ما يدل على أن الجيش الذي يفاخر بقوته وقدرته ثبت “عجزه” أمام هذا الشاب الفلسطيني الذي لم يتخرج من كلية عسكرية ولم يعمل بالأمن.

وتكمن شجاعة الشاب -في رأي عريقات- في استيلائه على سلاح الجنود وتنفيذ العملية به، وبالتالي فهذا يعطي مؤشرا بأن الشعب الفلسطيني قادر على مواجهة الاحتلال وتطوره العسكري ما دامت “غطرسة” جنوده و”قطعان” مستوطنيه مستمرة، وقال “الإسرائيليون يصعدون ويشقون على أنفسهم بأنفسهم”.

ورغم أن الرواية وحتى اللحظة إسرائيلية، والحقيقة “غائبة”، حسب عريقات، فإن هذا سيدفع الاحتلال لأخذ العبر، خاصة أن المنفذ لا يزال حرا طليقا، ولم يصل الاحتلال لأي معلومة عنه، وهو ما يدفعه ربما لعمليات أخرى “محدودة ومعروفة الهدف”.

ويقول عريقات للجزيرة نت إن نجاح المنفذ في التخفي لأكبر وقت ممكن عائد لحنكته ومعرفته بعدم استخدام أي وسائل اتصال وتواصل مع أصدقائه وأقاربه.

المقاومة الفردية
ومثل عمر أبو ليلى، نجح الشاب عبد الكريم عاصي -اعتقل لاحقا- والمنحدر من مدينة نابلس مطلع فبراير/شباط 2018 في طعن مستوطن وقتله في المكان نفسه قرب مستوطنة أريئيل، وقبله بأسابيع قليلة نفذ الشهيد أحمد جرار عملية قرب مستوطنة “يتسهار” جنوب نابلس، ليعود أشرف نعالوه وينفذ عملية أخرى مطلع أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ثم يتلوه الشقيقان عاصم وصالح البرغوثي.

وهذه العمليات الفردية، وكونها تقتصر على منفذها، فإن “الاسترشاد إليه صعب” في معظم الأحوال، وهو ما يدفع باتجاه تنفيذ المزيد من العمليات، لا سيما الشباب الذين يرون في هذا الشاب أو غيره “إلهاما” لتنفيذ عمليات مشابهة، كما يرى معالي، ويضيف أن العمل الفردي تلزمه حاضنة شعبية لاستمراره؛ “فالنجاح يبنى عليه نجاح”.

الجزيرة