العراق يغالب العوائق العرقية والطائفية لإحصاء سكّانه

العراق يغالب العوائق العرقية والطائفية لإحصاء سكّانه

إحصاء السكّان في كلّ بلدان العالم مسألة عملية ذات أبعاد اقتصادية وتنموية وأمنية، لكنّها في العراق ذات أبعاد عرقية وقومية وطائفية، ما يجعل حكومات هذا البلد لا تعرف العدد الحقيقي لسكّانها، فضلا عن معطيات أساسية أخرى تتعلق بهم، إذ أنّ “أحدث” ما هو متوفّر بهذا الشأن يعود لأكثر من ثلاثة عقود من الزمن.

بغداد – أعلن رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي أن العام القادم سيشهد إجراء الإحصاء السكاني العام، الذي تخلفت البلاد عن إجرائه مرارا طيلة الأعوام الماضية، بسبب خلافات سياسية وطائفية وقومية.

ويعود آخر إحصاء للسكان أجراه العراق إلى العام 1997 لكن نتائجه موضع جدل لأنه شمل 15 محافظة من أصل 18 بعد استثناء المحافظات الكردية الثلاث، أربيل والسليمانية ودهوك، التي كانت تخضع لحماية دولية آنذاك فرضتها تداعيات الغزو العراقي للكويت.

ولذلك فإن وزارة التخطيط العراقية تقول إن “أحدث” النتائج المتاحة في هذا المجال هي تلك التي تعود لإحصاء العام 1987، ما يعني أن البلاد بقيت بلا بيانات إحصائية دقيقة لسكانها طيلة 32 عاما.

لكن رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي أعلن، الثلاثاء، أن العام القادم سيشهد إجراء الإحصاء من دون الخوض في الظروف التي منعت تحقيقه منذ العام 2003.

ومنذ العام 2010 ألحّت وزارة التخطيط عندما كان السياسي الصدري علي شكري على رأسها على إجراء الإحصاء السكاني العام. لكن خلافات بشأن المناطق المتنازع عليها بين العرب والأكراد وكذلك مضمون الاستمارة الإحصائية، عطلت العملية.

وبهدف ضمان إقرار واقع أن “أغلبية” سكان العراق هم من الطائفة الشيعية أصرّت الأحزاب الشيعية على تضمين استمارة الإحصاء سؤالا عن المذهب، فيما طلب الأكراد استثناء المناطق المتنازع عليها من الإحصاء، فضلا عن تضمين الاستمارة سؤالا عن القومية.

وعارضت القوى السياسية السنية جميع هذه المطالب خشية تحوّل الإحصاء وفق هذه الصيغة إلى إقرار رسمي بأن الطائفة السنية هي أقلية في البلاد، فضلا عن إضفاء الطابع القومي الكردي على المناطق المتنازع عليها.

وحاولت وزارة التخطيط إقناع الأطراف السياسية بأن أهداف الإحصاء تنموية بحتة، ولا تتعلق بتحديد أحجام الطوائف والقوميات لكنّها لم تلق آذانا صاغية.

وعندما جرى تكليف عبدالمهدي بتشكيل الحكومة قدم برنامج عمل يتضمّن إجراء الإحصاء بوصفه أولوية لخطط التنمية.

والشهر الماضي أعلنت وزارة التخطيط “تشكيل الهيئة العليا للتعداد العام للسكان” لتعلن الشروع العملي في هذه المهمة.

وقالت الوزارة إن هيئة الإحصاء تضم رئيسي اللجنة الوطنية للسياسات السكانية والجهاز المركزي للإحصاء، وممثلين اثنين عن حكومة إقليم كردستان أحدهما رئيس هيئة الإحصاء في الإقليم.

ومثّل ذلك إشارة إلى توافق بين الحكومة المركزية في بغداد والإدارة الذاتية في المنطقة الكردية على آليات الإحصاء، لاسيما بعد استعادة بغداد السيطرة على معظم المناطق المتنازع عليها بين العرب والأكراد العام 2017.

وتضمّ هيئة الإحصاء أيضا ممثلين عن مجلس النواب العراقي ووزارات الداخلية والخارجية والتربية والتعليم العالي والإعمار والإسكان والبلديات والثقافة والنقل والاتصالات والزراعة والموارد المائية والهجرة والمهجّرين والصحة والبيئة والدفاع، ومستشارية الأمن الوطني وأمانة بغداد وهيئة الإعلام والاتصالات ودواوين الأوقاف، السني والشيعي والديانات الأخرى.

وتعكس هذه التركيبة الواسعة من ممثلي مختلف الأجهزة التنفيذية رغبة الحكومة في إجراء إحصاء شامل، يتعدّى تثبيت عدد السكان إلى حصر المنازل وترقيمها وقياس مستويات السكن والتعلّم والمعيشة ونوع الخدمات البلدية والصحية، فضلا عن توفير قاعدة بيانات شاملة للأغراض الأمنية.

ولا يعني كلّ ذلك نهاية العوائق من طريق إجراء الإحصاء السكاني، فثمّة اعتراضات من أنواع مختلفة بدأت تظهر من قبيل أنّ بعض المناطق شهدت تغييرا ديموغرافيّا ولا يمكن إجراء الإحصاء قبل إعادة الأوضاع في تلك المناطق إلى ما كانت عليه.

وأثار ذلك بوضوح المكوّن التركماني على لسان رئيس الجبهة التركمانية العراقية أرشد الصالحي الذي قال “أعضاء البرلمان عن المكونين العربي والتركماني لن يقبلوا باعتماد أي إحصاء.. ما لم تجر عملية إخراج الغرباء في المناطق المتنازع عليها”.

وأضاف الصالحي متحدّثا لوكالة الأناضول أنّ “المناطق المتنازع عليها شهدت عمليات تغيير ديموغرافي بعد العام 2003 وتطبيق المادة 140 بمراحلها الثلاث أي التطبيع والإحصاء والاستفتاء يتطلب أولا إعادة تلك المناطق إلى وضعها الطبيعي قبل عام 2003”.

وتقول مصادر سياسية في بغداد لـ“العرب” إن رئيس الحكومة ملتزم بإجراء الإحصاء العام خلال 2020، منطلقا من واقع تنامي دور الحكومة الاتحادية بعد إفشال محاولة الزعيم الكردي مسعود البارزاني تحقيق استقلال إقليم كردستان على العراق والقضاء على تنظيم داعش.

وتضيف أن عبدالمهدي أبلغ الأطراف السياسية الرئيسية في البلاد بأن التغاضي عن إجراء هذه العملية من شأنه تعطيل جميع الخطط الموجهة نحو تنمية البنى التحتية والنهوض الاقتصادي، مشيرة إلى أن رئيس الحكومة “تلقّى في المجمل ردود فعل إيجابية”.

وتؤكد وزارة التخطيط أنها أعدت نحو 450 معلّما ومدرّسا في مختلف مناطق البلاد بما فيها محافظات إقليم كردستان الثلاث للمشاركة في تنفيذ الإحصاء، مشيرة إلى أنها تعكف على إعداد استمارة شاملة لهذا الغرض.

العرب

Print Friendly, PDF & Email