بعد شهر على إعلان انتهاء “الخلافة”: هل لا يزال داعش الإرهابي مصدراً للتهديد في العراق وسوريا ؟!

بعد شهر على إعلان انتهاء “الخلافة”: هل لا يزال داعش الإرهابي مصدراً للتهديد في العراق وسوريا ؟!

بعد شهر من إعلان القضاء على “الخلافة” المزعومة ، تلقي ترِكة تنظيم داعش الإرهابي بثقلها على قوات سوريا الديمقراطية التي تقع على عاتقها إدارة سجون مكتظة بالمقاتلين ومخيمات تضيق بأتباعهم ، بينما يواصل التنظيم شنّ هجمات دموية تستهدف الأكراد وقوات النظام السوري ، وأعلنت قوات سوريا الديمقراطية في 23 آذار/ مارس القضاء على “خلافة” التنظيم الإرهابي بعد طرده بدعم من التحالف الدولي بقيادة أمريكية من جيبه الأخير في أقصى الشرق السوري ، ليقتصر وجوده بذلك على خلايا نائمة ومقاتلين منتشرين في مناطق صحراوية ، ورغم إعلان القضاء على داعش جغرافياً بعدما كانت مساحتها في العام 2014 تعادل مساحة بريطانيا ، إلا أن التنظيم ما زال يشكل تهديداً حقيقياً لكل من الكرد وشريكهم التحالف الدولي وقوات النظام السوري.
وترى التحليلات العسكرية أن التنظيم انهزم كخلافة ، لكن الحقيقة لا تخفي حجم النفوذ الذي لا يزال يحظى به عبر شبكة عملاء قادرة على تنفيذ الأوامر ، وأوضحت أن غالبية هؤلاء سكان محليون يحظون بحماية عشائرهم ومجتمعاتهم المحلية ، لافتين إلى أن استراتيجية التنظيم للتمرد مجدداً تعتمد إلى حد كبير على الحفاظ على علاقات قوية مع بعض العشائر المحلية في شرقي سوريا وغربي العراق.
ويثير الوضع الراهن للأمور ، القلق في أفضل الأوقات ، وباتت الحاجة ماسّة أكثر من أي وقت مضى إلى الدور الأميركي الواضح ، والقوي ، والبنّاء في سوريا والعراق ، فربما فقد «داعش» مناطقه المزعومة إلى غير رجعة ، لكن التنظيم لا يزال يشكل تهديداً إرهابياً وعسكرياً قائماً ، وتشير التقديرات الاستخباراتية الأميركية إلى وجود ما يقرب من 15 إلى 20 ألف مقاتل من مقاتلي «داعش» نشطون وموزعون عبر أرجاء العراق وسوريا كافة.
وتشهد هجمات «داعش» في العراق تصاعداً مستمراً في كل شهر على مختلف المدن والمحافظات ، إضافة إلى العديد من السيارات المفخخة التي انفجرت في مدينة الموصل في الأسابيع القليلة الماضية ، تلك المدينة التي لا تزال تشهد وجوداً واضحاً لعناصر التنظيم الضالعة في شبكات العنف والابتزاز الموسعة ، وهناك ما لا يقل عن (1000) من مقاتلي «داعش» قد وصلوا مؤخراً إلى محافظة الأنبار العراقية قادمين من سوريا ، ويحملون بحوزتهم ما يوازي (200) مليون دولار من الدعم المالي ، كما أفادت التقديرات.
وفي سوريا نفسها ، تتصاعد هجمات عناصر التنظيم الإرهابي مع شبكات الخلايا النائمة التي يجري تنشيطها ببطء واضح ، مع نقاط التفتيش المسائية المنتشرة في غير موضع من محافظة دير الزور وبصفة يومية ، مما يفيد بأن هذا ليس الوضع الطبيعي الذي ينبغي أن تبدو عليه الجماعة المنهزمة عسكرياً على الإطلاق.
لذا ترى التحليلات العسكرية ، أن تنظيم داعش الإرهابي لا يزال يشكل تهديداً مستمراً .
تراجعت هجمات التنظيم الإرهابي عما كانت عليه قبل عام ، لكنه لا يزال قادراً على شنها بانتظام كل أسبوع ، وفي محاولة لدعم الكرد ، أعلنت واشنطن في وقت سابق إبقاء 400 جندي أمريكي في سوريا ، بعد قرارها المفاجئ بسحب كل قواتها ، لكن التحليلات العسكرية تعتبر أن التنظيم نشط للغاية وسيبقى كذلك ، والعدد المنخفض للقوات الأمريكية لن يحلّ بالكامل هذه المعضلة ، ولا يرتبط خطر التنظيم بقدرته على شن هجمات دامية وحسب ، بل يشكل الآلاف من مقاتليه الذين اعتقلتهم قوات سوريا الديمقراطية على مدى سنوات من سوريين وعراقيين وأجانب من عشرات الدول ، تحدياً كبيراً ، ويقبع هؤلاء حالياً في سجون الإدارة الذاتية الكردية في شمال وشمال شرق سوريا ، ولا يكف الكرد عن مطالبة الدول الغربية وخصوصاً دول التحالف ، بتحمل مسؤولياتها واستعادة مواطنيها لمحاكمتهم على أراضيها ، ومع تردد غالبية الدول ، طالبوا بإنشاء محكمة دولية خاصة لمحاكمتهم في سوريا.
ويوضح رئيس مكتب العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية عبد الكريم عمر: “طالبنا بتشكيل محكمة دولية لمقاضاة هؤلاء الإرهابيين ، كون الجريمة من عمليات القتل والسبي والتهجير والتدمير وقعت في هذه المنطقة” ، ويواجه التنظيم المتطرف تهم ارتكاب جملة من الفظاعات كالإعدام الجماعي والاغتصاب والخطف والعقوبات الوحشية في مناطق سيطرته ، عدا عن تنفيذه هجمات دامية حول العالم .
ويؤكد عمر “أولويتنا هي مقاضاة المجرمين”، من دون أن يحدد عددهم الإجمالي الدقيق.
وبحسب التحليلات العسكرية “لا تملك سوريا ولا العراق الموارد أو الاستقرار السياسي لإدارة مثل هذا العدد الكبير من السجناء” ، ويعرب مراقبون عن خشيتهم من أن تشكل السجون والمخيمات ، حيث عائلات المقاتلين ، سبباً لانتعاش التنظيم مجدداً ، وحذّر مركز صوفان للشؤون الأمنية في تقرير نشره في 12 نيسان/ أبريل من خطر أن “تتحول مراكز الاعتقال إلى أرض خصبة” للمزيد من التشدد ، محذراً في الوقت ذاته من احتمال أن يحاول المقاتلون الفرار من السجون ، وتطالب الإدارة الذاتية الكردية المجتمع الدولي بدعمها لبناء سجون جديدة مهيأة وتأمين الحماية اللازمة لها ، فضلاً عن تقديم المزيد من الدعم للمخيمات ، حيث يقبع عشرات آلاف النازحين وأفراد عائلات مقاتلي التنظيم.
وتجعل الإطلالة السريعة على البيانات ذات الصلة بالحملة على داعش الإرهابي من التحديات الراهنة أكثر إثارة للقلق والشواغل ، إذ يحتجز العراق في الوقت الراهن نحو 20 ألفاً من السجناء ذوي الصلة بـ«داعش»، مع 20 ألفاً آخرين محتجزين في سوريا ، ومن المقرر نقلهم إلى العراق ، وهناك عشرات الآلاف من المواطنين المدنيين ذوي الصلات غير المحكمة بالتنظيم الإرهابي يعيشون داخل مخيمات المشردين داخلياً بالعراق ، في حين أن هناك عشرات الآلاف من الأطفال العراقيين لا يزالون من دون جنسية محددة مع رفض حكومة بغداد المستمر الاعتراف بمولدهم تحت حكم داعش السابق.
وفي سوريا ، هناك أكثر من 100 ألف مواطن ممن عاشوا تحت حكم داعش لا يزالون قابعين الآن في مخيمات المشردين داخلياً ، مع 77 ألفاً آخرين قادمين من قرية الباغوز ، وهي آخر معاقل التنظيم الإرهابي المحررة في البلاد ، إضافة إلى 7 آلاف من مقاتلي «داعش»، بما في ذلك ألف من المقاتلين الأجانب ، محتجزين داخل سجون قوات سوريا الديمقراطية ، غير أن قيادة قوات سوريا الديمقراطية قد حذرت من أنها لن تتمكن من الاحتفاظ بهم لفترة أطول من الوقت ، وأسفرت هذه الضغوط الشديدة على موارد قوات سوريا الديمقراطية عن إطلاق سراح المئات من مقاتلي التنظيم الإرهابي صوب شرق سوريا ، فيما عُرف إعلامياً باسم «صفقات العشائر» ، وتشير الأرقام المذكورة إلى كل شيء باستثناء نهاية التنظيم الإرهابي ، وفي واقع الأمر ، يبدو أن تهديد «داعش» سيظل يرافقنا في تلك المنطقة المنكوبة ..
والسؤال الذي يطرح في هذا السياق: ما الذي يعنيه سقوط التنظيم لمستقبل التشدد الإسلامي في العالم؟
رغم أن رقعة الأرض الأساسية التي وقف عليها التنظيم كانت في العراق وسوريا ، فقد بايعه متشددون في دول أخرى ، لا سيما في نيجيريا واليمن وأفغانستان ، ويظل السؤال بلا إجابة .. هل ستواصل هذه الجماعات ارتداء عباءة التنظيم، خاصة إذا ما وقع البغدادي في الأسر أو سقط قتيلا ، غير أنه لا يبدو أن ثمة فرصة تذكر ان توقف هذه الجماعات حملاتها قريبا ، كما أن تنظيم القاعدة يحتفظ بفروع عديدة في مختلف أنحاء العالم ، وتعمل جماعات إسلامية متشددة أخرى في دول انهار الحكم فيها ، وقد ثبت منذ فترة طويلة أن الأفكار المتشددة قادرة على التحول مع تغيير الظروف ، كما أن الحروب والظلم والقهر والفقر والطائفية بل والكراهية الدينية الصريحة لا تعوز التنظيم.

وحدة الدراسات العراقية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية

Print Friendly, PDF & Email