إيران وميليشيات ليبيا: عمائم الملالي على بنادق المسلحين

إيران وميليشيات ليبيا: عمائم الملالي على بنادق المسلحين

لا يعد الحديث عن محاولات إيران اختراق النسيج المجتمعي الليبي جديدا، حيث ظهرت مساعي طهران للتمدد في ليبيا عبر ترويج مسوقات تاريخية، تأتي على رأسها تعلة البحث عن موسى الصدر رجل الدين المختفي في ليبيا منذ أواخر سبعينات القرن الماضي، منذ الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي أو بالنظر لارتباطاتها الوثيقة بجماعة الإخوان المسلمين ودعم أذرعها وميليشياتها، لكن الجديد في كل هذا -والذي لا يدفع للاستغراب- تمثّل في لجوء إحدى القنوات التلفزيونية التابعة للإخوان مؤخرا لبث أناشيد الحشد العراقي الموالي لإيران للتحريض على الجيش الليبي الساعي لتحرير العاصمة طرابلس من كل الميليشيات المسلحة المحسوبة على التيارات الإسلامية.

تونس – لم يكن مستغربا أن تلجأ إحدى قنوات إخوان ليبيا التلفزيونية إلى أناشيد الحشد العراقي في التحريض على مقاتلة الجيش، فقد بثت قناة “ليبيا بانوراما” الجناح الإعلامي لحزب العدالة والبناء الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، أنشودة بعنوان “نحن لا نهزم” من إنتاج “فيلق بدر” وهو كيان طائفي مسلح متهم رغم قتاله تنظيم داعش بارتكاب مجازر وفظاعات طائفية في العراق، ويتزعمه هادي العامري القيادي الشيعي المتشدد والمعروف بتبعيته لإيران.

ورائحة الحضور الإيراني في ليبيا لا تخطئها بصيرة المتابع، وهو ما أشار إليه الوزير الليبي والمندوب الأسبق لدى الأمم المتحدة، عبدالرحمن شلغم. عندما قال “إن الدولة الإيرانية لها أطماع كبيرة في دول شمال أفريقيا وخاصة الدولة الليبية، لدوافع عدة أولها توافر السيولة الأمنية وغياب سيطرة الدولة القوية، وثانيها بعدها عن المشرق العربي الذي يمثل مركز الصراعات والتداخلات السياسية والعسكرية بين القوى الإقليمية والدولية”، مشيرا إلى أن “ثالث دوافع إيران لمحاولة السيطرة على ليبيا، اعتقادها أن بقايا الموروث الفاطمي الشيعي لا تزال حية في اللاوعي الشعبي في شمال أفريقيا، الذي يمكن توظيفه في عملية التبشير للمذهب الشيعي”.

أما رابع تلك الدوافع فهو “أن ضعف المذهب السني المالكي في عقول الأجيال الجديدة، يجعل المقاومة الدينية لحملة التبشير الشيعي الجديد ضعيفة، والخامس، استعداد شرائح كبيرة من أبناء شمال أفريقيا للانسياق في تيار الخطاب الإيراني المعادي للغرب وإسرائيل بعد انخراطهم في الحركات المتطرفة”، وآخر تلك الدوافع هو رؤية الإيرانيين أن وجود موطئ قدم لهم في شمال أفريقيا يقدم لهم ورقة ضغط ذهبية على القارة الأوروبية.

البحث عن موطئ قدم
المعروف أن إيران ساهمت بدور كبير في تأجيج الصراع في ليبيا منذ أوائل عام 2011، حيث كانت من أبرز الدول التي اندفعت مع قطر لتوسيع دائرة الفوضى، تحت ما سمي بثورات الربيع العربي أو ما وصفها المرشد الأعلى آية الله خامنئي بـ”الصحوة الإسلامية”، والتي سارع نظام الملالي في طهران إلى استغلالها، وما إن أُطيح بنظام العقيد الراحل معمر القذافي، حتى دشّنت طهران مخططاً لاختراق الأقليات العرقية والثقافية في البلاد، غير أن تركيزها كان على جماعة الإخوان التي كانت بدورها في تحالف مع تنظيم القاعدة.

لم يكن خافيا أن التغلغل الإيراني كان يستهدف دول شمال أفريقيا منذ الثورة الإسلامية في عام 1979، عندما ارتبطت طهران بعلاقات مع إخوان المنطقة، الذين رأوا فيها النموذج الذي يسعون إلى تحقيقه في بلدانهم، خصوصا وأنهم كانوا يرون، وفق الكتاب الذي ألفه الباحث السوري محمد سيد رصاص، أن سيد قطب وحسن البنا والخميني توحدوا وراء فكرة أن الإسلام هو الحل لمشكلة الحضارة الحديثة.

إيران لم تكن بعيدة عن الساحة الليبية، وإنما كانت وراء الدفع بمقاتلين من حزب الله اللبناني وحركة حماس الفلسطينية للمشاركة في المواجهة عبر تدريب المسلّحين المحسوبين على تنظيم القاعدة وجماعة الإخوان

خلال الإطاحة بنظام معمر القذافي، لم تكن إيران بعيدة عن الساحة الليبية، وإنما كانت وراء الدفع بمقاتلين من حزب الله اللبناني وحركة حماس الفلسطينية للمشاركة في المواجهة عبر تدريب المسلّحين المحسوبين على تنظيم القاعدة وجماعة الإخوان في شرقي ليبيا، وكذلك في غربها، والقيام بعمليات استخباراتية، إلى جانب العمليات العسكرية الخاصة المشتركة مع القوات القطرية.

وفي مارس 2011 قال خالد الكعيم معاون وزير الخارجية الليبي آنذاك، إن أفراداً من حزب الله اللبناني، يشاركون في القتال إلى جانب المتمردين في مدينة مصراتة الواقعة على بعد حوالي 200 كيلومتر شرقي العاصمة طرابلس. وتابع قائلا “القناصون في مصراتة هم عناصر من حزب الله. هذه ليست نكتة، بل حقيقة”، وأضاف أن وكالات الاستخبارات الغربية “تدرك مشاركة حزب الله في الأحداث في مصراتة”.

وفي نهاية عام 2011 حاولت إيران دخول ليبيا على أيدي رجال أعمال معظمهم من اللبنانيين تحت مزاعم البحث عن رجل الدين المختفي في ليبيا منذ أواخر سبعينات القرن الماضي، موسى الصدر، لكن بعد أشهر رصدت جهات ليبية معنية تكاثر المندوبين الذين يتعمّدون نشر كتب مذهبية في الكثير من مكتبات طرابلس، وهو ما رد عليه في ذلك الوقت، دعاة ليبيون اتهموا إيران بمحاولة التدخل والتغلغل في ليبيا. وأعقب ذلك قيام مسلحين في العاصمة بالهجوم على مبنى السفارة الإيرانية ومنزل السفير القريب منها.

يشير أحد قادة الميليشيات التي شاركت في الإطاحة بنظام القذافي إلى أن إيران اتصلت بعدد من أمراء الحرب وأعربت عن رغبتها في أن يكون لها موقعها في البلاد عبر قوة مسلحة وأنها مستعدة لدفع رواتب للمسلحين تصل إلى ثلاثة آلاف دولار شهريا، وأنها أبرمت اتفاقا بالفعل مع زعيم سياسي معروف هو في الوقت ذاته قائد إحدى أكبر ميليشيات مصراتة، غير أن طرفا إقليميا آخر وهو تركيا أفسد الصفقة، نظرا لأن مصراتة تعتبر خطا أحمر بالنسبة لنظام أردوغان.

وفي يناير 2013 أكد العقيد الليبي رمضان الغزيوي أن قوات الأمن الليبية قامت بمداهمات “لأوكار تنشر التشيّع”. وقال “صادرنا خلال هذه الحملة عددا كبيرا من الكتب والمطبوعات التي تدعو إلى التشيع”، وبعد ستة أشهر قال رئيس لجنة الأوقاف بالمؤتمر الوطني، محمد الوليد، إن هناك بعض الدعاة إلى المذهب الشيعي يقومون بشراء أراض في ليبيا بهدف تأسيس مؤسسات ومراكز للتشيّع، كما تم رصد تحركات لرجال أعمال ليبيين وإيرانيين وعملاء هدفهم العمل على ترسيخ الوجود الإيراني في مستقبل ليبيا، ورصدت تقارير استخباراتية في العاصمة طرابلس حراكاً متزايداً لعملاء إيران، مؤكدة أن رجال أعمال يتحرّكون لصالح طهران ويديرون عمليات مشبوهة انطلاقاً من مقار لهم في باريس والعاصمة التونسية، ما جعل هيئة علماء ليبيا، تصدر بيانا انتقدت ما وصفته بـ”تحركات مريبة للسفارة الإيرانية في ليبيا”.

واقترحت الهيئة في بيانها على وزارة الداخلية ولجنة الأمن القومي بالمؤتمر الوطني، تشكيل لجنة لمكافحة هذه الظاهرة، مختتمة البيان بالتأكيد على أنها ستبذل كل ما من شأنه جذب اهتمام الرأي العام إلى هذه القضية.

وبحسب تقرير استخباراتي، فإن وثائق سرية كشفت عن مواقع لأجهزة تجسس وأسماء سماسرة التشيّع في طرابلس، كما أظهرت أن الإيرانيين يسابقون الزمن، مستغلين تدهور الأوضاع الليبية، لتثبيت قدمهم في البلاد، حيث تزرع طهران موالين لها وتسعى لتشكيل دولة عرقية في غربي البلاد تكون منفذة للأجندة الإيرانية في شمال أفريقيا.

إرهابيو ليبيا في أحضان إيران
ما يؤكد العلاقات الوطيدة بين قوى الإسلام السياسي في ليبيا وإيران ما كشفت عنه وزارة الخزانة الأميركية في عام 2016، من وثائق سرية تربط بين تنظيم القاعدة والجماعة المقاتلة في ليبيا وهي مجموعة متطرفة يتزعمها الإرهابي عبدالحكيم بلحاج، وتشير إلى أن طهران عقدت صفقة سرية مع تنظيم القاعدة في ليبيا، أصبحت بموجبها “نقطة عبور هامة للتمويل” في منطقة المغرب العربي.

ووفق إحدى الوثائق فإن عبدالحكيم بلحاج المكنى، كان قد أفتى لقيادات الجماعة الليبية المقاتلة بجواز الاستعانة والاتصال بالنظام الإيراني منذ أواخر التسعينات قبل ما يعرف بأحداث 11 سبتمبر 2001، واستغلال سوء العلاقات الثنائية بين إيران وليبيا من جهة ومصر من جهة أخرى.

كما أظهرت الوثائق أن القيادي في القاعدة، والمكنى عطية الله الليبي، واسمه الحقيقي جمال إبراهيم الشتيوي زوبية المصراتي، لعب دوراً محورياً في عمليات التمويل، فيما قام البحريني عادل محمد محمود عبدالخالق، بمساعدة الجماعة الليبية المقاتلة، عبر سفره لإيران 5 مرات، ولقائه كبار الداعمين لـ”القاعدة” في طهران.

وبرز دور عطية الله الليبي، المعيّن من أسامة بن لادن، كمبعوث لتنظيم القاعدة في إيران، فيما كان القيادي الليبي في “القاعدة”، ويدعى محمد بن حمادي الممول الرئيس للجماعة الليبية المقاتلة، كما تم تعيين نورالدين الدبسكي عضواً في لجنة عسكرية من الجماعة الليبية المقاتلة ومقرها إيران، بينما أشارت العديد من الرسائل المرسلة من وإلى أسامة بن لادن، والتي عثر عليها في منزله في آبوت آباد بباكستان، حيث قتل، إلى بعض أتباعه الليبيين الذين كانوا يعيشون في إيران، ثم شاركوا في ما بعد في أحداث 2011 داخل الأراضي الليبية للإطاحة بالنظام.

وتم تعيين نورالدين الدبسكي، وفقاً لوثيقة أميركية، عضواً في لجنة عسكرية، من الجماعة المقاتلة الليبية ومقرها إيران، فيما أشارت وثيقة أخرى، إلى عقد إيران صفقة سرية مع تنظيم القاعدة الليبي.

كما تحدثت تقارير إعلامية عن وجود صلة بين إيران والأعضاء الليبيين في تنظيم القاعدة في وثائق بن لادن نفسه، التي تمت مصادرتها من منزله بآبوت آباد. ففي تقرير مرسل لبن لادن من أحد عملائه، يرجع تاريخه إلى 20 أبريل 2011، كانت هناك فقرة مكثفة حول مساعي “القاعدة” في ليبيا، تكرر فيها ذكر إيران، وقال أحد المتشددين بأن أحد العملاء الذي يطلق عليه “أنس”، سمح له بالسفر من ليبيا إلى إيران.

ووصفت الرسالة “عروة”، باعتباره أحد أهم “الإخوة” في الجماعة الليبية المقاتلة، وهو تعبير يستخدمه المتشددون وعلى رأسهم جماعة الإخوان.

وأضافت الوثيقة أنه “ظل في إيران ولم يأتِ إلينا. وقبل شهر، سافر إلى ليبيا ووصل بسلام ونتوقع أن يكون له دور كبير في ليبيا”. ولكن بعد بضعة أيام من الخطاب المرسل لابن لادن، ظهرت تقارير في ليبيا تفيد بأن قوات القذافي قتلت أبا مالك”.

إيران ودعم الميليشيات

بعد ثورة 30 يونيو 2013 المصرية باتت ليبيا تحتل مكانة أكبر لدى إيران، حيث اشتركت مع قطر والسودان في دعم ما يسمى بـ”الجيش المصري الحر”، الذي كان يتلقى تدريبات داخل معسكرات تابعة لجماعات متطرفة داخل الأراضي الليبية، وقالت تقارير إعلامية آنذاك أن المعسكر الرئيسي للجيش المزعوم يقع في منطقة النوفلية الليبية، بين سرت وهراوة، وهو تابع لتنظيم القاعدة وحركة أنصار الشريعة، ويشرف عليه ضباط مخابرات قطريون.

وأضافت أنّ هناك معسكرين آخرين للتدريب، أحدهما يقع قرب قاعدة الجفرة الجوية بليبيا، والآخر بين منطقتي درنة والبيضاء، مؤكدا أن من ضمن المتطوعين جنسيات مغربية وتونسية وباكستانية وأفغانية، لكن الوجود الأكبر هناك لمصريين، مشيرة إلى أن المسؤول عما يسمى بـ”الجيش المصري الحر”، هو إسماعيل الصلابي، مسؤول مخابرات الإخوان بليبيا، وحلقة الوصل بين الجماعة بالقاهرة وطرابلس، وكان يزور القاهرة خلال فترة حكم ا محمد مرسي ويقيم بأحد أشهر الفنادق على حساب القيادي الإخواني خيرت الشاطر.

وإسماعيل الصلابي هو شقيق علي الصلابي القيادي الأبرز في جماعة إخوان ليبيا وعضو ما يسمى الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وكان من أبرز القيادات الإرهابية في بنغازي، قبل أن يحررها الجيش الوطني.

وتبين أن طهران كان لها دور مهم في دعم الميليشيات في ليبيا خصوصا من خلال التنسيق مع نظام الدوحة، حيث يتفق الطرفان على ضرورة استمرار الفوضى، وهو ما لا يتحقق بالنسبة لهما إلا بالعمل على عرقلة تقدم الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر.

ووفق أحد التقارير الصحافية، تم نشره في يونيو 2018 فإن الأمر وصل إلى حد صراع إيراني – إسرائيلي على الأراضي الليبية عندما أرسلت طهران مستشارين عسكريين من الحرس الثوري في مهمات خاصة لكن اثنين من الإيرانيين لقيا حتفهما في جنوب ليبيا، وقال التقرير إن “الإسرائيليين راقبوا قبل فترة عنصرين من الحرس الثوري الإيراني منذ لحظة دخولهما ليبيا عبر منفذ ذهيبة على الحدود مع تونس حتى وصولهما بلدة صغيرة في الجنوب حيث تمت تصفيتهما من طرف مسلحين مجهولين يعتقد أن لهم علاقة بجهاز المخابرات الإسرائيلية الموساد”.

وتقدم مصادر ليبية متطابقة تفاصيل مهمة وخطيرة عن مهمة المستشارين العسكريين الإيرانيين اللذين تمت تصفيتهما في جنوب ليبيا “التواصل والتنسيق مع مقاتلي تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وعناصر تنظيم الدولة الاسلامية الذين فروا من الرقة في سوريا إلى ليبيا عبر تركيا والسودان” وكانت قيادة الجيش الليبي قالت إن متطرفين عبروا من منفذ بري على الحدود مع السودان إلى مدينة الكفرة واتجهوا منها إلى أوباري أقصى جنوب غرب ليبيا.

العرب

Print Friendly, PDF & Email