الشيخوخة هاجس اليابان إمبراطورا وشعبا

الشيخوخة هاجس اليابان إمبراطورا وشعبا

الشيخوخة هاجس اليابان الأول، دفع الخوف من تبعاتها الإمبراطور أكيهيتو للتنازل عن عرشه لابنه الأمير ناروهيتو في حياته، مسجلا بذلك سابقة تاريخية في تاريخ أقدم أسرة حاكمة في العالم، تقول الأسطورة إنها تعود إلى 2600 عام، ويُرجِع المؤرخون أصولها إلى القرن السابع الميلادي.
تنازل الإمبراطور أكيهيتو (85 عاما) لابنه وولي عهده ناروهيتو (59 عاما) -الذي ستجرى مراسم تنصيبه في العاصمة طوكيو غدا الأربعاء- لم يكن مفاجئا، فقد سبق أن أعلن قبل عامين عزمه التخلي عن منصبه لابنه، مبررا ذلك بحاله الصحية.

رأى الإمبراطور أنه ليس من الجيد الاستمرار في منصبه مدى الحياة مع عدم مقدرته على أداء تلك المهمة، وعبّر عن معارضته بشدة الحل الذي يقضي بوضع وصي أو وكيل للإمبراطور.

وفي 18 أغسطس/آب 2016، خاطب الإمبراطور شعبه مباشرة في رسالة قرأها بنفسه، أعرب فيها عن رغبته الشديدة في التخلي عن العرش طواعية، على الرغم من أن منصب الإمبراطور يخضع لنظام “مدى الحياة”.

لم يتردد الإمبراطور في رسالته إلى شعبه في ذكر الأسباب التي رآها موجبة لتخليه عن العرش من تلقاء نفسه في هذا التوقيت، ولم يجد حرجا في القول إنه أصبح من الصعب عليه القيام بأداء المهام كرمز لليابان “بكامل القوى الجسدية والروحية” كما كان في السابق.

أما السبب الثاني الذي صارح به اليابانيين، فهو الخوف من أن يؤدي منصب الإمبراطور الذي يتولى العرش مدى الحياة إلى “الركود الاجتماعي والتأثير على حياة المواطنين في حال تدهور حالته الصحية بشكل خطير”.

لم يجد الإمبراطور حرجا في أن يضيف إلى السببين السابقين سببا ثالث، هو خوفه من “تعرض العائلة الإمبراطورية لظروف صعبة بسبب قيامها بالمراسم المتعلقة بتنصيب الإمبراطور الجديد على العرش، ومراسم وداع الإمبراطور الراحل عند رحيله في نفس الوقت”.

الحكومة اليابانية اختارت إطلاق اسم رايوا على عهد الإمبراطور الجديد (رويترز)
تمهيد
لاقت رسالة الإمبراطور صدى إيجابيا لدى اليابانيين، وتراوحت نسبة من يرون أنه يجب الموافقة على تخلي الإمبراطور عن العرش بما بين 80% و90%، بحسب نتائج استطلاعات الرأي بعد رسالة الإمبراطور.

كان الإمبراطور في الثانية والثمانين من عمره حين وجه تلك الرسالة إلى شعبه، حيث استمر بأداء مهامه الرسمية متجاوزا إصابته بسرطان البروستات وخضوعه لعملية جراحية في الشريان التاجي للقلب.

من جانبها، مهدت الحكومة اليابانية للتنازل الذي جرى اليوم بعدد من الإجراءات، تضمنت تشكيل مجلس خبراء خاص بالإمبراطور والعائلة الإمبراطورية، سنَّ مشروع قانون خاص بالتخلي عن العرش أقرته الحكومة ومجلس الشيوخ لاحقا، كما أقرت في ديسمبر/كانون الأول 2017 موعد التخلي والمراسم المصاحبة لها.

أما الخطوة التمهيدية الأبرز فكانت إعلان التقويم الإمبراطوري الجديد في الأول من أبريل/نيسان الجاري، واختارت الحكومة إطلاق اسم “رايوا” على العهد الإمبراطوري الذي سيرافق حكم الإمبراطور ناروهيتو، ويعني الرمزان اللذان يمثلانه “رائع” أو “نظام” أو “تناغم” أو “سلام”.

شيخوخة ومجتمع دون أطفال
ليس الإمبراطور فقط من يخشى الشيخوخة، فهي تبدو الهاجس الأول لليابان وفقا للمعهد الياباني الوطني لأبحاث السكان والأمن، الذي يتوقع تراجع عدد سكان اليابان نحو 30% خلال الخمسين عاما المقبلة.

ووفقا لإحصائيات المعهد أيضا، فإن التقديرات تشير إلى أن السكان من سن 65 فما فوق سيشكلون 38% من إجمالي سكان اليابان عام 2065، بعد أن كانت 26% عام 2015. كما أن تنامي معدلات الشيخوخة يقابله تراجع كبير في معدل المواليد من جهة أخرى.

هذا الواقع دفع المعنيين بمستقبل البلاد إلى إطلاق صيحات التحذير من أن اليابان “باتت على حافة الهاوية”، ويرون أن من بين الأسباب التي جعلت اليابان الأولى عالميا في تراجع معدل المواليد هو عزوف عدد كبير من الشباب عن الزواج لشعورهم بعدم الاستقرار الوظيفي، حيث يقوم عدد متزايد من الشركات بتوظيف عمال بعقود محدودة المدة أو بدوام جزئي.

هذا الوضع الديموغرافي الذي يشهد تباينا بين انخفاض معدل المواليد وارتفاع نسبة الشيخوخة، جعل اليابان على وشك التحول إلى “مجتمع دون أطفال”، يهدد بإغراق البلاد في مستقبل غامض.

مستقبل الإمبراطورية
هاجس الديموغرافيا يحمل في طياته أيضا غموضا قد يحدث أزمة خلافة في الإمبراطورية مستقبلا، بسبب التقاليد التي تحكم نظام الوراثة وتمنع المرأة من الجلوس على “عرش الأقحوان” المحاط بقداسة تاريخية لدى اليابانيين.

ويعزز هذا الهاجس أن أغلبية أفراد العائلة الإمبراطورية من النساء (19 من أصل 24)، والإمبراطور الجديد ليس له أبناء ذكور، ومن ثم فإن أزمة وراثة تنتظر العرش الإمبراطوري مستقبلا إذا لم يرزق هيساهيتو -ابن شقيقته البالغ من العمر 12 عاما- بمولود ذكر.

أما الوجه الآخر فيتعلق بـ”شيخوخة فكرة الإمبراطورية” في ظل زحزحة بعض القيم والتقاليد في المجتمع الياباني، خصوصا لدى الأجيال الجديدة.

فديانة الشنتو التي يدين بها اليابانيون تتميز بعبادة الأسلاف، وكانت مقدمة مناسبة لتأليه العائلة الإمبراطورية ثم تأليه الإمبراطور نفسه بعد ذلك؛ لكن تأليه الإمبراطور في اليابان اليوم له معنى مجازي فقط.

فيما مضى كانت أشرف حياة وأعظم ميتة يلقاها شخص ياباني هو أن يموت شهيدا في سبيل الإمبراطور، وكانت العقيدة المعلنة للجيش الياباني هي تأهيل المقاتلين للموت في سبيل الإمبراطور.

وكان أول طلب يطلب ممن ينضم إلى الجيش هو تحرير وصيته، وكان اليابانيون يقولون للأوروبيين “لا يمكنكم أن تنتصروا علينا فنحن نحب الموت كما تحبون الحياة”.

مضى زمن الحرب التي انهزمت فيها اليابان وأعلنت استسلامها في أغسطس/آب 1945، ونزع الأميركي المنتصر صفة الألوهية عن الإمبراطور هيروهيتو، وأملى المنتصر دستورا جديدا على المهزوم بدلا من دستور ميجي، ومن أبز ما تضمنه نزع العرش الإمبراطوري وتحويله إلى مجرد رمز.

لكن حتى الرمز المتبقي لن يسلم من الشحوب بمرور الزمن وظهور أجيال جديدة بمفاهيم جديدة وهموم جديدة.

المصدر : الجزيرة