بعد اشتداد الضغوط الأميركية.. هذه شروط إيران للبقاء في الاتفاق النووي

بعد اشتداد الضغوط الأميركية.. هذه شروط إيران للبقاء في الاتفاق النووي

مع تزايد الضغوط الأميركية على إيران واشتداد التوتر في الخليج، كشفت مصادر مطلعة عن طبيعة الشروط التي تضعها إيران للبقاء في الاتفاق النووي، خصوصا بعد الإدانة الأوروبية لتلويحها بالانسحاب.

وقالت تلك المصادر المطلعة على المحادثات بين إيران والاتحاد الأوروبي إن طهران تصر على تصدير ما لا يقل عن 1.5 مليون برميل من النفط يوميا -بما يعادل ثلاثة أمثال المستويات المتوقعة في مايو/أيار الجاري في ظل العقوبات الأميركية- شرطا للبقاء في الاتفاق النووي العالمي.

وأوضحت أربعة مصادر دبلوماسية أوروبية أنه جرت اتصالات بخصوص هذا الرقم خلال اجتماعات عُقدت في الآونة الأخيرة بين مسؤولين إيرانيين وغربيين، بينهم وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، لكنه لم يُدون كتابة.

وكانت الولايات المتحدة أعادت فرض عقوبات على صادرات النفط الإيرانية في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب الربيع الماضي انسحاب بلاده من الاتفاق المبرم عام 2015 بين إيران وست قوى عالمية لكبح برنامج طهران النووي.

وفي محاولة لوقف صادرات الخام الإيرانية كاملة، أنهت واشنطن بداية من مايو/أيار الجاري إعفاءات سمحت لكبار مشتري الخام الإيراني بالاستمرار في استيراده لمدة ستة أشهر.

وبالفعل تسببت العقوبات في خفض صادرات النفط الإيرانية إلى نحو الثلثين، أي إلى مليون برميل يوميا أو دون ذلك، من ذروتها البالغة 2.8 مليون في العام الماضي. وقال مسؤول إيراني لرويترز هذا الشهر إن الصادرات قد تهبط إلى نحو 500 ألف برميل يوميا بداية من مايو/أيار الجاري.

وهددت إيران بغلق مضيق هرمز -وهو مسار رئيسي لشحنات النفط- وعرقلة شحنات الخام من البلدان المجاورة، إذا نجحت واشنطن في إجبار جميع الدول على وقف شراء النفط الإيراني.

وفي العام الماضي، حدد المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي مجموعة من الشروط للقوى الأوروبية إذا أرادات استمرار التزام طهران بالاتفاق النووي، ومن بينها مواصلة مشتريات النفط الإيراني.

ولم يحدد خامنئي أدنى مستوى لمبيعات النفط تقبله إيران كي تظل ملتزمة بالاتفاق أو تبقي المضيق مفتوحا.

ووفقا لأحد المسؤولين بالاتحاد الأوروبي، لم يكن الإيرانيون محددين، لكنهم يريدون ضمان عودة الإنتاج إلى مستويات ما قبل العقوبات. وقالت مصادر أخرى إن طلب إيران يبدو بصفة عامة في نطاق ما بين 1.5 مليون ومليوني برميل يوميا.

وقال أحد المصادر “قال ظريف تحديدا إنهم يريدون بيع مليوني برميل من النفط (يوميا)، وهو ببساطة المستوى الذي كانت تصدره إيران قبل انسحاب ترامب من الاتفاق”.

وأضاف المصدر الذي حضر اجتماع نيويورك حيث أدلى الوزير بتصريحاته “غير أنني لا أعتقد أنه طلب جاد، فهو غير ممكن، والإيرانيون يعلمون أنه غير ممكن”.

كما ذكر ظريف خلال نفس الزيارة لنيويورك في أبريل/نيسان الماضي أن إيران قد لا تبيع سوى ما بين 500 و700 ألف برميل من النفط يوميا.

إيرادات ونفقات
من جهته قال عباس عراقجي نائب وزير الخارجية الإيراني الأسبوع الماضي إنه كي تظل طهران ملتزمة بالاتفاق النووي، يجب أن تصل مبيعاتها النفطية إلى مستواها قبل العقوبات، أو على الأقل “تبدأ عملية العودة” إلى هذا المستوى.

وأضاف عراقجي أن إيران تشترط أيضا أن تكون إيرادات تصدير النفط تحت تصرفها بالكامل، وتنفقها كيفما تشاء، وليس فقط على الغذاء والدواء مثلما تقترح دول الاتحاد الأوروبي.

وبحسب ميزانية إيران للعام الحالي، يُتوقع أن تجني الحكومة ثلث دخلها -1425 تريليون ريال (33.9 مليار دولار)- من صادرات النفط والغاز.

وتستند الميزانية إلى سعر متوقع للنفط يتراوح بين 50 و54 دولارا للبرميل، وسعر صرف للدولار يبلغ 57 ألف ريال، مما يعني أن الاقتصاد الإيراني قد يظل على مسار مستدام إذا بلغت صادرات الخام 1.5 مليون برميل يوميا على الأقل.

كما تشير تقديرات مسؤولي الاتحاد الأوروبي إلى أن إيران تحتاج لبيع 1.5 مليون برميل من النفط يوميا كي يبقى اقتصادها صامدا. وإذا قلت الصادرات عن مليون برميل يوميا فإنها قد تجلب مصاعب وتثير أزمة اقتصادية.

وتذهب حصص من مبيعات النفط الإيرانية إلى صندوق الثروة السيادي في البلاد وإلى شركة النفط الوطنية الإيرانية لتغطية نفقات الإنتاج وغيرها من التكاليف.

وخفض الرئيس الإيراني حسن روحاني هذا العام الحصة المخصصة لصندوق الثروة السيادي من إيرادات النفط من 30 إلى 20%، بسبب توقعات انخفاض الصادرات جراء العقوبات الأميركية. وتجني الحكومة أيضا إيرادات من تصدير الغاز إلى عدد من الدول المجاورة.

يشار إلى أن صادرات إيران من النفط انخفضت خلال العقوبات السابقة عام 2012 إلى نحو مليون برميل يوميا، مما دفع التضخم إلى الارتفاع. وتعهد المسؤولون الإيرانيون بالحيلولة دون حدوث ارتفاعات مماثلة في الأسعار مستقبلا.

غير أن صندوق النقد الدولي يتوقع أن يدفع تشديد العقوبات الأميركية التضخم في إيران إلى 37% هذا العام، وهو أعلى مستوى له منذ العام 1995.

التزام عالمي
بعدما كانت يوما ما أكبر مورد لأوروبا، شهدت إيران صادراتها وهي تنقطع تدريجيا عن المشترين الأوروبيين. وحتى الصين -أكبر مشتر للنفط الإيراني بواردات بلغت 475 ألف برميل يوميا في الربع الأول من العام الحالي- توقفت عن الشراء منها بعدما قررت واشنطن عدم تجديد الإعفاء من العقوبات.

وقال دبلوماسي أوروبي كبير إن “المشكلة الحقيقية بالنسبة لإيران هي صادرات النفط، لكنه سؤال يتعين على الإيرانيين أن يطرحوه على الصينيين والهنود، فاستمرار هذا الاتفاق التزام عالمي وليس أوروبيا فحسب كما يواصل الإيرانيون الزعم.. إن أردنا إنقاذ الاتفاق، فعلى الصينيين أن يواصلوا شراء النفط”.

وبينما انتقدت بكين العقوبات الأميركية، تفضل الشركات أخذ جانب الحيطة. ولم تشتر مجموعة “سينوبك” ولا مؤسسة النفط الوطنية الصينية -أكبر شركتي تكرير مملوكتين للحكومة الصينية- أي كميات من النفط الإيراني للتحميل في مايو/أيار الجاري.

وتقول إيران إنها ستبيع النفط في “سوق رمادية” لتفادي العقوبات الأميركية، لكنها لم تذكر تفاصيل.

وبعد عام من انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق، أعلنت إيران الأربعاء الماضي عن خطوات لتخفيف القيود على برنامجها النووي.

وفي رسائل إلى موقعي الاتفاق الباقين وهم بريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا والصين، حدد روحاني مهلة 60 يوما لحماية مصالح بلاده أو مواجهة استئناف تخصيب اليورانيوم عند مستوى عال.

لكن الرسالة لم تذكر المطالب الاقتصادية لإيران، وتحديدا حجم النفط الذي ترغب في بيعه، حسبما ذكره أحد الدبلوماسيين.

وقال مصدر آخر إن الإيرانيين “أخذوا خطوة صغيرة بعيدا عن الاتفاق.. أعتقد أنهم سيرضون بخطوة صغيرة مماثلة من أوروبا.. الخطوة المماثلة لن تكون بخصوص النفط.. لا أعتقد أن هناك الكثير الذي يمكن القيام به على صعيد النفط”.

الجزيرة