“تخريب” ناقلات النفط وتهديدات بأغلاق هرمز توترات جديدة للمنطقة

“تخريب” ناقلات النفط وتهديدات بأغلاق هرمز توترات جديدة للمنطقة

الباحثة شذى خليل

أخذت الأزمة بين طهران وواشنطن في منطقة الخليج العربي، تصعيداً عسكريا، للتوترات الدبلوماسية، تزامنا مع قرار الولايات المتحدة إرسال سفينة هجومية برمائية وبطاريات صواريخ “باتريوت” إلى الخليج حيث نشرت قاذفات من طراز “B52” ، كما أعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) الجمعة الماضي، “أنه رداً على تهديدات مفترضة من إيران”.
ولاتزال السفينة الحربية “يو إس إس أرلينغتون” التي تضم على متنها قوات من مشاة البحرية (المارينز) وعربات برمائية ومعدات ومروحيات أيضاً في طريقها إلى الشرق الأوسط”، في خطوة قال مسؤولون أميركيون انها تهدف إلى مواجهة “الدلائل الواضحة” على تهديدات إيران للقوات الأميركية في المنطقة.

وفي واقعة نادرة في الإمارات العربية المتحدة، هذه الدولة الخليجية التي تتمتع باستقرار أمني كبير، تعرضت أربع سفن تجارية للتخريب في المياه الإماراتية قبالة إيران، والتي تحملت مسؤوليتها جماعة الحوقيين باوامر ايرانية .
صحيفة ذي ناشيونال الإماراتية قالت إن سفينتين سعوديتين، وحسب سلطات الرياض كانتا من بين السفن التجارية الأربع اللاتي تعرضن لأعمال تخريب، فيما تعود السفينتين الأخريين للإمارات والنرويج، وان هذا التهديد يزيد من الصراع في المنطقة ويهدد الطريق الحيوي الذي تمر عبره السفن التجارية.
واكدت وكالة الأنباء السعودية الرسمية “واس” إن “إحدى الناقلتين كانت في طريقها للتحميل بالنفط السعودي من ميناء رأس تنورة، ومن ثم الاتجاه إلى الولايات المتحدة لتزويد عملاء أرامكو السعودية هناك ، واعتبرت السعودية هذا العمل اجراميا ويشكل تهديداً خطيراً لأمن وسلامة حركة الملاحة البحرية، وبما ينعكس سلبا على السلم والأمن الإقليمي والدولي .

ان استقرار الدول العربية النفطية المطلة على الخليج هو جزء من استقرار العالم، بشرقه وغربه، وان استهداف أربع ناقلات نفط في مياه الخليج إنما يمثل لحظة تهور هي التجسيد الأمثل لغباء الجهة التي قامت بذلك الفعل الطائش.
وإذا ما كانت إيران -وهي الطرف الذي توجه إليه أصابع الاتهام- قد عبرت عن دهشتها واستغرابها لما حصل، فإنها لم تنفي مسؤوليتها بشكل قاطع، وهنا يجب ان نقف ونتسأل .. إيران   المخطط  والداعم والحوثيين المنفذين وإن كانت تستعد للمنازلة الكبرى فإنها لا تزال تنظر إلى تلك المنازلة باعتبارها حدثا خياليا يمكن ألا يقع، وهي تعتبر كل الاستعدادات العسكرية الأميركية في المنطقة مجرد نوع من الحرب النفسية التي يُراد من خلالها “تركيع الشعب الإيراني” حسب التعبير الرسمي الايراني .

إذا كانت إيران هي الفاعل فهذا دليل على ضعفها وعدم قدرتها على تنفيذ تهديداتها التي تأتي فقط كإشارات خجولة تصاحبها تصريحات نارية للترهيب والوعيد، ام انه سيناريو لانعاش أسعار النفط بافتعال الأزمات كما من قبل .
في مقابل إصرار النظام الإيراني على الاستمرار في سياساته، باستخدام اذرعه ” الحوثيين ” وغيرهم ….فإن كل المعادلات القائمة قابلة للتغيير، وهو ما تؤكده الاستعدادات الأميركية وهي استعدادات كافية لشن حرب من المؤكد أنها ستكون مدمرة لإيران، وستقف أمام مواجهة مفتوحة مع العالم وليس مع الولايات المتحدة نفسها، وستكون خاسرة من تلك المواجهة .

ويجب ان لا ننسى ، فذلك النظام يملك مؤيدين وداعمين في واشنطن ولديه محافل سياسية تدعمه هناك، كان هذا واضح في حقبة حكم باراك أوباما، لذلك فإن من المؤكد أن ذلك النظام يدرك أن هناك مسافة ما بين أن تحرص الولايات المتحدة على أن تضبط أعصابها في حالة إذا ما كان الوضع في منطقة الخليج مسيطرا عليه، وبين أن ترى واشنطن أن مصالحها ومصالح العالم باتت عرضة للتهديد.
الإيرانيون يعرفون أن أمن الخليج خط عالمي أحمر، وهو ما يدفع بهم في أحيان كثيرة إلى التراجع عن تهديداتهم بغلق مضيق هرمز، ولأنها في حقيقة الأمر غير جادة، لكنها مضطرة للتصريحات لعلها ورقة ضغط على الخليج وامريكا ، كون الاغلاق يخنقها قبل ان تخنق التجارة العالمية للنفط .
من غير المتوقع أن تشن الولايات المتحدة حربا شاملة على إيران من غير أن ترتكب الأخيرة أخطاء كبرى، غير أنه من المؤكد أن ضربة قد تتلقاها إيران من الداخل.

الولايات المتحدة حذرة في التورط في حرب جديدة في المنطقة لأسباب كثيرة يقف في مقدمتها الحرص على أمن واستقرار منطقة الخليج، باعتبارها واحدة من أهم المناطق الاستراتيجية في العالم، غير أن ذلك الموقف هو ما لا ينبغي لإيران أن تراهن عليه وهي تمارس سياساتها القائمة على التوسع على حساب الدول الأخرى ونشر وتمويل الميليشيات الإرهابية فيها.
أوروبا من جانبها ترى ان هذا الاتفاق ضروري لأمنها لا أحد يريد أن تتمكن إيران من حيازة سلاح نووي”. وأضاف “لذلك سنواصل دعم تنفيذ هذا الاتفاق، هذا ما قاله وزير الخارجية الألماني هايكو ماس ، وان اوربا تبذل جهوداً للمحافظة على التجارة الشرعية مع إيران، لاسيما عن طريق توفير قناة دفع”، مع الشركاء الثلاثة ألمانيا وفرنسا وبريطانيا المشاركين في اتفاق عالمي يستهدف رفع الحواجز التجارية مع إيران مع منعها من امتلاك أسلحة نووية.

تهديدات إيران بغلق مضيق هرمز:
مضيق هرمز ممر مائي يفصل بين إيران وعُمان، ويربط الخليج العربي بخليج عُمان وبحر العرب، يبلغ عرضه 21 ميلًا عند أضيق نقطة فيه.
وتقدر إدارة معلومات الطاقة الأميركية أنه يتم نقل 18.5 مليون برميل يوميًا من النفط عن طريق هرمز ، بما يمثل 30% من جميع النفط الخام المتداول بالبحر سنوياً.
ويمر معظم الخام المصدر من السعودية وإيران والإمارات والكويت والعراق عبر المضيق، أيضًا يعتبر هرمز الممر الأساس لغالبية شحنات الغاز الطبيعي المسال تقريبًا من قطر.
وفي 8 يوليو/ تموز 2018، قال قائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري: “إما أن يستخدم الجميع مضيق هرمز أو لا أحد سيستخدمه”، تأييداً لموقف الرئيس الإيراني حسن روحاني الذي هدد بإغلاق المضيق.
فالنفط لكل منهما في ما كان يعرف باسم حرب الناقلات، في حين أن الأسطول الأميركي الخامس، المتمركز في البحرين، مكلف بحماية السفن التجارية عبر المضيق.
جاء التهديد المباشر على لسان قائد البحرية التابعة للحرس الثوري علي رضا تنكسيري: “وفقاً للقانون الدولي، فإن مضيق هرمز ممر بحري، وإذا مُنعنا من استخدامه فسوف نغلقه”، وأضاف: “في حالة أي تهديد فلن يكون هناك أدنى شك في أننا سنحمي المياه الإيرانية وسندافع عنها”.
بعدما أعلن البيت الأبيض عن عدم تجديد الإعفاءات في مايو/ أيار المقبل، التي كان يمنحها لثماني دول تستورد النفط الإيراني من دون تعرضها للعقوبات الأميركية.
ومع مرور ثلث النفط المنقول بحراً في العالم من خلاله يومياً، فإن مضيق هرمز يعتبر شرياناً استراتيجياً يربط منتجي الخام في الشرق الأوسط بالأسواق الرئيسة في آسيا والمحيط الهادئ وأوروبا وأميركا الشمالية، ويقبع هذا المضيق في قلب التوترات الإقليمية منذ عقود، وهذه ليست المرة الأولى التي تصدر فيها طهران مثل هذه التهديدات.
تهديدات إيرانية سابقة وفي يوليو/ تموز 2010، تعرضت ناقلة نفط يابانية تدعى M Star لهجوم في المضيق، وأعلنت جماعة مسلحة تدعى كتائب عبد الله عزام مسؤوليتها عن الهجوم، وفي يناير/ كانون الثاني 2012، هددت إيران بإغلاق المضيق رداً على العقوبات الأميركية والأوروبية التي استهدفت عائداتها النفطية في محاولة لوقف البرنامج النووي.
وفي مايو/ أيار 2015، أطلقت السفن الإيرانية أعيرة نارية على ناقلة ترفع علم سنغافورة قالت إنها أتلفت منصة نفطية إيرانية، ما تسبب في فرار السفينة.
وفي 3 يوليو/ تموز 2018، لمّح الرئيس حسن روحاني إلى أن إيران قد تعطل تدفق النفط عبر المضيق استجابة لنداءات الولايات المتحدة بتخفيض صادرات النفط الإيرانية إلى الصفر.
وجاء هذا الموقف رداً على ضغوط الرئيس الأميركي دونالد ترمب لوقف الصادرات النفطية الإيرانية ومعاقبة الدول التي تتعامل مع طهران.
إيران غير جادة بالإغلاق، إذ عرَّف اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، الموقعة في ديسمبر/ كانون الأول 1982، “المياه الإقليمية” بحد أقصى 12 ميلاً بحرياً خارج ساحل كل دولة.
وتشرح شبكة “دويتشيه فيليه” عبر موقعها الإلكتروني، أنه مع إجبار السفن على استخدام طريقي الشمال والشرق للوصول إلى الخليج العربي، فإنها ستمر عبر المياه الإيرانية، ما يعني أن الدولة يمكنها نظريًا فرض قيود على حركة المرور التي تدخل مياهها.
ان إيران والولايات المتحدة تفسران اتفاقية الأمم المتحدة بشكل مختلف، وفي حين أن الحكومة الإيرانية وقّعت على اتفاقية عام 1982، لكن فعلياً لم يقرها البرلمان بعد.
“طالما ظل الاقتصاد العالمي يعتمد بدرجة كبيرة على المعروض من النفط، فمن المحتمل أن يشهد الإغلاق الجزئي أو القصير الأجل لمضيق هرمز زيادة هائلة في أسعار النفط ، لكن إيران لن تضر فقط بجيرانها المصدرين والدول التي تستورد النفط من منطقة الخليج، بل إنها ستتسبب أيضا في إيذاء اقتصادي كبير لها، كونها تعتمد أيضاَ بشكل كبير على المرور الحر عبر المضيق.
وقال إدوارد مويا، كبير محللي السوق في شركة “أواندا” المالية، لموقع “ماركت ووتش” الأميركي الذي يرصد حركة الأسواق العالمية، إن الولايات المتحدة ملتزمة بـ”عدم السماح بحدوث إغلاق هرمز”، لذا فإن الإغلاق “غير محتمل”.
وبينما تريد الولايات المتحدة أن ترى صادرات إيران تنخفض إلى الصفر، فإن ذلك لن يحصل، إذا حدث هذا الأمر، في إشارة إلى التهديد بإغلاق مضيق هرمز.

في حين أعرب جيمس ويليامز، خبير الطاقة في شركة الطاقة الدولية “دبليو تي آر جي إيكونوميكس”، عن شكوكه في انخفاض واردات النفط الإيراني إلى الصفر، وقال “التهديد بإغلاق مضيق هرمز واضح، لكنني أتوقع أن يقوموا بمناورات بحرية بالقرب من المضيق كما كان الحال في الماضي، ما يدعم أسعار النفط، ويحصلون على المزيد من العائدات لأية كميات من النفط الذي يصدرونه”.
ومن تداعيات الاغلاق تقول شبكة “دويتشيه فيليه” الألمانية، إنه طالما ظل الاقتصاد العالمي يعتمد بدرجة كبيرة على المعروض من النفط، فمن المحتمل أن يشهد الإغلاق الجزئي أو القصير الأجل لمضيق هرمز زيادة هائلة في أسعار النفط، ويؤدي لنشر الخوف في جميع الأسواق المالية العالمية.
وستشهد الكويت وقطر والبحرين والعراق والإمارات وقف شحناتها النفطية، في حين ستضطر السعودية إلى التصدير عبر موانئها على البحر الأحمر ، وطبعاً مع وجود صراع كبير في المنطقة، قد يتحول هذا الأمر إلى صراع عسكري.

 

وحدة الدراسات الاقتصادية

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية

Print Friendly, PDF & Email