تسلل الفكرة الصهيونية لمصر والمنطقة بدأ بانقلاب 1971

تسلل الفكرة الصهيونية لمصر والمنطقة بدأ بانقلاب 1971

هناك تواريخ تُنسى أو يتم تناسيها رغم أهميتها وتأثيرها الكبير على الأحداث وعلى الحياة بمجالاتها المختلفة؛ إيجابا وسلبا، وكما تعطي الانتصارات للحياة مذاقا مستساغا، نجد الهزائم أمرا من العلقم، ويمثل تاريخ 15 أيار/مايو ذكرى لأكبر نكبة حلت بالعرب والعالم؛ ودفع ثمنها الفلسطينيون، وذلك تاريخ زُرِعت فيه دولة عنوة، بإطلاق العنان للميليشيات والجماعات اليهودية المسلحة القادمة من كل الأصقاع والبقاع؛ روعت الآمنين، واغتصبت الأراضي واستولت علي المساكن والممتلكات، ثم أجبرت أصحابها على تركها، وسبق ذلك قرار من الأمم المتحدة قسم فلسطين بين مالكها الأصلي الفلسطيني، ومغتصبها الصهيوني الوافد..
واختيار السادات ليوم 15 أيار/مايو، وذكرى النكبة لانقلابه ليس اعتباطا، وهو يعلم إنه لم يقع في ذلك التاريخ، ووقع قبله بأسابيع وشهور، ويبدو أن القصد هو وضع الانقلاب في سياق يحبذه ويهابه، فبادر إليه وغرس فكرته بين سكان «القارة العربية»، وعمل على صبغها بصبغة صهيونية ضد طبيعتها.
وانقلاب السادات روج للصهيونية، فصارت مثل «شَربة الحاج محمود» في الريف المصري القديم، التي تعالج كل الأمراض والعلل، وبدايتها المعروفة سبقت مبادرة 4 شباط/فبراير 1971، الخاصة بتمديد وقف إطلاق النار بين القوات المصرية والقوات الصهيونية لمدة 30 يوما تنتهي في 7 آذار/مارس؛ تنسحب خلالها القوات الصهيونية بضعة كيلو مترات شرق قناة السويس، بدعوى التمهيد لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 242، وبدت مبادرة موصولة بأخرى بريطانية طُرحت عام 1968؛ قامت على انسحاب القوات الصهيونية لمسافة 20 كيلومترا شرق القناة.. ولا تختلف كثيرا عن مبادرة وزير الحرب الصهيوني موشى ديان (تشرين الثاني/نوفمبر 1970)، بعد أسابيع قليلة من رحيل عبد الناصر، وذلك لتطهير القناة مقابل انسحاب (إسرائيلي) رمزي لبضعة كيلومترات.
وتم رفض مبادرة السادات من معاونيه، ممن عملوا مع عبد الناصر، واستمروا بعده.. وتصدى علي صبري نائب رئيس الجمهورية وعضو اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي لمبادرة بدت ملغومة، ويُشْتم منها الإنقلاب على «الجمهورية الأولى» وتأسيس «جمهورية ثانية» متحررة من مسؤوليات وأعباء الالتزام والنزاهة، والتمسك بخط وطني قومي بمعناه العروبي..
واستند علي صبري إلى حجج رفض بها المبادرة، ومنها تحويل انتباه الرأي العام المحلي والإقليمي والعالمي بعيدا عن قرار مجلس الأمن رقم 242؛ بما فيه من تفاصيل مهمة مقابل مبادرة قاصرة على بند واحد؛ هو تطهير القناة وإعادتها للملاحة الدولية.. وكانت المساعي الأممية على أشدها من جانب مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة «جونار يارنغ».. ومعنى قبول (إسرائيل) بانسحاب جزئي أن يصبح أمن الملاحة عامل ضغط على مصر أكثر منه أداة ضغط ضد الدولة الصهيونية، ويُعَرِّض أمن الجبهة العسكرية والقوات المسلحة المصرية لمخاطر شديدة.
وتجدر الإشارة إلى أن االتيار الغالب بين الرأي العام وقتها كان مؤيدا لرفض مبادرة السادات، ومع إزالة آثار العدوان، واتمام تحرير الأرض العربية المحتلة، الذي لا يتم بغير القوة، وهذه المبادرة تصب في خدمة الدولة الصهيونية، ومن جانبه تقدم علي صبري باقتراح بديل تكتفي فيه مصر بقرار مجلس الأمن رقم 242 ومساعي جونار يارنغ، وتصر على انسحاب كامل وفق جدول زمني محدد، وتوالي الاستعداد والتعبئة لإزالة آثار العدوان، ورَفْض على صبري لمبادرة السادات جاء تمسكا منه بالحق العربي دون تفريط، وثبت فيما بعد أن السادات لا يقيم وزنا لمثل هذا الكلام، ويفضل ما يقوله أصدقاؤه وأعزاؤه ؛ جيمي (كارتر) وهنري (كيسنجر) ومناحم (بيغن)، وباقي الجوقة الصهيو غربية.

من ذا الذي تصور أن يأتي عصر يفعل فيه نتنياهو وترامب ومن على شاكلتهما ما يحلو لهم، ويرتكبون كل هذه الجرائم البشعة، ويقترفون كل تلك الحماقات… ولا يكترث أحد… فماذا بعد؟

وفي مساء 16 نيسان/إبريل 1971 صدر بيان مصري سوري ليبي مشترك عن محادثات مشروع اتحاد الجمهوريات العربية تحدث فيه السادات والأسد والقذافي؛ بعد اجتماعات عقدت بين القاهرة وبنغازي، وتناول البيان تقييم الخطوات المتخذة من دول ميثاق طرابلس «في مواجهة متطلبات المعركة المصيرية التي تخوضها الأمة العربية»، وفي اليوم التالي (17/ 04/ 1971) وقع الرؤساء الثلاثة على اتفاق اتحاد الجمهوريات العربية، وتحفظ علي صبري عليه، ولم يكن تحفظه رفضا للفكرة، إنما لعدم سلامة التوقيت، ولِما نما إلى علمه من معلومات تتعلق بإعادة صياغة مؤسسات الدولة بشكل متناقض مع الأهداف الوطنية والاستراتيجية لها ولدورها الاجتماعي، والإقليمي والدولي، وبدا ذلك مطلوبا لتلبية المتطلبات الجديدة، ورَفْض المشروع لم يكن لخلاف أو خصومة بين أجنحة ضمن منظومة واحدة بقدر ما كان مواجهة ضد الثورة المضادة. وتفجر الموقف داخل اللجنة المركزية أثناء المناقشة، ووقفت الأغلبية؛ فيما يشبه الإجماع؛ مع الرفض، وارتفعت ثلاث أيادي فقط بالموافقة، وجاء الرفض من أكثر من ثلاثمئة عضو، ورُفِعت جلسة اللجنة المركزية، والتأمت اللجنة التنفيذية العليا في اجتماع طارئ وعاجل؛ لكنه لم يغير من الأمر شيئا، ولم يتحمل السادات ذلك، فأقال علي صبري في 2 أيار/مايو 1971، وفي 13 أيار/مايو أقال شعراوي جمعة، وزير الداخلية وأمين التنظيم في الاتحاد الاشتراكي العربي.
وفي مثل هذا الشهر من ثمانية وأربعين عاما كان السادات قد خسر معاونيه ومن مكنوه من الحكم، وكانوا من رجال عبد الناصر؛ فخاصمهم وعاداهم.. وحين قرروا الانسحاب قدموا استقالاتهم؛ «تاركين الجمل بما حمل» كما يقول المصريون، وتم القبض عليهم فور تقديم الاستقالات، وحوكموا أمام «محكمة الثورة» وأصدرت أحكاما تتراوح بين الإعدام والسجن المؤبد، والمؤقت والبراءة، وأدانتهم المحكمة بالتآمر لقلب نظام الحكم، وكان من بين المحكوم عليهم بالسجن المؤبد الفريق محمد فوزي، وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة، الذي أعاد بناءها بعد 1967، وهو الثاني على مدى التاريخ المصري الطويل، وكان الأول وزير الحربية الوطني أحمد عرابي (باشا)؛ مع دخول قوات الغزو البريطانية مصر عام 1882.. حسب ما جاء في كتاب عبد الله إمام، وعنوانه «انقلاب السادات – أحداث مايو 1971».
وتحت ضغط المظاهرات الطلابية والشبابية والعمالية طوال عام 1972؛ صدر قرار حرب 1973، وفي اليوم التالي للمعارك أبلغ «صديقه هنري» كيسنجر بهدف الحرب ومحدوديتها كـ«حرب تحريك لا حرب تحرير»، وبعدها أعلن الانفتاح، ومنح 99٪ من الأوراق السياسية لأمريكا.. وتوالت التداعيات بعد انتفاضة 1977، التي وصفها السادات بـ«انتفاضة الحرامية».
وأثناء الانتفاضة أعد طائرته في مطار أسوان للمغادرة، ولمَّا أنزل المشير الجمسي القوات المسلحة وضبط الأوضاع الأمنية فلم يغادر، وبعدها بشهور قام بزيارة بائسة للقدس المحتلة، وبدا فيها مُقِرا بهزيمته السياسية، رغم «العبور» العظيم، وصحت معه مقولة «خذلان السياسة للسلاح». وبدأت النهاية بمعاهدة كامب ديفيد 1978، وتوقيع اتفاقية السلام 1979، وفتح أبواب التطبيع واسعة رغم الرفض الشعبي. وعالج فتنة سبتمبر 1981، بالقبض على رموز مصر الوطنية والسياسية والعامة والدينية.. وبعدها لقي مصرعه وهو يحتفل بالذكرى الثامنة لنصر اكتوبر العسكري.. والشيء الذي يتجاهله المعنيون والمراقبون أن السادات لقي حتفه على يد شباب المؤسسة العسكرية؛ المنتمين لجماعات «الإسلام السياسي»، فكيف خرج من رحمها من اغتال «القائد الأعلى»؟، وبقي ذلك لغزا يبحث عن حل.
وما زال العرض مستمرا، ومن ذا الذي تصور أن يأتي عصر يفعل فيه نتنياهو وترامب ومن على شاكلتهما ما يحلو لهم، ويرتكبون كل هذه الجرائم البشعة، ويقترفون كل تلك الحماقات.. ولا يكترث أحد.. فماذا بعد؟

القدس العربي

Print Friendly, PDF & Email