الشعب الفلسطيني بين محاولات الكسر وشروط النصر

الشعب الفلسطيني بين محاولات الكسر وشروط النصر

لا وقت للخطابات العاطفية ورفع الشعارات الطنانة والتأكيد على عظمة الشعب الفلسطيني وقدراته وصبره وصموده. أمور بديهيات لا وقت لتكرارها. نحن أمام مشهد في غاية التعقيد. هناك حشد كبير تقوده الولايات المتحدة، يسعى إلى تصفية القضية الفلسطينية مرة وإلى الأبد. والمعروض على الفلسطينيين لا شيء أكثر إلا أن يوقعوا صك الاستسلام، مقابل تحسين ظروف سجنهم الكبير وتلطيف وجه الاحتلال القبيح.
صفقة القرن التي صاغها نتنياهو بالتعاون مع شركائه الثلاثة كوشنر وغرينبلات وفريدمان تهدف في نهاية المطاف إلى ابتلاع أرض الضفة الغربية، بما فيها القدس والتعامل مع الشعب الفلسطيني كأفراد وسكان لا كمواطنين، والتخلص من غزة، برميل البارود الجاهز للانفجار، ليصبح قضية مصرية عربية لا علاقة لإسرائيل فيها.
هذا المخطط بدأ العمل عليه منذ انتخاب دونالد ترامب وانحيازه المطلق للموقف الإسرائيلي بدون تحفظات، وقد اتفقت هذه الخلية الصهيونية الخطيرة على استغلال وجود ترامب في البيت الأبيض لتحقيق ثلاثة أهداف أساسية متشابكة ومترابطة:
أولا- السيطرة الكاملة على مصادر الطاقة وشفط أموال الخليج تحت غطاء التهديد الإيراني؛
ثانيا- دعم إسرائيل لتكون القوة الإقليمية الأكبر وتطبيع علاقاتها مع دول المنطقة، بحيث تكون علنية وتسهيل دخولها إلى دول الخليج، بداية بالرياضة والثقافة وصولا إلى المشاريع الاقتصادية الكبرى والتبادل التجاري المتعاظم؛
ثالثا- كي يتحقق الهدفان الأول والثاني إذن لا بد من حل المسألة الفلسطينية حلا جذريا، بحيث يغلق تماما باب إقامة أي كيان سياسي فلسطيني بين البحر والنهر، وإعطاء إسرائيل كامل السيطرة على الأرض، أولا بضم المستوطنات الكبرى كخطوة أولى، ثم التعامل مع الفلسطينيين في هذه المناطق كسكان وليس شعبا، وفتح ممر للتسرب إلى الأردن. أما قطاع غزة فيعامل كوحدة في ذاتها كبديل للدولة الفلسطينية بتوسيعه قليلا، وضخ إمكانيات اقتصادية لتحسين مستوى الحياة من تحت الصفر إلى فوق الصفر قليلا. لكن السيطرة تنتقل من إسرائيل إلى مصر وأهل غزة أعرف بما يعني ذلك.
ورشة المنامة – الإزدهار والسلام
إذن الشق السياسي لصفقة القرن، كما قلنا مرارا، تم تنفيذ 90% منه، خاصة في ما يتعلق بالقدس وحق العودة، وإلغاء الأونروا وضم المستوطنات، ونقل السفارة وإغلاق ممثلية منظمة التحرير في واشنطن، ووقف المساعدات عن السلطة وحتى سحب منظمة الإغاثة USAID الأمريكية.
أما الشق الثاني من الصفقة فقد يبدأ تنفيذه بعد مؤتمر البحرين، الذي تقرر عقده يومي 25 و26 يونيو/حزيران المقبل. ويهدف المؤتمر إلى جمع أموال الخليج لتمهيد الأجواء لتثبيت الشق السياسي، أي إقناع ببيع حقوقهم التاريخية بحفنة من الدولارات لتحسين شروط استسلامهم وتأطيره ضمن عملية جماعية، عربية الإطار الخارجي، صهيونية المحتوى والأهداف.

لا شيء يوحد الشعب الفلسطيني مثلما توحده المقاومة، ولا شيء يضمن اصطفاف جماهير الأمة العربية والإسلامية إلا النضال لانتزاع الحقوق

وأنا واثق أن هناك ضغوطا شديدة تمارس على السلطة الفلسطينية والفصائل وحركة حماس وبعض رجال الأعمال الفلسطينيين وبعض الوجهاء العشائريين، الذين كما يقول المثل الفلسطيني «يحبون الكبرة ولو على خازوق» لحضور «ورشة المنامة»، كما يحب عرابوه أن يسموه، ليقولوا للعالم هناك تمثيل فلسطيني. وأنا واثق أن بعض الأسماء الفلسطينية الموجودة في دول الخليج، سيشاركون عن طيب خاطر، أو خوفا أو طمعا. وقد يصدر عن اللقاء تعهدات مالية بأرقام خيالية، يسيل لها لعاب العديد من دول المنطقة التي تعيش أزمات اقتصادية حادة. أمام هذا المأزق الوجودي ما العمل؟
لعل ضارة نافعة، فالشعب الفلسطيني الآن موحد بشكل غير مسبوق في رفضه لصفقة العصر، واعتبارها مؤامرة، مخونا من يشارك فيها من الفلسطينيين، ومحذرا العرب المشاركين من خطورة انطلاء اللعبة عليهم. لكن هذا لا يكفي، فالشعب الفلسطيني أمامه الآن أحد خيارين: إما محاولة إنقاذ القضية برمتها، والوقوف أمام هذه المؤامرة الكونية والانتصار عليها، حتى لو كان ذلك على حساب فقدان عدة آلاف لامتيازاتهم، أو الاستمرار في النهج الحالي والانزلاق الأكيد نحو الهاوية، التي أعدها الثنائي نتنياهو ترامب للفلسطينيين، في ظل دعم أو تخاذل أو لامبالاة أنظمة عربية، ولذلك فليس المطلوب فقط التقريع وتقسيم اللوم وإطلاق الصراخ والشعارات، بل برنامج عمل جمعي يؤطر هذه الطاقة المتجددة عند الفلسطينيين في الوطن والشتات، وقد بدأت مجموعات عديدة في الولايات المتحدة وأوروبا تنسق جهودها للعمل ضد صفقة القرن، ولذا نجد من المهم أن نضع بعض الملاحظات القابلة للنقاش والتطوير، إجابة على سؤال ما العمل الذي يطرحه الجميع.
أولا: بما أن المقصود من صفقة العصر هو تصفية القضية الفلسطينية تماما، ولا يستثنى من هذا المخطط أحد، إذن فالتصدي لها مسؤولية جماعية وفردية «فرض عين وليس فرض كفاية». وعلى كل فلسطيني وفلسطينية أن يسأل نفسه وأقرانه كيف يساهم في إسقاط صفقة القرن والانتصار عليها. ولا يختلف اثنان على أن وحدة الشعب الفلسطيني بكافة فئاته وأطيافه وفصائله ومؤسساته واتحاداته ونقاباته ورجال أعماله وقيادته الفكرية والاجتماعية والفنية، مدعوة الآن أكثر من أي وقت مضى للالتفاف حول هدف إسقاط صفقة القرن، وتجاوز كثير من الخلافات الأخرى. وتتحمل قيادتا حركتي حماس وفتح بالتحديد مسؤولية تاريخية لن تغفر لهما إذا بقيا يعيشان عقلية المناكفة والمنافسة والتهديد والتخوين. ولا بد أن نضيف أن المسؤولية الأكبر تقع على قيادة السلطة في رام الله، لأنها تتحمل مسؤولية الكارثة التي نعيشها الآن، ولا يجوز لها أن تتنصل من المسؤولية، وعليها أن تأخذ موقفا تاريخيا يحسب لصالحها، إن وقفت موقفا شجاعا تعلن بكل ثقة اعتذارها عن أوسلو، وتعد أن تصحح المسار بدءا بوقف العمل بالاتفاقيات الكارثية التي وقعتها نيابة عن الشعب الفلسطيني، بدون تفويض أو تأييد، وأول هذه الاتفاقيات ما يتعلق بالتنسيق الأمني واتفاقية باريس الاقتصادية وغيرها.
ثانيا: تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية، وإعادة الاعتبار لها وضم كل من هم خارج خيمتها، من أجل تفعيل التمثيل الفلسطيني. فمنظمة التحرير تظل الخيمة الجامعة لكافة أطياف الشعب الفلسطيني وتجمعاته وقواه الحية. وتفعيل المنظمة عمل جماعي يجب أن يشمل كافة مؤسساتها ومناطق تواجد الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات. هناك ضرورة لإعادة بناء المجلس الوطني الفلسطيني بجدية، وبعدد معقول يمثلون فعلا قوى مدنية وسياسية وتجمعات ونقابات وأصحاب فكر ومهارات وفاعليات فنية وثقافية واقتصادية. يمارس الانتخاب حيث يمكن ممارسته، ويتم الاختيار الإجماعي أو شبه الإجماعي عندما يتعذر الانتخاب. وبعد اكتمال إنشاء المجلس الوطني الجديد ذي التمثيل الحقيقي، على قاعدة النضال يدعى للاجتماع لانتخاب لجنة تنفيذية جديدة ومصغرة وفاعلة أقرب إلى حكومة الإنقاذ الوطني.
ثالثا: إقرار برنامج نضال للمرحلة المقبلة بالوسائل المتاحة. برنامج اشتباك وطني شامل مع القوى التي تعمل على تدمير القضية الفلسطينية. فلا شيء يوحد الشعب الفلسطيني مثلما توحده المقاومة، ولا شيء يضمن اصطفاف جماهير الأمة العربية والإسلامية وشرفاء العالم، إلا النضال لانتزاع الحقوق. ما أقصده بالنضال هنا أولا الانتماء إلى حالة ذهنية تقوم أساسا على مبدأ أن الحقوق تنتزع انتزاعا، وأن صاحب الحق قوي ما دام متمسكا بحقوقه ورافضا التخلي عنها، ثم تأتي المقاومة السلمية المتواصلة والمتعاظمة والقادرة على إنجاز في وقت قصير أكثر بكثير مما أنجزته جماعة «المفاوضات». يجب أن يشكل النضال الفلسطيني المدعوم عربيا وعالميا التوسع في برنامج المقاطعة، وسحب الاستثمارات والعقوبات (المعروف باسم بي دي إس)، وكسر الحصار عن غزة؛ والاستمرار في تسيير المظاهرات والمسيرات السلمية العارمة والمتواصلة والمنظمة نحو الحواجز أو الجدار أو المستوطنات.
رابعا: يجب إعادة الصراع إلى جوهره الحقيقي: وحدة الشعب ووحدة الأرض ووحدة القضية القائمة على وحدة السردية الفلسطينية القائمة على اقتلاع شعب من وطنه وأرضه بغير حق، من قبل القوى الاستعمارية قديمها وجديدها. الصراع يجب ألا يكون على جزء من الحقوق، على جزء من الأرض لجزء من الشعب، بل كل الحقوق لكل الشعب على كل الأرض، أي إعادة جوهر النضال إلى كونه حركة تحرر وطني، وليس البحث عن دولة على 20% من أرض فلسطين، تم الاستيلاء أصلا على 60% من العشرين%.
خامسا وأخيرا: يجب اعتماد أساليب نضالية حسب الظروف والواقع، والممكن بحيث تكون أكثر فاعلية وأقل تكاليف، واضعين في عين الاعتبار إعطاء دور ريادي وأساسي لأبناء الشعب الفلسطيني في فلسطين التاريخية، والعمل على تمكينهم من الصمود والمواجهة السلمية والمتعاظمة.

هذا برنامج مفتوح للنقاش وللتطوير إذا أردنا الانتصار على صفقة القرن وإبعاد خيار الانكسار أمام مغرياتها.

القدس العربي

Print Friendly, PDF & Email