واشنطن وطهران بين شروط التفاوض والتدريبات العسكرية

واشنطن وطهران بين شروط التفاوض والتدريبات العسكرية

تبادلت الولايات المتحدة وإيران، أمس، شرط «تغيير السلوك» للدخول في مفاوضات لاحتواء التصعيد الحالي واحتمالات المواجهة بينهما، فيما أجرت السفن الحربية الأميركية مناورات في بحر العرب.

قال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إن الولايات المتحدة الأميركية مستعدة لمباشرة محادثات غير مشروطة مع إيران، في حين قالت طهران إنها تهتم بأفعال الأميركيين لا بتصريحات ساستهم.وقال بومبيو في مؤتمر صحفي عقده في سويسرا بعد محادثات مع وزير الخارجية السويسري، “نحن مستعدون للدخول في محادثات معهم دون شروط مسبقة للتفاوض. نحن مستعدون للجلوس معهم”.بيد أن شدد على أن هدف واشنطن هو القضاء بصورة كاملة على ما وصفه بـ”النشاط الخبيث لهذه الجمهورية الإسلامية والقوى الثورية التابعة”.وتمارس الولايات المتحدة ضغوطا اقتصادية هائلة على إيران منذ أكثر من عام، في شكل عقوبات أعيد فرضها بعدما انسحبت واشنطن بصورة أحادية من الاتفاق النووي الذي تم التوصل إليه بين طهران والقوى الدولية في فيينا عام 2015.وهي المرة الأولى التي تعلن فيها إدارة الرئيس دونالد ترامب بهذا الوضوح استعدادها لبدء حوار دون شروط مسبقة مع الجمهورية الإسلامية.

وفي أول تعليق من طهران على حديث بومبيو، وصفت الخارجية الإيرانية هذه التصريحات بأنها “لعب بالكلمات وتنطوي على أهداف سرية”.وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، عباس موسوي، وفقاً لما أوردته قناته على تطبيق “تليغرام” إن “المعيار للجمهورية الإسلامية هو تغيير السلوك والتوجه العام للولايات المتحدة الأميركية تجاه الشعب الإيراني”، مضيفاً أن “اللعب بالكلمات ومتابعة أهداف سرية من خلال كلمات جديدة ليس معياراً للعمل”.

وأكد المتحدث الإيراني أن “تأكيد السيد بومبيو على مواصلة سياسة الضغوط القصوى ضد إيران يثبت استمرار السياسات الخاطئة السابقة”، داعياً إلى “ضرورة إصلاح هذه السياسات”.وفي سياق الرد على بومبيو أيضاً، قال الرئيس الإيراني حسن روحاني إن واشنطن هي التي غادرت مائدة التفاوض “ويجب أن تعود دولة طبيعية”.

ونقل الموقع الرسمي للحكومة الإيرانية عن روحاني قوله إن “الطرف الآخر الذي غادر مائدة التفاوض وخرق معاهدة عليه أن يعود دولة طبيعية. وإلى أن يتم ذلك ليس لنا أي خيار سوى المقاومة”.أما وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف فاعتبر في مقابلة مع قناة “أي بي سي” الأميركية، اليوم الأحد، أن “التفاوض بين أميركا وإيران ليس محتملاً كثيراً لأن المباحثات ستكون استمراراً لمسار الضغط”.

وأضاف الوزير الإيراني أن ترامب “له تجارب في سوق العقارات، لكن هذه التجارب لا تنفع في التعامل مع إيران”، قائلاً إن استمرار الضغوط الأميركية “قد يترك تأثيرات على سوق العقارات، لكنها لن تؤثر على سياسات إيران”.ووصف ظريف العقوبات الأميركية على إيران بأنها “إرهاب اقتصادي يستهدف المواطنين”، موضحاً “إذا كان هدف الرئيس الأميركي هو ممارسة الضغوط على الشعب الإيراني، فهو قد وصل إليه، لكنه لن يصل إلى أهدافه السياسية من خلال الضغط على الإيرانيين”.وحذر وزير الخارجية الإيراني، في الوقت نفسه، من أن “مواصلة الضغوط الاقتصادية على الشعب الإيراني ستكون لها تداعيات”، قائلاً إنه “لا فرق بين الحرب الاقتصادية والحرب العسكرية”. كما لفت إلى أن “لا أحد يخرج رابحاً من الحرب، والجميع خاسرون، لكن انهزام البعض سيكون أكبر من آخرين”.وحول تبعات الضغط على إيران، قال ظريف إن بلاده تدافع عن نفسها في مواجهة “الحرب الاقتصادية التي قال الرئيس ترامب أنه شنّها على إيران”.​

وكان الرئيس الإيراني، قال أمس السبت، إن إيران قد تجري محادثات إذا أظهرت الولايات المتحدة الاحترام واتبعت القوانين الدولية، مشيراً إلى أن القوات الأميركية “توقفت على بعد 400 ميل” عن طهران.ونقلت وكالة فارس عن روحاني قوله: “نحن نؤيد المنطق والمحادثات إذا جلس (الطرف الآخر) باحترام إلى طاولة المفاوضات واتبع القواعد الدولية، لا أن يصدر أمراً بالتفاوض”.وأضاف روحاني، وفقاً لموقع الرئاسة الإيرانية، أن “العدو الذي كان يعلن حتى العام الماضي أن هدفه هو القضاء على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يؤكد اليوم صراحة أنه لا يريد تغيير النظام (الإيراني)”.

وبدت تصريحات روحاني موجهة لأطراف داخلية ترفض السماح لإدارته بإجراءات مفاوضات. وقال روحاني، في السياق نفسه، إن «الأعداء الذين زعموا حتى شهر مضى أن لديهم أكبر قوة عسكرية في العالم، وبمقدورهم هزيمة قواتنا المسلحة إن شاءوا، يعلنون اليوم أنهم لا يريدون حرباً مع إيران»، كما أشار روحاني إلى عدم دخول حاملة طائرات «إبراهام لينكولن» إلى مياه الخليج، على الرغم من وصولها إلى بحر العرب منذ شهر. وقال: «كانت سفنهم تسرح وتمرح في الخليج، لكن اليوم لا خبر عن تلك السفن، إنها ترسو على بعد 300 أو 400 كيلومتر من الخليج».

ولقد واجه تحديد شروط إيران للمفاوضات من قبل الرئيس الإيراني حسن روحاني، ردوداً متسارعة من كبار القادة العسكريين، أمس، وقال مستشار المرشد الإيراني في الشؤون العسكرية، رحيم صفوي، «يجب على الولايات المتحدة الخروج من المنطقة»، وأضاف أن السفن العسكرية الأميركية في الخليج تقع في مرمى الصواريخ الإيرانية، مشيراً إلى أن «إطلاق أول رصاص سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط إلى 100 دولار». ورفض المنسق العام للجيش الإيراني حبيب الله سياري، التفاوض حول البرنامج الصاروخي.
وقال مستشار المرشد الإيراني، رحيم صفوي، في تصريح لوكالة «فارس» الناطقة باسم «الحرس الثوري»، إن «أول رصاصة في الخليج ستؤدي إلى تخطي أسعار النفط حاجز 100 دولار»، مشدداً على أن هذا السعر فوق طاقة حلفاء واشنطن الأوروبيين واليابان وكوريا الجنوبية.

في المقابل، قالت البحرية الأميركية، أمس، إنها أجرت في بحر العرب تدريبات لمحاكاة عمليات هجومية، وقادت حاملة الطائرات «إبراهام لينكولن» التدريبات بمشاركة سرب من مقاتلاتها، وانضمت إليها قاذفات «بي 52»، التي هبطت الشهر الماضي بقاعدة العديد في قطر. وتعد المرة الثانية التي تعلن القيادة المركزية الأميركية في المنطقة عن تدريبات على علميات هجومية، بعدما أرسلت مجموعة «إبراهام لينكولن» لردع تهديدات محتملة من إيران.
وقال البنتاغون، في بيان، إن التدريبات التي جرت أول من أمس، شهدت مشاركة مروحيات مقاتلة من طراز «هورنت» وأخرى من نوعية «إم – إتش 60»، متعددة الأغراض، الخاصة بالعمليات القتالية، وطائرات «أواكس».
على الصعيد ذاته، قال سلاح الجو الأميركي إن قاذفة «بي 52» قامت أيضاً بمحاكاة «لعمليات الضربة» في التمرين الذي جرى  يوم السبت الفائت.

وفي سياق متصل للأزمة الأمريكية الإيرانية حمل إعلان القوات الأميركية عن إجراء تدريبات عسكرية في بحر العرب، إنذارا عمليا شديد اللهجة لإيران، وذلك في أوج التصعيد بحرب البيانات والتصريحات بين واشنطن وطهران المتهمة بالضلوع في تهديد الملاحة البحرية وخطوط تصدير النفط عبر تخريب سفن قرب المياه الإقليمية الإماراتية، أو بواسطة جماعة الحوثي التي استهدفت بطائرة مسيرة مفخّخة خطا لضخ النفط باتجاه الساحل الغربي للسعودية.

وأعلنت قيادة الأسطول الخامس بالبحرية الأميركية والقوات الجوية الأميركية، الأحد، أن المجموعة الجوية الملحقة بحاملة الطائرات أبراهام لينكولن أجرت، السبت، مع قاذفة بي 52 إتش تابعة للقوات الجوية الأميركية تدريبات مشتركة في بحر العرب. وفي المقابل، ورغم عدم تكافؤ موازين القوى في أي صراع عسكري قد ينشب نظرا للفارق التقني والبشري الهائل بين القوات الأميركية والقوات الإيرانية، ماتزال طهران توجّه تهديدات إلى الولايات المتحدة يُعتقد على نطاق واسع أنها موجّهة للاسهلاك الداخلي كجزء من الخطاب التحميسي التعبوي المعهود في إيران منذ سنة 1979.وقال يحيى رحيم صفوي مساعد ومستشار المرشد الإيراني علي خامنئي في تصريحات نقلتها وكالة فارس الإيرانية، الأحد، إنّ القوات الأميركية في المنطقة في مرمى نيران القوات الإيرانية.

ووفقا لبيان للبحرية الأميركية، فإن التدريبات الذي جرت على مقربة من السواحل الإيرانية واليمنية، هدفت إلى “تحسين التكتيكات العملياتية في العديد من مناطق الحروب، وشملت التدريب جوّ-جوّ والطيران في تشكيلات وعمليات لمحاكاة لتنفيذ قصف دفاعا عن أصل من الأصول الوطنية”. وأضاف البيان أنّ التدريبات وفرت فرصة نادرة لأنها جمعت بين طائرات تكتيكية متعددة عادة لا تعمل في نفس المجال الجوي.

وحسب وكالة أسوشيتيد برس، فقد شهدت التدريبات خروج طائرات من طراز أف.إيه 18 سوبر هورنت، وأم.إتش 60 سي.هوك، وأي 2 دي غراولز، من حاملة الطائرات أبراهام لنكولن التي أرسلت إلى منطقة الخليج العربي في مايو الماضي على خلفية تصاعد التوترات مع إيران.

وتصنّف القاذفة بي 52 إتش كطائرة استراتيجية مقاتلة طويلة المدى وتشغّلها القوات الجوية الأميركية منذ العام 1955 ويمكن أن تحمل معدات يصل وزنها إلى 70 ألف رطل من الأسلحة ولديها مدى قتالي يتجاوز 8800 ميل. كما أن لديها قدرات مضادة للسفن والألغام، ما يجعلها سلاحا شديد الفعالية لمساعدة البحرية في مراقبة المحيطات.

كما يقول المثل العربي ” مصائب قوم عند قوم فوائد”، قال الباحث ناثان ليفين في تقرير نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكي مؤخرا إن الفائز الحقيقي من وراء أي مواجهة أمريكية إيرانية هو الصين، وإنه إذا خاضت الولايات المتحدة حربا مع إيران، فإن هذا يعني بداية ” قرن صيني”.

وأشار ليفين إلى أن الولايات المتحدة غارقة في مواجهة تزداد تفاقما مع الصين، والعلاقات بينهما مستمرة في التدهور، وأي حرب في الشرق الأوسط سوف تكون فكرة سيئة لأنها سوف تضعف بصورة كارثية الوضع الجغرافي السياسي لأمريكا في مواجهة الصين في أسوأ وقت ممكن، مما يستنزف ويضعف القوة العسكرية والاقتصادية الأمريكية في الوقت الذي تحتاج فيه أمريكا لكل ذرة قوة للتوازن مع الصين التي يصعد نجمها بصورة سريعة، مما سيوفر لها فرصة تحقيق طموحاتها بالتفوق على الولايات المتحدة اقتصاديا، وضمان الهيمنة العسكرية في منطقة المحيط الهادىء، وتحقيق دور قيادي في تطور النظام العالمي.  وأخيرًا فالولايات المتحدة وإيران وأوهام الحرب فهي جعجعة بلا طحن.

وحدة الدراسات الدولية

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية

Print Friendly, PDF & Email