ماذا تريد إيران من التصعيد الجديد… “الحرب” أم تحسين شروط التفاوض؟

ماذا تريد إيران من التصعيد الجديد… “الحرب” أم تحسين شروط التفاوض؟

أوقع السلوك الجديد لإيران ووكلائها في المنطقة، المحللين في حيرة نحو غاية طهران منه، بوصفه يأتي في ظل تهديدات أميركية بأن ثمن أي استهداف إيراني لمصالح الولايات المتحدة أو حلفائها في المنطقة سيكون شديد القسوة.

لكن الذي حدث أن الإيرانيين ووكلاءهم، بدلاً من تغيير نمطهم المعتاد في المس باستقرار المنطقة، رفعوا وتيرة الهجمات، منذ بلوغ العقوبات الأميركية ذروتها بتصفير صادرات النفط الإيرانية في أبريل (نيسان) 2019. فهل يعني ذلك أن رجال خامنئي كانوا يريدون حرباً مهما تكن؟ أم أنهم موقنون بأنهم في أمان من غضب رجل البيت الأبيض القوي، ويثقون بجنوحه نحو السلم ويدعمون فقط أوراقهم على طاولة التفاوض معه المنتظرة؟

أوراق تفاوض ولكن!

عدد من التساؤلات يطرحها المحللون السياسيون والخبراء في الخليج والعالم، ليس أقلها رواجاً التكهن بأن إيران فقدت صوابها وهي ذاهبة نحو الانتحار، مثلما فعلت من قبل في حربها مع صدام، واعتادت نظم ثيوقراطية أن تفعل بعد أن أسكرها خمر الغرور والأيديولوجيا.

المحلل السعودي الكبير عبد الرحمن الراشد، يرى أن “الغرض من كل الاستنفار الإيراني باستهداف ناقلات النفط الدولية، هو التفاوض، على الرغم من تزايد القناعة بين أطراف دولية متحفظة، مثل بريطانيا، بأن طهران هي المذنبة في العملية الإرهابية الأخيرة على الأقل، التي استهدفت سفن نفطٍ في خليج عمان، على بعد أميال من مضيق هرمز، الذي هددت إيران بإغلاقه مرات عدة، غير أنها لم تمتلك الشجاعة بذلك حتى اليوم”.
ومن بين المبررات التي يسوقها المحللون في استبعاد أن تكون إيران تريد حرباً حقاً بتحرشاتها الجديدة، فداحة الثمن الذي دفعته في ثمانينيات القرن الماضي، عندما أشعلت “حرب السفن” في إطار حربها الضروس مع العراق حينذاك. غير أن طهران لم تزد على أن فعلت قليلاً مما تعهدت به، حين يجري حظر نفطها بمنع أي نفط آخر من العبور عبر المياه الدولية، التي تبتز إيران بقرصنتها المجتمع الدولي كلما وجدت نفسها في “عنق الزجاجة”.

غير أن الخبير في الشأن الإيراني الدكتور عبدالله الطاير، الذي بحث أخيراً في كتابٍ له باللغة الإنجليزية بعنوان “حرق الشيطان”، خيوط المشاركة الإيرانية الفعلية في أحداث 11 سبتمبر، قال في تصريح لـ “اندبندنت عربية”، إنه “من بين المصدقين أن الإيرانيين يفضلون الانتحار على حالتهم الراهنة بعد العقوبات الأميركية، لأنهم يعتقدون أنها ستفضي لا محالة إلى تفكك الدولة من حولهم وانهيارها إن استمرت، بالتالي فإن الحرب أقل كلفة، بحسب قراءتهم”.

“الحرب” أهون!

وقال “العقوبات المفروضة على إيران لم يسبق لها مثيل، وهي كفيلة بإسقاط طهران لأنها تقطع أوصال قوتها، ومنها الموجودة في اليمن ولبنان والعراق وسوريا، بشكل لم يعد بإمكان إيران تغذيتها. ولذلك فإن إيران مع هذا الوضع الذي هي فيه، تفضل الحرب لأنها ستوحد الشارع الإيراني، خصوصاً بعد تأكدها من عدم جدية أميركا في الحرب المحدودة أو الشاملة”.

ويرجح الطاير أن حادثة السفن ربما “تقيد ضد مجهول لقطع الطريق على إيران التي لا تجد لها مخرجاً سوى في الحرب، لأنها في وضع أسوأ من الحرب”.

وكانت إيران مثل عادتها، رفضت الاتهامات الأميركية والبريطانية لها باستهداف السفن في خليج عمان، بل تجاوزت إلى أبعد بإبداء ما يشبه تضامناً غير مفهوم، طرحت فيه بحث مشكلات الملاحة في الخليج مع الإقليم.

غير أن المحلل السياسي المتخصص في الشأن الأميركي الدكتور أحمد الفراج، اعتبر في حديث مع “اندبندنت عربية”، أن ما أسماه “وقائع التنمر الإيراني باستهداف الناقلات النفطية في مايو (أيار) 2019، وضرب حلفائها بطائراتهم المسيرة وصواريخهم الإيرانية أهدافاً نفطية ومدنية في السعودية، في مثل حادثة مطار أبها الأخيرة، تعود في أصلها إلى خطأ جسيم في التقدير، ارتكبه الطرفان الأميركي والإيراني إلى جانب خيانة غير مستبعدة من جانب أطراف في الدولة العميقة بأميركا من رجال الاستخبارات والبنتاغون، أعداء ترمب من المحسوبين على الحزب الديمقراطي”.

وأكد في هذا السياق أن ترمب نفسه اكتشف أن شخصاً من فريق الرئيس السابق باراك أوباما، هو جون كيري، لا يزال على اتصال مع الإيرانيين، يدعوهم إلى الصبر ويهوّن لهم من شأن جدية ترمب، ويعدهم بعودة المياه إلى مجاريها بعد الانتخابات التي يعلقون أملاً كبيراً على كسبها، بحسب مزاعمهم.

ترمب أخطأ بتفريطه في فزاعة “بولتون”

لكن الفراج اعتبر أنه “وهم كبير من الإيرانيين إن هم تعلقوا به، بيد أن الأخطاء الثلاثة، التي قال إنها أوصلت رسائل خاطئة إلى طهران، جاءت غير محسوبة من الرئيس الأميركي عندما تعامل على طريقته الارتجالية مع طهران، من دون وضع الاعتبار لطبيعة نظامهم الماكر”.

وفصّل وجهة نظره بأن “أسباباً عدة أوصلت الأمور إلى وضعها الحالي، فالمشكلة أن ترمب أخذ موقفاً حازماً في فرض حصار غير مسبوق على إيران، بشهادة معظم المعلقين، ثم ارتكب أخطاء عدة قادت إلى ما وصلنا إليه اليوم، الأول بعدما أخذت الحكومة الإيرانية موضوع الحصار بجدية وشعرنا فعلاً بقلق وخوف الإيرانيين مما تنوي إدارة ترمب فعله. ارتكب الرئيس خطأ يصعب فهمه حتى لو كان مناورة عندما قال إنه يرغب في لقاء الرئيس الإيراني، فكانت رسالة تنازلية سلبية لن أقول إنها أفسدت مفعول الحصار ولكن لم يكن لها أي داعٍ، وفُهمت بسلبية من جانب إيران”.

الخطأ الإستراتيجي الثاني في الأزمة الذي اعتبر الفراج الإدارة الأميركية وقعت فيه، هو “نجاح خصومه الديمقراطيين في استفزازه عندما نفى أن يكون مستشاره للأمن القومي جون بولتون هو الممسك بملف إيران، فأظهر للرأي العام أنه أقوى من أن يدير بولتون أو غيره ملفاته الكبرى، وأنه صاحب القرار”.

في حين يرى المحلل السعودي أن “شخصية بولتون مرعبة للإيرانيين، ويعرفون جرأته في اتخاذ قرارات الحرب، ويصارح برغبته في توجيه ضربة عسكرية لإيران وتغيير نظامها، فكان وجوده في الصورة رادعاً قوياً للإيرانيين الذين يعرفون خلفيته جيداً”.

إهانة الوسيط أم ضمير مستتر؟

أما الخطأ الثالث في اعتقاد المحلل فكان بعث الأميركيين رئيس وزراء اليابان شينزو آبي وسيطاً إلى إيران، للجلوس إلى طاولة المفاوضات، فكان الرد من جانب طهران مخيباً، في قراءة خاطئة أيضاً من المرشد الإيراني علي خامنئي للموقف الأميركي، بأنه ينم عن حاجة واشنطن وليس إيران إلى التسوية، مما أغرى طهران بالتنمر واستعراض القوة أكثر في يوم زيارة آبي طهرن، عند استهداف ناقلات النفط في خليج عمان، في خطوة استفزازية، زادت من حدة التوتر في المنطقة، وأقنعت مزيداً من دول العالم بالنوايا الإيرانية، بما في ذلك بعض حلفاء إيران، مثل الحكومة العراقية التي دانت خارجيتها الحادثة، على الرغم من علاقاتها الوثيقة بطهران.

ولا يأخذ كثير من المهتمين رفض خامنئي الوساطة اليابانية على محمل الجد، فالضمائر المستترة كانت دوماً مطية الإيرانيين نحو التعاطي مع المواقف، تغطية على واقعها الصعب هذه الأيام “في ظل أزمات اقتصادية وسياسية خانقة”.
غير أن خبراء في العلاقات الدولية، يرون أن السلوك الإيراني القائم حالياً عبر ترهيب سفن الملاحة الدولية والقرصنة، من شأنه أن يعمق مشكلات إيران أكثر مع بقية حلفائها في المجتمع الدولي، ويزيد الضغوط على حكومة طهران، وهي التي تحاول أن تخفي ضعفها بتحريك أذرعها الإقليمية والتستر على دورها التخريبي. وحين تتفاوض أو تتنازل تسمي ذلك “تجرع سم” وتفضل أن تقوم بذلك في الغرف المغلقة، حتى وإن بقيت شعارات “الموت لأميركا في الميادين والفتاوى تصفق للولي الفقيه”.

اندبندت

Print Friendly, PDF & Email