العراق بين التصعيد الامريكي والايراني

العراق بين التصعيد الامريكي والايراني

 

شذى خليل*
الاقتصاد العراقي متأخر ويفتقر الى الصناعة التنموية والتطوير ويعتمد في تمويل الميزانية على واردات النفط بصفة رئيسية ، فاصبح يعتمد بشكل كبير على الاستيراد وبالأخص من إيران.
حيث تعد إيران هي الشريك التجاري الأهم بالنسبة للعراق ، ويقدر الميزان التجاري بينهما بـ(12$) مليار دولار ، ويعتمد العراق على التزود بالغاز والكهرباء من إيران ، وتجميد تزويدهما يعني دخول العراق في أزمة حقيقية ، ويمكن أن يخرج الجمهور للشوارع مثلما حدث قبل بضعة أشهر في البصرة.
تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران تصعيدا ملموسا في الأشهر الأخيرة على خلفية فرض واشنطن عقوبات اقتصادية على إيران ، وتصنيف حرسها الثوري إرهابيا ، وإرسال مجموعة سفن حربية بقيادة حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” برفقة قاذفات من طراز “B52” إلى منطقة الخليج بسبب “تهديدات إيرانية” للقوات الأمريكية وحلفائها.
العراق وسيط بين واشنطن وطهران:
أكد العراق على ضرورة التحلي بالحكمة والعقل في التعامل مع التطورات الأخيرة في المنطقة ، رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي أكد سعي العراق للوساطة بين أمريكا وإيران للدفع باتجاه التهدئة ، واستدرك أنه لا يوجد أي طرف عراقي يريد الدفع بالأمور باتجاه الحرب بينهما.
وسيتمر العراق في تحريك وساطات تشمل دولا في المنطقة من اجل تفادي النزاعات ، ومنها روسيا التي تتوسط لحل الأزمة ، وأيضا قطر وسويسرا وسلطنة عُمان واليابان ، ويعمل العرق على تفعيل الوساطة .
لكن هل حيادية العراق كافية من اجل حمياة اقتصاده ، وحتى سياسته الخارجة من الانعكاسات الخارجية الامريكية والإيرانية ، كونهما الاثنين يمتلكان النفوذ في العراق ، فهل سيصبح العراق ساحة للتصفيات ويفقد التوازن بين القوتين ؟!.
وهنا يجب التأكيد على ضرورة سعي العراق الى إيجاد بدائل اقتصادية ، وعلى السعودية أن تمكنه من التحرر بالتدريج من الاعتماد على إيران.

التهديدات الأميركية لإيران تدخل حيز التنفيذ:
دخل مطلع الشهر الحالي ، قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب “تصفير النفط الإيراني” ، موضع التنفيذ ، مع نهاية مهلة منحتها واشنطن لعدد من الدول للامتناع عن استيراد نفط طهران ، مما يزيد الصعوبات الاقتصادية التي تواجه إيران ، في ظل الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للتدفقات الأجنبية.
ومن جهة أخرى ، إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تبعث وسطاء عبر العراق الى إيران ، حيث ذكر وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو أنه بعث لإيران برسالة تحذيرية خلال زيارة رُتبت على عجل إلى بغداد الشهر الماضي ، مفادها أن أي هجوم تشنّه طهران أو أحد وكلائها ويؤدي لمقتل أميركي واحد سيؤدي إلى هجوم عسكري أميركي مضاد ، لكن إيران رفضت التفاوض مع واشنطن” تحت الضغوط والعقوبات التي ترى انها تعني الاستسلام وتقديم التنازلات .
وبذات الصدد ، بين الرئيس الإيراني حسن روحاني أن بلاده ستنفذ الخطوة الثانية من خفض تعهداتها في الاتفاق النووي ، إذا لم ينفذ شركاء الاتفاق تعهداتهم خلال ما تبقى من مهلة الستين يوما التي أعلنتها إيران في وقت سابق.
إن العقوبات التي “فرضتها أميركا فشلت ، وبحسب ما نقل لنا من مسؤولين أجانب ، فإنها تعترف بفشلها ، وهذا عمل كبير قامت به إيران”.
وأضاف روحاني “الإجراءات التي نقوم بها لخفض التزاماتنا في الاتفاق النووي هي أدنى ما يمكن القيام به ضمن إطار الاتفاق ، وإيران حينما خفضت التزاماتها ليس فقط لأن الطرف الآخر انسحب من الاتفاق ، وإنما لاستهدافه أساس الاتفاق بفرض العقوبات على الشعب الإيراني”.
رسائل إيرانية ملغمة باتجاهات متعددة:
أوضحت صحيفة “هآرتس” العبرية في مقال للكاتب تسفي برئيل ، أن “صاروخ الكاتيوشا الذي انفجر قرب السفارة الأمريكية في بغداد ، حول مرة واحدة العراق لبؤرة جديدة لمسار التصادم بين واشنطن وطهران” ، معتقدة أن “الصاروخ الذي نسب لقوات أو مليشيات مؤيدة لطهران ، حمل رسالة للإدارة الأمريكية وللحكومة العراقية بأنها لا تخضع لضغوط الولايات المتحدة”.
وأضافت الصحيفة ، “أن الضغط الأمريكي يعمل في مسارين ، نشير للأول فقط والذي يؤكد رغبة واشنطن بفصل اقتصاد العراق عن اقتصاد إيران ، وبذلك تغلق الفجوة المتوقعة في العقوبات على إيران ، وهي محاولة تمكين القوات الأمريكية من استخدام الأراضي العراقية كمنصة إطلاق للهجمات ضد طهران في حالة انتقال المواجهة لمسارات عنيفة”.
أما العمليات التخريبية الأخيرة التي تقوم بها إيران ، فلها انعكاسات خطيرة ، ليس فقط على الحالة القائمة بين إيران ودول المنطقة ، بل ستؤدي إلى عرقلة الملاحة الدولية وضرب الاقتصاد العالمي ، وتهدد أمن إمدادات النفط العالمية.
ان التجارة الدولية في أزمة حقيقية بعد استهداف السفن في الفجيرة ، إذ يمكن لتأثيراته أن تهدد استقرار الاقتصاد الدولي ، إذا تصاعدت المخاطر الجيوسياسية في المنطقة ، مما يجعل ناقوس الخطر يدق ، فجميع الاحتمالات ممكنة ، فأما التهدئة ، أو تتفاقم الأوضاع في الفترة المقبلة ، مما يؤدي الى ارتفاعه إلى أعلى مستوياته ، إضافة إلى ارتفاع تكلفة التأمين على السفن المارة بالمنطقة في حال تصاعد التخريب الذي سيكون له أيضاً تأثيرات سلبية على ارتفاع الأسعار.

وتحوي تلك المنطقة حوالي ثلث الإنتاج العالمي النفطي ، ما يعني أن التوترات سيكون لها عواقب كبيرة على أسعار النفط إلى مستويات قياسية ، والى ارتفاع كلفة التأمين على الناقلات النفطية ، ويجب ان يكون هناك تدخل دولي عبر القنوات السياسية والدبلوماسية.
إن تلك التهديدات لن تكون في مصلحة إيران بالدرجة الأولى ، لأن المستفيد من التجارة من الخليج العربي هو الأسواق الواعدة في آسيا ، وتشمل الصين والهند واليابان وتايلاند والفليبين وغيرها ، على عكس الولايات المتحدة الأميركية ، التي انخفضت حاجتها إلى النفط ، وبدأت تصدر ، وهذا يعني استعداء المجتمع الدولي ، وهو تطور لا يريد أي طرف أن يضع نفسه فيه.

ختاما لا تبدو طبول الحرب بين إيران والولايات المتحدة قريبة من الساحة العراقية، حتى مع حقيقة أن البلدين يحتفظان بقوة ونفوذ كبيرين هناك يوحي بفرص نشوب صراع عنيف. لان هناك شبكة مصالح وآليات للتعاون أو للصدام المسيطَر عليه بين الطرفين، ومن الواضح أن كليهما يستثمران في هذا النمط من العلاقة البراغماتية التي حافظت على توازن مصالحهما حتى مع قبول نسبة ربح أو خسارة لكليهما.

 

وحدة الدراسات الاقتصادية

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية